يعتبر الورفلي الصندوق الأسود لحفتر

عادت الاغتيالات مجددًا في بنغازي الليبية، لكن المُستهدَفين هذه المرة من أبرز أتباع وحلفاء اللواء المتقاعد خليفة حفتر الماسك بزمام الأمور في شرق البلاد، نتحدث هنا عن اغتيال مجرم الحرب محمود الورفلي.

استهداف الورفلي جعل العديد من المتابعين للشأن الليبي يتساءلون عن سبب تغير المُستهدَفين من الاغتيالات، وهل توجد علاقة مباشرة لحفتر بهذا الأمر، خاصة أنه توجد أنباء عن نيته في تهيئة الأجواء وإبعاد كل العواقب عنه استعدادًا للمرحلة القادمة.

اغتيال الورفلي

مساء أمس الأربعاء، تداول ليبيون مقاطع فيديو قصيرة تظهر تجمع مواطنين وعسكريين حول جثة داخل سيارة، ينقلها رجال إسعاف، تبين فيما بعد أنها لقائد الإعدامات في قوات اللواء المتقاعد في ليبيا خليفة حفتر، محمود الورفلي.

بالعودة إلى الحادثة، ووفق شهود عيان، فقد أمطر مسلحون مجهولون سيارة الورفلي بوابل من الرصاص بالقرب من جامعة العرب الطبية وسط مدينة بنغازي، فيما أوضحت مصادر أمنية أن مركبة من نوع تويوتا بيك أب رباعية الدفع توقفت بجانب سيارة الورفلي وفتحت النار باتجاهها قبل أن تلوذ بالفرار.

يعد الورفلي من المقربين جدًا لحفتر وقياديًا بارزًا في كتيبة القوات الخاصة المعروفة باسم كتيبة الصاعقة

في نفس السيارة، كان يرافق الورفلي - الذي يشغل مهمة آمر المحاور بالقوات الخاصة "الصاعقة" التابعة لحفتر - ابن عمه أيمن، وذكرت تقارير ليبية أنهما وصلا مفارقين للحياة إلى مركز بنغازي الطبي القريب من مكان الواقعة.

الورفلي.. مجرم حرب

آخر ظهور للورفلي كان قبل نحو شهر، إذ ظهر في مقطع فيديو وهو يداهم مقر البنك المركزي في بنغازي، وبصحبته مجموعة من المسلحين، حيث شرعوا في تحطيم العديد من محتوياته، بهدف الحصول على أموال من البنك.

يُعرف محمود الورفلي بـ"ذراع حفتر للأعمال القذرة"، فقد خصصه حفتر للقيام بأعماله القذرة، ففي مرة تداولت صفحات على الفيسبوك صورًا تظهره وهو يطلق النار من بندقيته بشكل مباشر على رؤوس تسعة أشخاص بالزي الأزرق مغمضي الأعين، وأيديهم مكبلة إلى الوراء، أمام مسجد "بيعة الرضوان" في بنغازي.

إلى جانب ذلك، ظهر الورفلي في عدة تسجيلات أخرى وهو يشرف على إعدامات خارج القانون، بينها فيديوهات يظهر فيها وهو يعطي أوامر لجنود ملثمين تقدموا نحو محتجزين يرتدون ملابس برتقالية موحدة، تشبه ما كان يرتديه ضحايا تنظيم "داعش"، بينما كانت أيديهم مكبلة خلف ظهورهم وأعينهم معصوبة، وعندما يسمع الجنود أوامر الورفلي يتقدمون ويطلقون النار على رؤوس المحتجزين، ثم يمطرونهم بوابل من الرصاص للتأكد من موتهم.

كما قاد الورفلي الذي يوصف بأنه أحد الأذرع الأمنية والعسكرية الضاربة لحفتر ببنغازي، حملة نبش قبر القائد بمجلس شورى ثوار بنغازي جلال مخزوم وجال بجثته في شوارع بنغازي، وكان يحرض على التمثيل بالجثة والتنكيل بها.

هذه الجرائم جعلته يواجه اتهامات من محكمة الجنايات الدولية، وقالت المحكمة في تقرير لها إن الورفلي ارتكب بنفسه وأمر بارتكاب جريمة القتل باعتبارها جريمة حرب، في سياق سبع حوادث شملت 33 شخصًا ووقعت في الفترة الممتدة بين الـ3 من يونيو/حزيران 2016 أو ما قبله و17 من يوليو/تموز 2017 أو ما يقاربه، وذلك في بنغازي أو في مناطق محيطة بها في ليبيا.

