بالتزامن مع كشف الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، عن "خطة عمل حقوق الإنسان"، بداية الشهر الحاليّ، بدأ الجميع في البحث فيما تخفيه الكلمات والتصريحات لمحاولة فهم ما يسعى إليه أردوغان فعليًا من خلال هذا الإعلان، وهي الخطة التي عملت وزارة العدل عليها لما يقارب العام والنصف ضمن إطار رؤية "فرد حر، مجتمع قوي، تركيا أكثر ديمقراطية"، وسيجري تطبيقها خلال العامين القادمين استعدادًا لدخول الجمهورية التركية عامها الـ100. والسؤال هنا: هل هي محاولة للتقارب مع الغرب أم بداية للإصلاحات السياسية والاقتصادية لصياغة دستور مدني جديد؟

التقارب مع أوروبا 

فيما يعتبر الرئيس أردوغان أن خطة العمل هذه ما هي إلا دراسة أولية وميلاد للدستور المدني الجديد الذي يعمل عليه هو وحليفه حزب الحركة القومية في تحالف الشعب، على اعتبار أن كل قضية تقريبًا في خطة عمل حقوق الإنسان تستند إلى المشكلات التي يسببها العمل بدستور الانقلاب المعمول به حاليًّا، فإن تصريح وزير الخارجية مولود تشاووش أوغلو، بقوله إن خطة عمل حقوق الإنسان بتركيا ستوسع إطار الحريات وتساهم في تعزيز العلاقات مع مؤسسات الاتحاد الأوروبي، يعني أن الإجراءات المرتقبة تأتي تحت إطارين: الأول صياغة دستور مدني جديد، والثاني تحسين الأجواء الدبلوماسية مع بروكسل.

تضمن خطة عمل حقوق الإنسان بعض البنود التي تلبي شروط الاتحاد الأوروبي فيما يتعلق بحقوق الإنسان ومنح المزيد من الحريات للأقليات في المجتمع التركي

إذ تتضمن خطة عمل حقوق الإنسان بعض البنود التي تلبي شروط الاتحاد الأوروبي فيما يتعلق بحقوق الإنسان ومنح المزيد من الحريات للأقليات في المجتمع التركي، الأمر الذي قد يساعد أنقرة على السير في خطوات سريعة لتسهيل دخول الأتراك أراضي الاتحاد الأوروبي دون تأشيرة، بالإضافة لتحقيق تقدم ملموس في ملف الانضمام للاتحاد الأوروبي. 

وهو ما يمكن اعتباره بادرة حسن نية تركية لمحاولة تحسين وتعزيز علاقاتها مع دول الاتحاد الأوروبي التي تطالب دومًا بضرورة تطبيق قرارات المحكمة الأوروبية (تركيا عضو في المحكمة الأوروبية) وبالأخص دعاوى حقوق الإنسان، ومن أهمها الدعوى الخاصة بقيادي حزب الشعوب الديمقراطي صلاح الدين ديمرتاش وقضية رجل الأعمال التركي عثمان كافلا المحتجز منذ 4 سنوات على ذمه التحقيق.

واللافت في الأمر أنه تم كشف الخطة قبيل قمة بروكسل المزمع عقدها في 25 من مارس/آذار الحاليّ، التي ستناقش خريطة طريق مستقبل العلاقات مع تركيا. 

ورغم ما شهدته السنوات الأخيرة من مراحل صدام وتراجع في العلاقات بين أنقرة وبروكسل، فإن أردوغان أبدى رغبةً في تغيير سياساته خلال الأشهر الأخيرة من خلال تصريحاته المختلفة، كما أكد أن موقع تركيا الطبيعي مع أوروبا، وبالنظر لحجم الشراكة التجارية بين الطرفين فإن التقارب بينهما من شأنه أن ينقل تركيا إلى موقع آخر مختلف تمامًا.

وفي الحديث عن التجارة، فلا يمكن النظر لهذه الخطوة بعيدًا عن الأهداف الاقتصادية، إذ تسعى أنقرة من خلال هذا الإعلان تشجيع الاستثمارات سواء الداخلية أم الخارجية، فالبلاد بحاجة لتفعيل وتعزيز دولة القانون والحفاظ على نزاهة القضاء وعزله عن التأثيرات السياسية، كي يأمن المستثمر على أملاكة وحقوقه، الأمر الذي يعود بالنفع على الاقتصاد بشكل مباشر. 

رسائل للخارج

جاء إعلان خطة عمل حقوق الإنسان في وقت تبحث فيه أنقرة عن سبيل لبدء مرحلة جديدة مع الإدارة الأمريكية الجديدة التي تولي اهتمامًا خاصًا بقضايا حقوق الإنسان بعكس إدارة ترامب السابقة، ومن اللافت أن إعلان الخطة جاء عقب الرسالة التي وجهها أعضاء مجلس النواب الأمريكي إلى وزير الخارجية أنتوني بلينكن، يطالبون فيها إدارة الرئيس جو بايدن بمعالجة قضايا حقوق الإنسان "المثيرة للقلق" في تركيا خلال صياغة سياسة التعامل مع أنقرة.

وعلى الصعيد الداخلي، يسعى أردوغان لكسب أصوات جديدة من تطبيق الخطة التي سيجري تنفيذها خلال العامين القادمين بالتزامن مع الانتخابات الرئاسية المقبلة 2023، حيث تهدف الخطة لكسب رضى الشعب بما يخص موضوعي القضاء وحقوق الإنسان. 

