فرقاطة البحرية التركية من طراز تي جي جي جيمليك (إف-492) ترافق سفينة الحفر التركية "يافوز" في شرق البحر الأبيض المتوسط ​​قبالة قبرص، في السادس من آب/ أغسطس 2019.

ترجمة وتحرير: نون بوست

كان "التطبيع" أبرز عبارة ارتبطت بسياسة تركيا الخارجية هذه السنة، ويبدو أن بعض النتائج قد تحققت أخيرًا. كشف مسؤولون أتراك مؤخرًا أن هناك محادثات جارية بين تركيا ومصر بشأن إحياء العلاقات والتعاون في مجال الطاقة شرق البحر الأبيض المتوسط.

مع ذلك، لا تعد مصر سوى أحدث إضافة إلى قائمة الدول المُطبّعة للعلاقات مع تركيا، وذلك مع إعلان رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو نفسه أن تركيا و"إسرائيل" تجريان محادثات حول التعاون المحتمل في مجال الطاقة. كما يبدو أن علاقات تركيا مع المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة في طور التحسن.  

على الرغم من أن بعض الأشخاص حاولوا تأطير مسعى تركيا الثنائي الأخير لإصلاح العلاقات مع كل من مصر و"إسرائيل" وبعض دول الخليج في محاولة لإنهاء عزلتها الإقليمية، إلا أن هذه القراءة خاطئة للوضع الذي نشأ في الأشهر القليلة الماضية. في الواقع، تقوم أنقرة بتنفيذ هذه العمليات من موقف قوة وليس من منطلق الجزع أو الخوف.

إن نموذج السياسة الخارجية التركي الذي يهيمن عليه الأمن ساهم في السنوات الأخيرة في جعل أنقرة أقوى في التعامل مع الجهات الفاعلة الإقليمية الأخرى. وأعيد ترتيب خارطة التحالفات لتلائم المصالح التركية، حيث باتت أنقرة تتمتع بمكانة مهمة في المفاوضات.

ويبدو هذا جليا من خلال الدور الذي تلعبه تركيا من سوريا وصولا إلى ليبيا وشرق البحر الأبيض المتوسط ​​ومؤخرا في القوقاز. كما أن إعادة رسم الخارطة الجيوسياسية للمنطقة في الأشهر الأخيرة خلق فرصة لتركيا لمجاراة البلدان الأخرى لتطبيع العلاقات مع "إسرائيل".

أدركت كل من مصر و"إسرائيل" أنه لا يمكن تحقيق المصالح الاقتصادية الحاسمة في شرق البحر الأبيض المتوسط من دون توطيد العلاقات مع تركيا. دفعت نهاية الأزمة الديبلوماسية الخليجية السعوديين والإماراتيين إلى إعادة النظر في علاقتهم مع أنقرة، وذلك في ظل انحسار المشاحنات بين دول الخليج أيضًا. 

تشترك مصر مع تركيا في الرغبة في رؤية ليبيا مزدهرة ومستقرة، خالية من تدخل القوى الإقليمية المدمرة

يبدو أن التحركات التي قامت بها تركيا مؤخرًا تندرج في سياق العقلية الاستراتيجية الأوسع نطاقا التي تتبناها أنقرة. وفي ظل تحسن علاقاتها مع خصومها السابقين، تتبنى تركيا مبدأ التطبيع الذي يأخذ بعين الاعتبار المصالح المشتركة وإمكانيات التعاون الاقتصادي والحاجة إلى التعامل مع الدول بصرف النظر عن الاختلافات السياسية. وبما أن الوقت مناسب لإحداث تغيير، فقد تصرفت أنقرة من موقع متميز.

الطاقة تتصدر أجندة التغيير

من المرجح أن تتبلور علاقات تركيا مع مصر و"إسرائيل" على أساس المصالح الاقتصادية المشتركة في المستقبل والحاجة إلى التعاون بشأن أمن الطاقة ونقلها في حوض البحر الأبيض المتوسط.

إن إعلان وزير الخارجية التركي عن إمكانية توقيع مصر وتركيا على اتفاق لتحديد الحدود البحرية، على غرار الاتفاق الذي أبرمته أنقرة مع طرابلس، يعطي لمحة عن طبيعة هذه العلاقة.

أدرك صناع القرار المصريون أخيرا أنهم بحاجة إلى وضع خطة استراتيجية في شرق البحر الأبيض المتوسط، حيث أُجبروا على الإذعان لدول مثل اليونان والإمارات العربية المتحدة، وهو ما يتعارض مع مصالح القاهرة على المدى الطويل. في المقابل، يخدم التنسيق مع تركيا مصلحة مصر من حيث تحديد الحقوق الاقتصادية، ويضمن لها أن تكون السياسة الخارجية مستقلة عن تأثير الأطراف الخارجية.

من ناحية أخرى، تشترك مصر مع تركيا في الرغبة في رؤية ليبيا مزدهرة ومستقرة، خالية من تدخل القوى الإقليمية المدمرة. ولعل هذا ما دفع القاهرة إلى إعادة تقييم موقفها من الأزمة الليبية أيضًا، لأنها ببساطة لا تستطيع السماح بزعزعة استقرار أهم جيرانها. ومن المرجح أن توجه هذه الديناميكيات، التي توفر أرضية رحبة لخلق بيئة من التوافق المتبادل، العلاقات التركية المصرية في المستقبل.

