بعد يوم واحد من تولي السلطة التنفيذية الجديدة برئاسة عبد الحميد دبيبة الحكم، حل الرئيس التونسي قيس سعيد بالعاصمة طرابلس في خطوة وصفها مراقبون بالإيجابية من حيث التوقيت والأبعاد السياسية والاقتصادية التي تحملها الزيارة في طياتها.

وبحسب بيان الرئاسة التونسية، فإن هذه الزيارة التي تعد الأولى لرئيس تونسي منذ 2012 إلى ليبيا، تندرج في إطار "مساندة تونس للمسار الديمقراطي في ليبيا، وربط جسور التواصل وإرساء رؤى وتصورات جديدة، تعزز مسار التعاون المتميز القائم بين الدولتين، وتؤسس لتضامن شامل يلبي التطلعات المشروعة للشعبين الشقيقين في الاستقرار والإنماء".

زيارة سعيد

في العام، ترمي زيارة قيس سعيد التي أُعلن عنها يوم تسلم السلطة الجديدة، إلى دعم المسار الديمقراطي في ليبيا التي تأمل في إجراء انتخابات عامة في ديسمبر/كانون الأول لإنهاء الصراع المستمر منذ عشر سنوات، وهي خطوة ذات رمزية وأبعاد سياسية تكمن أهميتها في التوقيت والأهداف.

تأتي زيارة سعيد، بعد منح مجلس النواب الليبي خلال جلسة في سرت الأربعاء الماضي، الثقة للحكومة التي يرأسها عبد الحميد الدبيبة، بتأييد 132 صوتًا من أصل 133 حضروا جلسة التصويت، وعقب انتخاب سلطة تنفيذية جديدة بالبلاد في 5 من فبراير/شباط الماضي، وبعد يوم واحد من تسلمها زمام الحكم.

كما يُعد قيس سعيد أول رئيس تونسي يزور الجارة ليبيا منذ يناير/كانون الثاني 2012، حين زارها الرئيس السابق محمد المنصف المرزوقي، كما تأتي الخطوة في وقت تكثف فيه تونس مساعيها لاستعادة دورها في عملية استقرار ليبيا وإعمارها، وفي أعقاب دعوات داخلية بضرورة توطيد العلاقات من ليبيا المتنفس الأول للتونسيين.

الأهمية والأهداف

في تصريح لـ"نون بوست"، أكد الصحافي التونسي مختار غميض، أن الزيارة جاءت في توقيت حساس وتاريخي بالنسبة للبلدين بغض النظر عن التعاطي الدبلوماسي التونسي مع الملف الليبي الذي كان دون المستوى، ومبادرة الرئاسة اليتيمة التي قوبلت باستهجان الليبيين أنفسهم التي طرح فيها حلًا على الطريقة الأفغانية القبلية "الليوجيرغا".

مضيفًا، أنها تأتي في سياق تدارك تونس لغيابها على الساحة الليبية من حيث التمثيل الرسمي، فالزيارة الأولى كانت قبل ثماني سنوات تلاها ضعف وغياب التمثيل الدبلوماسي سواء في طرابلس أم بنغازي (تسمية السفير قبل أشهر)، وذلك رغم استضافتها نهاية 2020 مندوبين ليبيين اجتمعوا برعاية الأمم المتحدة في إطار ملتقى الحوار السياسي الذي أفضى إلى تشكيل الحكومة الانتقالية الجديدة في ليبيا.

من جانبه، قال المحلل السياسي الليبي عصام الزبير في تصريح لـ"نون بوست" إن زيارة سعيد إلى ليبيا التي تعد أول زيارة لرئيس دولة في العالم إلى ليبيا بعد تشكيل الحكومة الجديدة هناك، وثالث زيارة لسعيد إلى الخارج، بعد زيارتيه إلى فرنسا والجزائر، تحمل الكثير من الرسائل والمضامين من بينها أن تونس معنية بالوجود في ليبيا بحكم أنها تمثل عمقها الإستراتيجي والجغرافي والاقتصادي والأمني، وبالتالي فهي خطوة لترتيب علاقة مستقبلية".

ويرى مراقبون أن الزيارة كانت غير مسبوقة ومفاجئة لبعض الدول الغربية والعربية خاصة مصر التي دفعت بكل أدواتها مؤخرًا لتجاوز محنة هزيمة حليفها في الشرق وتثبيت موقعها في خريطة القوى المشاركة في إعادة الإعمار.

الأمر ينطبق على تركيا القوة الإقليمية التي اكتسبت أسبقية دبلوماسية واقتصادية بفضل دعمها للقوات الشرعية في طرابلس في مواجهة عمليات حفتر العسكرية، وكذلك لاستفادتها من الامتيازات والاتفاقيات الأمنية والبحرية التي وقعتها مع حكومة الوفاق، فالزيارة قد تفتح الباب لآفاق اقتصادية كبرى وتمهد لتعزيز التعاون الثنائي.

والمعلوم أن ليبيا تعد شريكًا تجاريًا مميزًا لتونس، إذ كانت قبل عام 2011 تستوعب الجزء الأكبر من إنتاج الصناعات الغذائية التونسية ومواد البناء، فيما تغذي ليبيا القطاع غير الرسمي في تونس الذي يستورد سلعًا استهلاكية بخسة الثمن.

كما يعد التبادل التجاري أمرًا مهمًا لاقتصاد البلدين، الذي بلغ 1.2 مليار دينار تونسي (373 مليون دولار) في 2018، ووفقًا لتقارير صندوق النقد الدولي فإن السوق الليبية تستوعب 70% من الصادرات التجارية التونسية المتنوعة.

