خسائر اقتصادية وبشرية تكبدتها السعودية خلال حربها في اليمن

لاقت المبادرة السعودية التي أعلنت أمس الإثنين 22 من مارس/آذار الحاليّ بشأن حلحلة الأزمة في اليمن والوصول لاتفاق سياسي شامل من أجل إنهاء الصراع المتواصل في البلاد منذ ست سنوات، ترحيبًا كبيرًا من مختلف الأوساط السياسية الدولية.

وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان، خلال مؤتمر صحفي له بالعاصمة الرياض، أشار إلى أن المبادرة تدعو لوقف شامل لإطلاق النار في اليمن تحت مراقبة الأمم المتحدة، لافتًا أن ذلك سينفذ فورًا عند موافقة الحوثيين على المبادرة، وهو ما لم يحدث كما جاء على لسان كبير المفاوضين الحوثيين، محمد عبد السلام الحوثي، الذي قال إن هذه الخطة "لا تتضمن شيئًا جديدًا".

المبادرة ليست بالجديدة، لكنها في الوقت ذاته تعد طرحًا متقدمًا، إذ إنها المرة الأولى التي يسمح فيها بإعادة فتح مطار صنعاء بهذه الصورة المقترحة خلال الحرب المستمرة طيلة السنوات الستة الماضية، بجانب السماح باستيراد الوقود والمواد الغذائية عبر ميناء الحُديدة، علمًا بأن المطار والميناء كلاهما تحت سيطرة الحوثيين.

تزامن المبادرة مع الضغوط الأمريكية لإنهاء الحرب في اليمن من جانب، وتصعيد الحوثيين خلال الآونة الأخيرة ضد أهداف إستراتيجية سعودية من جانب آخر، فتح الباب واسعًا أمام تساؤلات عدة عن دلالاتها والدوافع التي تقف وراء إطلاقها.

رفض حوثي.. لا جديد

كبير المفاوضين الحوثيين والمتحدث باسم الجماعة أشار إلى أنه "لا يمكننا أن نقبل وقفًا لإطلاق النار مع مقايضتنا بالجانب الإنساني"، مؤكدًا أن الحوثيين مستعدون للذهاب إلى حوار سياسي بعد أن توقف السعودية الحرب وترفع الحصار، لافتًا إلى أن بنود المبادرة نوقشت سابقًا ضمن محادثات مع مبعوث الأمم المتحدة لليمن مارتن غريفيث.

عبد السلام في حديثه لـ"رويترز" لفت إلى أن الحوثيين توقعوا أن تنهي السعودية حصار الموانئ والمطارات وأن تتبنى مبادرة للسماح بدخول 14 سفينة يحتجزها التحالف، على حد قوله، مؤكدًا "ضرورة الفصل بين ما هو حق إنساني كإعادة فتح مطار صنعاء وميناء الحديدة، بما لا يكون ذلك خاضعًا للابتزاز السياسي والعسكري".

وكشف المفاوض الحوثي أن رفض المبادرة لا يعني الحيد عن الحل السياسي للأزمة، مؤكدًا أن الجماعة ستواصل مباحثاتها مع السعودية وسلطنة عمان والولايات المتحدة، في محاولة للتوصل إلى اتفاق سلام مرضي للطرفين، مطالبًا أولًا برفع الحصار الجوي والبحري، الذي ساهم في حدوث أسوأ أزمة إنسانية في العالم باليمن، كشرط رئيسي قبل إبرام أي اتفاق سلام، وفق تعبيره.

وفي المقابل رحبت الحكومة اليمنية بالخطوة السعودية كاشفة أنها تحمل المواقف ذاتها التي طالما عبرت عنها "في كل نداءات السلام ومحطات التفاوض، حرصًا على تخفيف المعاناة الإنسانية لليمنيين"، وفق ما جاء في بيان الخارجية اليمنية الذي قال إن الحوثيين قابلوا المبادرات السابقة بالتعنت والمماطلة، وعملوا على إطالة وتعميق الأزمة الإنسانية واتهمتهم أيضًا بنهب المساعدات وإيرادات ميناء الحديدة.

البيان أعلن دعم الحكومة الكامل لكل جهود تحقيق السلام بما يضمن إنهاء الانقلاب واستعادة الدولة وفقًا للمرجعيات الثلاثة، وعلى رأسها قرار مجلس الأمن رقم 2216، فيما أكد وزير الخارجية اليمني أحمد عوض مبارك، أن "المبادرة السعودية بشأن اليمن تتماشى مع الأفكار التي طرحها المبعوث الأممي"، وتتسق مع مواقف الحكومة السابقة بشأن تمكين اليمنيين جميعًا على طاولة المفاوضات.

ترحيب عربي دولي

توالت ردود الفعل المرحبة بالمبادرة السعودية، إذ أعلنت الأمم المتحدة على لسان المتحدث باسمها دعمها الكامل للخطوة السعودية لإنهاء الحرب المستمرة في اليمن منذ سنوات، فيما أشادت نائبة المتحدث باسم وزارة الخارجية الأمريكية، جالينا بورتر، بالتزام المملكة والحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا بخطة جديدة لوقف إطلاق النار، لافتة أنه على جميع الأطراف "الالتزام الجاد" بوقف إطلاق النار فورًا والانخراط في المسار التفاوضي تحت رعاية أممية.