بالنسبة ل"إسرائيل"، فإن الوضع ليس مختلفا عندما يتعلق الأمر بضرورة تنسيق العلاقات ذات الصلة بالطاقة، مع أنه في الوقت الحالي، حافظ الإسرائيليون على موقفهم المتمثل في السعي إلى الحد من امتداد النفوذ التركي في شرق البحر الأبيض المتوسط. ولكن تشير تصريحات نتنياهو ووزير الطاقة إلى أن مواقف كلا الطرفين تتغير. بعبارة أخرى، قد تختار "إسرائيل" في القريب العاجل التعاون مع تركيا، ولا شك أن أنقرة ستبادرها بالمثل.

مع أن تركيا و"إسرائيل" لا تشتركان بأي حال من الأحوال في وجهة النظرة العالمية ذاتها ولا تزال تركيا متمسكة بموقفها بشأن إقامة دولة فلسطينية، بغض النظر عن طبيعة العلاقة الثنائية بين الدولتين، إلا أنه لا يزال هناك مجال للتعاون بينهما. لا يمكن لتكتّل "إسرائيل" في شرق البحر الأبيض المتوسط أن يأمل النجاح من دون مشاركة تركيا، وهي حقيقة يُدركها الإسرائيليون جيدا منذ أن وجه وزير الطاقة الإسرائيلي دعوة ضمنية إلى تركيا للانضمام إلى منتدى غاز شرق المتوسط.

في الحقيقة، سوف يعتمد مسار العلاقات التركية الإسرائيلية إلى حد كبير على نتائج الانتخابات الإسرائيلية التي ستُعقد الأسبوع المقبل. وبما أن حظوظ نتنياهو تبدو ضئيلة، يمكن لمترشح جديد للانتخابات أن يعيد ضبط العلاقة بسهولة.

مع ذلك، من شأن أي خطوة تهدف إلى تحسين العلاقات التركية الإسرائيلية أن تلقى ترحيبا من جانب الولايات المتحدة، وهو ما يشكّل حافزا لكل من تركيا و"إسرائيل" على حد سواء لتطبيع العلاقات. وفي الحقيقة، لطالما كانت واشنطن حريصةً على رؤية اثنين من أقوى حلفائها في الشرق الأوسط يتعاونان بدلا من أن يتنافسا.

ماذا عن الخليج؟

من المقرر أن يؤثر تطبيع العلاقات بين تركيا و"إسرائيل" أيضًا على الخليج، الذي وقّعت العديد من ممالكه في الأشهر الماضية اتفاق تطبيع مع "إسرائيل". أحيت الإمارات والبحرين، بقيادة المملكة العربية السعودية، علاقاتها مع قطر منهية بذلك حصارا استمر ثلاث سنوات، ما مكنها من إزاحة عقبة كبيرة من أمام علاقتهما مع تركيا التي تتمتع بشراكة استراتيجية فريدة مع الدوحة.

مع تحسن العلاقات مع قطر، ستهتم المملكة العربية السعودية أيضا بتحسين علاقتها مع تركيا في مواجهة العزلة الإقليمية المتنامية. وقد ازدادت حدة هذه العزلة الآن بشكل خاص منذ أن اتهمت إدارة بايدن ولي العهد السعودي محمد بن سلمان علنًا بقتل خاشقجي من خلال التقرير الذي أصدرته.

إعادة تشكيل التحالفات الاستراتيجية في الشرق الأوسط، ناهيك عن موقف تركيا الحالي القوي باعتبارها لاعبا إقليميا، كان سببا في تغيير حسابات السياسة الخارجية لتركيا

يسلط اهتمام السعودية الأخير بشراء طائرات تركية مسيّرة - وفق ما كشفه مؤخرًا الرئيس التركي رجب طيب أردوغان - الضوء على رغبة الرياض في التعامل مع تركيا بشأن المسائل المتعلقة بالتعاون الاستراتيجي.

في الماضي، كان السعوديون يستمدون قوتهم من الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، ولكنهم الآن بحاجة إلى التصرف بطريقة عملية أكثر مع رئيس البيت الأبيض الجديد المُنتخب. إن إعادة تشكيل التحالفات تجعل التقارب التركي السعودي ممكنا.

من المرجح أن تواجه تركيا صعوبة في تطبيع العلاقات مع الإمارات العربية المتحدة. فقد انخرطت أبو ظبي حتى الآن بنشاط في سياسة إقليمية مناهضة لتركيا. لهذا السبب، سوف يكون لزاما على الإمارات تغيير موقفها تجاه تركيا حتى يصبح تطبيع العلاقات معها ممكنا، وقد تساهم المساعدة التي قد تقدمها واشنطن من خلال حث الحلفاء الخليجيين في توفير هذه الفرصة.

إن إعادة تشكيل التحالفات الاستراتيجية في الشرق الأوسط، ناهيك عن موقف تركيا الحالي القوي باعتبارها لاعبا إقليميا، كان سببا في تغيير حسابات السياسة الخارجية لتركيا. ومع تلبية الحاجة إلى الأمن، يبدو أن الوقت قد حان لإنشاء التحالفات بين الخصوم السابقين.

المصدر: ديلي صباح