كانت المرة الأولى التي شعرت فيها بأهمية استقلال المرأة المادي عندما رأيت عباءة والدي الصوفية السميكة على الكرسي قرب باب المنزل استعدادًا لاعتقاله المتوقع. كنت صغيرة جدًا وشعرت بالخوف، ثم علمت أنه نشر مقالًا يومها ينتقد فيه الحكومة، وهو ما لم يتوقف طيلة حياتنا.

قالت والدتي إنه حدثها مرة عن شعوره بالاطمئنان لوجودها معه، وإنه ممتن لعملها وقوتها، لأنه كمعارض سياسي في بلد قمعي معرض للاعتقال في كل لحظة، ووجودها كامرأة عاملة قوية في حياته يجعله أكثر قوةً وثباتًا وقدرةً على الاستمرار والتضحية كونها قادرةً على المضي من بعده فيما لو حصل له مكروه.

وكنت أستطيع أن أفهم بعدها حرصه على تعليمنا نحن بناته الأربعة، وشدة حرصه على أن تمتلك كل منا مصدرًا للدخل، وإصراره الصامت حينًا والناطق في أحيان أخرى على التزامنا بالعمل حتى بعد الزواج والإنجاب، لقد كان يعلم جيدًا أن الأهم في حياة المرأة هو قدرتها على العمل وجني المال، وأن شخصيتها حينذاك ستكون مختلفة، وقدرتها على تحمل الأعباء والظروف الصعبة ستستمر معها.

حال مجتمعاتنا

لم يكن استقلال المرأة ماديًا يقنع كثيرين في مجتمعاتنا، وبقيت صورة المرأة الضعيفة المستكينة مقصوصة الجناح تمثل لدى الرجال حالة من الراحة والسكينة في البيت، نظرًا لأن حاجتها للرجل تجعلها تتعامل معه بلين وود وتملق يشعره بالتفوق والقوة التي تسكر وترضي كل من لا يجد هذا الشعور خارج منزله في دول القمع.

ربط الأغلبية في بلادنا العربية صورة المرأة العاملة بالتمرد والاسترجال والتعالي وسهولة الانفصال عن الزوج وغيرها من الصفات السيئة

وأن نسيانها لنفسها ولرغباتها وعدم امتلاكها لأهداف أو أحلام إلا تلك الأحلام البسيطة تجعل من أحلامه ورغباته هو هدفًا وحيدًا لها، وكذلك حاجتها له وعجزها عن تحقيق رغباتها من دونه يجعلها ترضى بكل ما يقدمه دون أن تستقلّه أو تعترض.

لقد ربط الأغلبية في بلادنا العربية صورة المرأة العاملة بالتمرد والاسترجال والتعالي وسهولة الانفصال عن الزوج وغيرها من الصفات السيئة، خاصة تلك المرأة الموجودة في مجالات عمل مختلطة، وكنت لفترة أعتقد أن الأمر في تراجع، وأن مجتمعاتنا تسير في ركب الوعي، إلا أن الواقع يثبت العكس دائمًا للأسف.

لقد ظهرت للعلن الأخطاء التي ارتكبها المجتمع بحق النساء بعد ثورات الربيع العربي تحديدًا، وأُبرزت عيوب مجتمعاتنا التي استماتت في إضعاف النساء وتهميشهن وإبعادهن عن مراكز صنع القرار وعن أسواق العمل والعمل الثقافي، وصورت لهن النجاح وتحقيق الأهداف أنانيةً وتقصيرًا في حق أنوثتهن وراحتهن وعائلاتهن وأزواجهن، وكان هذا يتم بالترغيب تارة وبالترهيب تارة أخرى.

برزت تلك الأخطاء في عدة صور، منها: 

- ارتباك المرأة وفقدانها التوازن عند فقدانها الزوج والمعيل واضطرارها لتأمين مصاريف عائلتها وقيادة الأسرة ورعاية المنزل والأولاد وحمايتهم وتعليمهم في ذات الوقت وهي غير مدربة.

- أعداد كبيرة من الأسر باتت بحاجة للمساعدات، وتحمّل ما ينتج عنها من كسر للنفس وإهانة للكرامة الإنسانية، وتبعية للآخر المتفضل بالعطاء.

- ابتزاز النساء ويتمثل في التحرش من ضعاف النفوس القائمين على العمل الإغاثي وتوزيع المساعدات.

- الزواج من غير الكفء في كثير من الحالات، وما يتبعه من مشكلات وطلاق وأذى نفسي تصاب به النساء والأطفال، وقد أشارت دراسة أجرتها مؤسسة "شام لرعاية الأيتام" إلى أن حالات الطلاق من الأرامل بعد زواجهن تبلغ 80%، وذلك لأن من يتزوج الأرملة يستسهل الحصول عليها لحاجتها لسند يعينها بعد تعب، وهو يتفاجأ بالواجبات الزوجية والأسرية التي لم يفكر بها ولم يحسب لها حسابًا وهو يسير خلف أحلام وردية لقضاء شهوة عابرة وحمل لقب يمنحه التقدير ككافل الأيتام.

- استمرار حالات العنف المنزلي التي ظهرت للسطح في مجتمعات اللجوء بعد أن كان يتم التعتيم عليها في المجتمع الأم بشكل كبير.

- دخول أعداد كبيرة من الأطفال إلى سوق العمل، وبالتالي تركهم لمقاعد الدراسة لاضطرارهم لإعالة أسرهم من خلال أعمال تمتهن كرامتهم وتقتل طفولتهم وإنسانيتهم.