بدروها رحبت بريطانيا على لسان وزير خارجيتها، دومنيك راب، بالمبادرة، قائلًا في تغريدة له على تويتر: "أرحب بإعلان السعودية اليوم بخصوص اليمن. وقف إطلاق النار على مستوى البلاد والتحرك لتخفيف القيود على وصول المساعدات الإنسانية أمر ضروري. يجب على الحوثيين الآن اتخاذ خطوات بالمثل صوب السلام وصوب إنهاء معاناة الشعب اليمني".

وعلى المستوى العربي، ثمنت القاهرة هذه الخطوة، ففي بيان لخارجيتها قالت فيه: "الجهود الصادقة للمملكة وحرصها الدؤوب على التوصل لتسوية شاملة في اليمن تُنهي أزمته السياسية والإنسانية المُمتدة، وتعمل على تغليب مصلحة الشعب اليمني الشقيق، وتهيئة الأجواء لاستئناف العملية السياسية بهدف التوصل إلى حل شامل للأزمة اليمنية".

كما أعلنت قطر ترحيبها كذلك من أجل وضع حد للمأساة التي يعيشها الشعب اليمني، إذ أعربت الخارجية القطرية في بيان لها عن تطلع الدوحة أن يكون المسار السياسي الشامل والمصالحة الوطنية "هما المسار الذي يلتف حوله كل الفاعلين في المشهد اليمني والمجتمع الدولي ككل، من أجل تحقيق تطلعات الشعب اليمني في الأمن والاستقرار والازدهار".

بدأ يستقر في يقين الرياض أن الحرب في اليمن باتت فخًا ومستنقعًا خطيرًا بعدما فشلت المملكة في تحقيق أهدافها من العملية التي قادتها منذ 6 سنوات

وفي السياق ذاته دعت وزارة الخارجية الكويتية، في بيان صحافي، الأطراف اليمنية إلى "التفاعل الإيجابي مع هذه المبادرة والالتزام التام بها، بغية انطلاق المشاورات بين الأطراف اليمنية، وصولًا إلى الحل السياسي المنشود وفق المرجعيات الثلاثة المتفق عليها"، فيما قال نائب رئيس الوزراء الأردني وزير الخارجية وشؤون المغتربين أيمن الصفدي، في بيان أصدرته الوزارة، إن بلاده تدعم بالمطلق هذه المبادرة التي توفر طرحًا متكاملًا للتوصل لاتفاق سياسي منسجم مع قرارات الشرعية الدولية، ينهي الأزمة، ويحمي اليمن وشعبه العزيز، ويعزز الأمن والاستقرار الإقليميين.

وفي الأخير أكد الأمين العام لمجلس التعاون لدول الخليج العربية، نايف فلاح مبارك الحجرف، أن "المبادرة تعكس الحرص الكبير والرغبة الصادقة لإنهاء الأزمة اليمنية، لينعم الشعب اليمني بأطيافه كافة بالأمن والاستقرار، بعد سنوات من الحرب نتيجة انقلاب مليشيات الحوثي على الشرعية، واستمرار التدخلات الإيرانية ودعمها هذه المليشيات".

الهروب من المأزق اليمني

منذ انطلاق أولى عمليات التحالف في اليمن بقيادة السعودية في مارس/آذار 2015 والثمن الذي تدفعه الرياض باهظًا جدًا، ويتصاعد يومًا تلو الآخر، سواء على مستوى الكلفة الاقتصادية بعدما أفرغت الحرب خزائن المملكة أم على الجانب السياسي في ظل العثرات والخسائر على المستوى البشري.

بدأ يستقر في يقين الرياض أن الحرب في اليمن باتت فخًا ومستنقعًا خطيرًا بعدما فشلت المملكة في تحقيق أهدافها من العملية التي قادتها منذ 6 سنوات، فميدانيًا تتزايد رقعة نفوذ الحوثيين على حساب الحكومة المعترف بها دوليًا والمدعومة من السعودية، هذا بخلاف المكاسب اللوجستية التي حققتها الجماعة وميليشياتها التي دفعت بها من كهوف الجبال إلى منصات التتويج السياسي كشركاء حكم في بلد كان بالأمس سعيدًا.

الخسائر الاقتصادية والبشرية لم تكن وحدها الدافع وراء هرولة المملكة للخروج من هذا الوحل، لكن أيضًا تأثير تلك الحرب، التي مورس بها كل أنواع الجرائم ضد الإنسانية، في تعميق الصورة المشوهة لولي العهد محمد بن سلمان، الذي كان الملف اليمني أحد أبرز أوجه الانتقاد الدولي حياله.