ردود الفعل

تشجيعًا لخطة أنقرة في دعم حقوق الإنسان، أبدت الأمم المتحدة استعدادها لدعم تركيا من أجل تطبيق الخطة التي أعلنها الرئيس أردوغان مؤخرًا.

رحبت الأقليات الدينية في تركيا بخطة عمل حقوق الإنسان التي تهدف إلى حماية وتعزيز حقوقها بشكل لم تعهده مسبقًا

وبحسب تصريح وزير العدل التركي عبد الحميد غول فإن الخطة تعتبر خطوةً مهمةً في مسيرة الإصلاحات التي قام بها حزب العدالة والتنمية منذ تأسيسه، ولفت إلى أنها لم تُعد من أجل الأحزاب السياسية فحسب، بل من أجل جميع المواطنين الذي سيشعرون بثمارها عند تطبيقها على أرض الواقع. 

فيما رحبت الأقليات الدينية في تركيا بخطة عمل حقوق الإنسان التي تهدف إلى حماية وتعزيز حقوقها بشكل لم تعهده مسبقًا، إذ تسعى الخطة من خلال أحد بنودها إلى تنظيم إجازات الموظفين والطلاب في القطاعين العام والخاص خلال أعيادهم الدينية المختلفة، وتأسيس وانتخاب مجالس إدارة للمنظمات التي تمثل الأقليات غير المسلمة. 

وفي الوقت الذي حظيت فيه الخطة بترحيب داخل الأوساط المؤيدة لحزب العدالة والتنمية وحليفه حزب الحركة القومية، فقد نالت اعتراضات أحزاب المعارضة والجمعيات والنقابات الحقوقية، وتم التشكيك بمدى جدية هذه التصريحات، فمن وجهة نظر المعارضة فإن جميع النقاط التي تم إعلانها هي بنود يكفلها الدستور الحاليّ، لكن الحزب الحاكم لا يطبقها. 

فقد غرد النائب عن حزب الشعب الجمهوري وعضو لجنة التحقيق الخاصة بحقوق الإنسان في البرلمان التركي، محمود تنال، على موقع تويتر قائلًا: "سننظر إلى التنفيذ وليس الكلام، إنهم يتصرفون كأنهم اكتشفوا للتو مفهوم حقوق الإنسان! لقد فقدتم مصداقيتكم بالفعل". 

ومن الطرف الآخر للمعارضة، جاءت تصريحات رئيسة حزب الجيد ميرال أكشينار خلال خطبتها الأسبوعية في البرلمان، الأربعاء 3 من مارس/آذار، قائلة: "في ختام كلامي، أود أن أهنئ السيد أردوغان على اكتشافه لمفهوم "حقوق الإنسان" اعتبارًا من يوم أمس. لقد اكتشف بعض المبادئ التي لا حصر لها والموجودة بالفعل في دستورنا وتشريعاتنا، هي نفس المبادئ التي يجري انتهاكها يوميًا، فقط ليبدو لطيفًا للعالم، وبالأخص بايدن".

المبادئ الأساسية والأهداف

أوضح أردوغان أن الخطة تتكون من 11 مبدأ أساسيًا و9 أهداف ترمي إلى رفع معايير حقوق الإنسان، ومن أبرز هذه المبادئ أن يعيش الإنسان متمتعًا بحقوق لا تنازل عنها يمتلكها منذ ولادته، والغرض والواجب الرئيسي للدولة هو حماية هذه الحقوق وتنميتها، كما تركز الخطة على أهمية كرامة الإنسان، باعتبارها جوهر جميع الحقوق، لذلك فهي تحظى بحماية فعالة من القانون.

لا بد أن يتمكن كل شخص يدعي انتهاك حقوقه من الوصول بيسر إلى سبل الإنصاف القانونية الفعالة، فالوصول إلى العدالة أمر أساسي لاحترام الحقوق والحريات

وكذلك السمة الرئيسية هي أن الناس سواسية أمام القانون، دون أي تمييز في اللغة أو العرق أو اللون أو الجنس أو الفكر السياسي أو المعتقد الفلسفي أو الدين أو المذهب أو ما شابه ذلك من أسباب، ويجري تقديم الخدمات العامة للجميع على قدم المساواة وبشكل حيادي وأمين.

ويحتوي التشريع على قواعد واضحة وصريحة ومفهومة ويمكن التنبؤ بها، بحيث تطبق السلطات العامة هذه القواعد دون المساس بمبدأ الأمن القانوني، إضافة إلى حماية الدولة حرية الاستثمار والعمل وتنميتها في إطار مبدأ الدولة الاجتماعية وقواعد السوق الحرة القائمة على المنافسة.

وفي النهاية، لا بد أن يتمكن كل شخص يدّعي انتهاك حقوقه من الوصول بيسر إلى سبل الإنصاف القانونية الفعالة، أما الأهداف التسع لخطة عمل حقوق الإنسان فهي: نظام أقوى لحماية حقوق الإنسان واستقلال القضاء وتعزيز الحق في محاكمة عادلة وقابلية التنبؤ والشفافية القانونية وحماية وتعزيز حريات التعبير والتنظيم والدين وتعزيز الحرية والأمن الشخصي وضمان السلامة المادية والمعنوية للإنسان وحياته الخاصة.

ومن ضمن الأهداف أيضًا، حماية الفئات الهشة وتعزيز الرفاه المجتمعي ووعي مجتمعي وإداري رفيع المستوى بحقوق الإنسان، بالإضافة إلى حماية أكثر فعالية لحقوق الملكية.