أهمية الاستقلال المادي للمرأة

استقلال المرأة المادي يعني قدرتها على جني المال والتحكم في إنفاقه بالشكل السليم، وهو الأساس الذي تنطلق منه نحو: الاستقلال العاطفي والاستقلال النفسي. وهو ما يعني شخصية سوية متوازنة، مؤهلة لأداء الأدوار المنوطة بها في العمل والمنزل على أتم وجه، بعيدًا عن تحمل الظروف المضنية بسبب الحاجة للآخر أيًا كان.

كما يعود استقلال المرأة المادي بالنفع على الأسرة ككل ويزيد من رفاهيتها والفرص التعليمية والتدريبية وبالتالي يسهم بجدية في رفع سوية الأسر، و يجعل المرأة قادرة على التحكم في قراراتها وتحملها تبعات هذه القرارات كإنهاء علاقة سامة مثلًا لعدم احتياجها المادي للطرف المسيئ وهذا يحد من حالات الإساءة والعنف لأن أغلبها يتم تحت تصور أن المرأة لن تغادر مهما تم إيذاؤها، وهذا ما ينتج عنه أسر متماسكة بشكل حقيقي وليس ظاهريًا فقط كما هو حال أسر كثيرة تملأ مجتمعاتنا .

علاوة على ذلك أنها تحافظ كرامتها في كل الأحوال التي تؤول إليها في سن الشيخوخة وتحتاج فيها للعلاج والمسكن والنفقة عندما يغادر الأولاد المنزل أو تكبر دون أن تتزوج أو تترمل أو يمرض الزوج وتضطر للاستعانة بأموالها ومدخراتها.

استقلال المرأة المادي في الإسلام

علينا أن ننتبه دائمًا إلى أن ادعاءات المجتمع بأنه يحترم الشرع ويتمثل به ويستمد منه التقاليد والعادات مجرد افتراء محض، فكم العادات التي تخالف التشريع الإسلامي فيما يخص المرأة تحديدًا لا يمكن تخيلها، وقد ساهم في هذا الفقه الذكوري الذي ركز بشدة على قضايا النساء لسببين اثنين: 

أولًا الساحة التي يستطيع فيها علماء السلاطين الجري بحرية، فالساحات الأخرى التي تتحدث عن الأمانة والظلم والسرقة وغيرها محرمة عليهم لأنها ستوجه أصابع الاتهام إلى الحكام أنفسهم، ولهذا يتم التوجيه نحو المرأة دومًا لصرف وإشغال المجتمع عن أسباب تعاسته الحقيقية.
 

استقلال المرأة المسلمة حسب التعاليم الربانية والنبوية تمثل في الذمة المالية المنفصلة لها والتشديد عليها والمهر الذي حرم الله سبحانه مساس الزوج به إلا بإرادتها

والثانية أن الجور العظيم الذي يتعرض له الجميع في المجتمعات القمعية يحتاج لمتنفس ولا يوجد هنا أفضل من المرأة ككائن رقيق لا يتم تدريبه على أخذ حقوقه، ولا يتم تعريفه بها أصلًا.

أما استقلال المرأة المسلمة حسب التعاليم الربانية والنبوية فقد تمثل في الذمة المالية المنفصلة لها والتشديد عليها والمهر الذي حرم الله سبحانه مساس الزوج به إلا بإرادتها ووجوب النفقة على الزوج مهما افتقر وميراثها المحدد في كل حالة من حالات التوريث واشتراط النفقة للمطلقة والمسكن، وحتى نفقة الإرضاع، لكننا نعلم يقينًا أن كل هذه التشريعات يتم التعتيم عليها وتهميشها، ولا تطبق مجتمعيًا، ولا حتى في القوانين التي يقال ظلمًا إنها مستمدة من الشريعة الإسلامية.

كيف نحقق الاستقلال المادي؟

يبدأ الاستقلال المادي من وجود مصدر للدخل بالتأكيد، فقد تحصل عليه المرأة من العمل الوظيفي أو الحر أو العمل الخاص، لكن وجود المصدر لا يعني الاستقلال أبدًا، بل إن قدرة المرأة على التحكم بمواردها المالية هي ما يجعلها تتمتع بالاستقلال التام والحقيقي، وهو حرية اتخاذ قرارات الإنفاق لدى المرأة، وهذا لا يعني ألا تكون مسؤولة ولديها التزاماتها بالتأكيد، إنما يعني الوعي والتحكم وإدراك حقوقها بشكل جيد، فلا تسمح بضياع أموالها أو استغلال عاطفتها أو الضغط المجتمعي للسيطرة عليها.

إلى جانب، الممارسات الصحيحة والعلمية في التصرف بالموارد، فتعليم المرأة طرق وأساليب إدارة المال لم يعد من الرفاهية بل من أساسيات وأولويات المرأة، والتعلم لم يعد من الأمور المكلفة أو الصعبة بل متوافر وبعدة مستويات على الشبكة العنكبوتية والمهم فعلًا أن تعي المرأة أهميته وأنه من الأولويات لها.

علينا أن نعي كنساء أهمية كسب المال في حياتنا وأهمية حسن إدارته واستثماره وادخاره، وأنه ما يحقق لنا ولعائلاتنا الأمان والرفاهية والسعادة والكرامة والحرية، وما يصوننا في وحدتنا عندما نشيخ.