فريق آخر في قراءته لدوافع إعلان السعودية عن مبادرتها تلك ذهب إلى أنها تأتي في سياق امتصاص الضغوط الأمريكية ورمي الكرة في ملعب الحوثيين

السعودية خلال الأشهر الماضية تعرضت لحملة توبيخ واسعة النطاق من العديد من القوى الدولية والمنظمات الحقوقية، دفعت بعض العواصم الأوروبية لوقف تصدير الأسلحة للمملكة كان قد تم الاتفاق عليها، هذا بجانب مطالبات عدة لبعض النواب في برلمانات أوروبا وأمريكا لتوقيع عقوبات على الرياض بسبب سجلها الكارثي في اليمن.

ولي العهد، المغضوب عليه أمريكيًا، يسعى من خلال هذه الخطوة إلى مغازلة الإدارة الأمريكية الجديدة، في محاولة لتجميل الصورة التي شوهتها الجرائم المرتكبة في اليمن، بجانب الانتهاكات الأخرى ضد المعارضة وعلى رأسها قضية مقتل الصحفي السعودي جمال خاشقجي في إسطنبول أكتوبر/تشرين الأول 2018.

وهنا ربما يجد ابن سلمان في مبادرته تلك، التي تأتي بعد أيام قليلة من استهداف صواريخ الحوثيين لمواقع إستراتيجية في العاصمة الرياض، الفرصة لضرب عصفورين بحجر واحد، الخروج من المستنقع اليمني بصورة تحفظ للمملكة ماء الوجه، وفي الوقت ذاته تقديم أوراق اعتماد جديدة لإدارة جو بايدن، التي رفضت التعامل معه كحاكم فعلي للمملكة والاكتفاء به كوزير للدفاع.

رضوخ للضغوط الأمريكية

فريق آخر في قراءته لدوافع إعلان السعودية عن مبادرتها تلك ذهب إلى أنها تأتي "في سياق امتصاص الضغوط الأمريكية ورمي الكرة في ملعب الحوثيين"، كما أشار الكاتب والمحلل السياسي اليمني عبد الناصر المودع، الذي يرى أن المملكة تتعرض للضغوط، خاصة من الإدارة الأمريكية.

واستبعد أن تحدث المبادرة أي تغيير يذكر في المشهد على أرض الواقع، ذاهبًا إلى أن أقصى ما يمكن أن تسهم به هو تجميد مؤقت للمعارك، وفتح الباب لجولة جديدة من المفاوضات والتسويات السياسية التي يراها بعيدًا جدًا بحسب تصريحاته لموقع "عربي 21".

آخرون أشاروا إلى أن المبادرة الحاليّة لا تختلف عن سياقاتها، فهي مشروطة بقبول الحوثيين، وهو أمر مستبعد في ظل التوتر المستعر بينهما، وتلاعب إيران بتلك الورقة لتحقيق أكبر قدر من المكاسب، وعليه فإنها جاءت استجابة لضغوط مارستها واشنطن على الرياض الأيام الماضية.

ويتصدر الملف اليمني قائمة أولويات إدارة بايدن تجاه الشرق الأوسط، إذ تسعى إلى حلحلة هذا الملف في أقرب وقت بعدما بات مثار انتقاد كبير، طالما أحرج الولايات المتحدة المتهمة خلال ولاية دونالد ترامب بدعم السعودية وتحالفها في تلك الحرب التي صنفت بأنها واحدة من أكثر الحروب ضد الإنسانية في العصر الحديث.

نجاح الإدارة الأمريكية في إنهاء الصراع في اليمن، أو على الأقل تجميده مؤقتًا والعودة لطاولة المفاوضات، سيكون دافعًا قويًا يعزز موقف بايدن في مسار الاتفاق النووي مع طهران

بايدن يتعامل مع الملف اليمني تعاملًا سياسيًا براغماتيًا في المقام الأول، كونه يلامس منظومة الأخلاقيات والقيم التي يتشدق بها الحزب الديمقراطي، هذا بجانب الجانب الدعائي والتسويقي في مسار هذا الملف السياسي، فالرجل يسعى لتحقيق أول هدف شرعي في مرمى الملفات الملغومة التي ورثها عن ترامب خلال المئة يوم الأولى من حكمه.

نجاح الإدارة الأمريكية في إنهاء الصراع في اليمن أو على الأقل تجميده مؤقتًا والعودة لطاولة المفاوضات بين الأطراف المتنازعة، وهو ما لا يمكن أن يكون إلا بموافقة الحوثيين المدعومين من إيران، سيكون دافعًا قويًا يعزز موقف بايدن في مسار الاتفاق النووي مع طهران الذي يواجه تعثرًا كبيرًا في ظل السجال بين الطرفين لكسب المزيد من النقاط التفاوضية قبل الجلوس على طاولة واحدة.

وفي الأخير تبقى المبادرة السعودية رقمًا جديدًا في سلسلة مبادرات سابقة تسعى لتخفيف الأجواء في اليمن، لكن دون توافر مقومات النجاح اللازمة في ظل تشابك الخيوط، فيما تعيد أمريكا دورها المفقود في المنطقة رويدًا رويدًا بعد سنوات من ترك الساحة لمراهقة ترامب التي قلصت النفوذ الأمريكي لأجل حسابات شخصية، ليبقى الشعب اليمني الضحية الكبرى في انتظار ما ستسفر عنه مثل تلك الخطوات.