كما تعمل أكثر من 1300 شركة تونسية في قطاعات تجارية متنوعة على رأسها العاملة في المواد الغذائية، ويتراوح رقم معاملاتها بين 50 ألف دينار (17.5 ألف دولار) وأكثر من 50 مليون دينار (17.5 مليون دولار)، ما يعني أن الزيارة قد تُمهد لاحقًا لإنهاء الاضطراب في العلاقات الاقتصادية بين البلدين، ولعودة 300 ألف تونسي كانوا يعملون في السوق الليبية.

على الصعيد الأمني، تُعد ليبيا عمقًا إستراتيجيًا لتونس، فقد انعكس الصراع المسلح والاقتتال خلال السنوات الأخيرة على الاستقرار في تونس التي تُكافح لمنع تسلل الإرهابيين إلى أراضيها (حادثة بن قردان).

دلالات ورسائل

ظاهريًا، يبدو أن الزيارة تهدف، بحسب مصادر من مؤسسة الرئاسة، إلى تهنئة الحكومة الليبية الجديدة ودعم مسارها ووضع خطة جديدة لمجابهة المخاطر الأمنية التي تهدد البلدين، إضافة إلى تباحث عودة الأنشطة الاقتصادية بين البلدين بقوة أكبر بعد فترة من البرود الذي ساد العلاقات الدبلوماسية في السنوات الماضية، إلا أن خطوة سعيد تحمل أكثر من رسالة أكثرها موجه إلى الداخل.

يبدو أن الرئيس قيس سعيد القائم على الدبلوماسية التونسية يريد إصلاح بعض أخطائه الكارثية خاصة في أثناء زيارته إلى فرنسا التي لم تُسفر عن أي نتائج ملموسة سياسية أو اقتصاديًا، إضافة إلى مبادرته لحل الأزمة الليبية التي لاقت انتقادات واسعة في تونس وطرابلس على حد سواء.

كما تأتي الزيارة في إطار قطع الطريق أمام رئاسة الحكومة التي سبقته محليًا في إدارة الملف الليبي، حيث أجرى هشام المشيشي محادثات مع مسؤولين دوليين من روسيا ومالطا والصين ومهد لاتفاق على ضرورة التعاون الثلاثي مع السفير (تركيا وتونس وليبيا)، وكذلك الأمر مع رئيس الوزراء الإيطالي الجديد ماريو دراغي.

وكانت الحكومة قد أشرفت أيضًا على أعمال المنتدى الاقتصادي التونسي الليبي، بمشاركة أكثر من 200 رجل أعمال تونسي و100 رجل أعمال ليبي من قطاعات مختلفة، على غرار البناء والتجارة والصناعة والخدمات، إلى جانب عدد من الوزراء التونسيين والليبيين، ورؤساء المؤسسات الحكومية ورؤساء الغرف التجارية من مختلف المناطق الليبية.

ومن المرجح أن يكون التنافس على السلطة في تونس، الدافع لزيارة قيس سعيد إلى ليبيا، إذ تشير الأخبار المتداولة إلى أن رئيس الحكومة هشام المشيشي برمج الزيارة قبل مؤسسة الرئاسة ليتراجع في آخر وقت، فيما يؤكد تعليق مصالح الإعلام التابعة للحكومة على صور موكب مغادرة الرئيس نحو ليبيا القطيعة بين المؤسستين.

وبحسب مصادر إعلامية تونسية، نشرت الصفحة الرسمية لرئاسة الجمهورية صورًا لتوديع رئيس الجمهورية كل من والي تونس الشاذلي بوعلاق وشيخة مدينة تونس سعاد عبد الرحيم وتبادل التحية وأظهرت الصورتان رئيس الحكومة خلف سعيد.

من جهة أخرى، يريد قيس سعيد منافسة حركة النهضة التي أسست بعد الثورة شبكة علاقات قوية مع شخصيات ومؤسسات في ليبيا، وأرست نواميس جديدة للدبلوماسية الشعبية والحزبية، مكنتها من مد جسور التواصل وتمهيد الأرضية لعلاقة إستراتيجية في المستقبل، وهي أيضًا استكمال لرسالته القديمة للحركة بأن "الدولة التونسية واحدة ولها رئيس واحد في الداخل والخارج على السواء".

يُمكن القول إن زيارة سعيد التي يرجح أن تدوم نصف يوم بحسب مصادر لـ"نون بوست"، لا تعدو أن تكون سوى استمرار لسياسة الهروب إلى الأمام والدبلوماسية التقليدية القائمة على شخص الرئيس، فعملية نسج علاقات مع حكام ليبيا الجدد، تشترط زيارة دولة متكاملة المؤسسات يصطحب فيها رئيس حكومته ووزارءه المعنيين بالمحادثات (اقتصاد - مالية - تشغيل - سياحة - أمن)، ولا يقتصر الحضور على المستشارين والمقربين من دوائره.

رغم أن زيارة قيس سعيد تُعد إيجابية من حيث التوقيت، فإنها لا تخلو من ارتجالية هدفها تسجيل نقاط على خصومه في الداخل، والحال أن ليبيا تُمثل عمقًا تاريخيًا واقتصاديًا وإستراتيجيًا وحتى أمنيًا، لذلك فإن الدبلوماسية التونسية مدعوة إلى تعديل أوتارها وصياغة مواقف على المصالح القومية للبلاد لا على مصالح الأفراد والجماعات الوقتية.