تصفية حلفاء الأمس

يرى المحلل السياسي الليبي عصام الزبير في حديث لـ "نون بوست"، أن "اغتيال محمود الورفلي الهدف منه محاولة إبعاد المجرم حفتر عن مسرح الجريمة، فالورفلي يعتبر الصندوق الأسود لحفتر، وهو يده التي تقتل كل خصومه، وقد استغله الانقلابي حفتر في العديد من التصفيات الجسدية التي قام بها".

قبل اغتياله رفض حفتر تسليم الورفلي لمحكمة الجنايات الدولية، ويعود ذلك وفق الزبير إلى خوف حفتر من كشف الورفلي لبعض القضايا التي يتورط بها، وقام بترقيته من رتبة رائد إلى مقدم في يوليو/تموز 2019، وقد عبرت حينها المدعية العامة للمحكمة الجنائية الدولية فاتو بنسودة عن أسفها معتبرة أن "الترقية تبعث رسالة واضحة مفادها أن خليفة حفتر ليست له نية بمتابعته قضائيًا".

هذا الاغتيال أكد أن ليبيا قادمة على سلسلة من الاغتيالات لقادة الميليشيات لتهيئة الأجواء للحكومة الجديدة للعمل تحضيرًا للانتخابات القادمة

يعد الورفلي من المقربين جدًا من حفتر وقياديًا بارزًا في كتيبة القوات الخاصة المعروفة باسم كتيبة الصاعقة (رتبة نقيب)، وقد كان الورفلي المعروف بوحشيته وفظاعته في مواجهة خصومه السياسيين والعسكريين، قائدًا لمحاور القتال بكتيبة القوات الخاصة غربي بنغازي، وأحد أبرز القادة العسكريين الذين أشرفوا على العمليات العسكرية في قنفودة، وهي العمليات التي قتل فيها عدد كبير من المدنيين المحاصرين سواء من الليبيين أم العمال العرب.

يضيف الزبير: "حفتر بدأ القيام بتصفيات كبيرة داخل مجموعته، وهذه التصفيات ليست غريبة، فالقذافي نفسه قام بالأمر ذاته بعد توليه الحكم في ستينيات القرن الماضي، فقد كان في البداية يعمل مع مجموعة كبيرة ثم تقلصت وانحصرت في شخصين أو ثلاثة بعد تصفية وسجن باقي حلفائه".

ويؤكد محدثنا أن "حفتر وأبناءه خاصة صدام، بدوا في الفترة الأخيرة غير راضين عن الورفلي، خاصة بعد أن أحسوا أن ميليشياته يمكن أن تنقلب عليهم في أي لحظة وتعرضهم للخطر إما عن طريق محاربتهم أو كشف جرائمهم للرأي العام".

التحضير للمرحلة المقبلة

بدوره بقول الإعلامي التونسي المختص في الشأن الليبي مختار غميض لـ "نون بوست" إن حفتر متخوف من الترتيبات الأممية، لذلك يريد التخلص من صندوق أسود ظل كاتمًا لأسراره فترة طويلة، وحان وقت كتم صوته.

في طمس الحقائق، من المهم ذكر علاقة حفتر بتنظيم داعش، وفق مختار غميض، إذ نعرف كيف سهل له حفتر الخروج من بنغازي إلى سرت التي اتخذها عاصمةً له، بالتعاون مع بعض من بقايا النظام السابق ونعرف أيضًا أن سرت كانت معقلًا له أيضًا، أيضًا حماية قوات حفتر للدواعش في أثناء هربهم للجنوب، فكل هذه الملفات أراد حفتر طمسها باغتيال صندوقه الأسود.

بدوره أكد عصام الزبير أن ليبيا مقبلة على عمليات تصفية جديدة ستكون قوية جدًا وتمس شخصيات عديدة مقربة من حفتر، وقد تصل حتى أبنائه وذلك في إطار التحضير للمرحلة القادمة فأغلب القوى المتدخلة في الشأن الليبي تريد التخلص من إرثها المشبوه.

يشير الزبير إلى إمكانية أن نشهد اغتيالات مماثلة في المنطقة الغربية أيضًا، قصد إبعاد قادة الميليشيات الناشطة هناك، وذلك من أجل تنظيف الأجواء لحكومة عبد الحميد الدبيبة حتى تواصل عملها وتنظم الانتخابات المرتقبة نهاية السنة الحاليّة.

وفق مختار غميض فإن حفتر وأبناءه يعملون على إعادة التمركز خوفًا من إزاحتهم من المشهد الجديد، خاصة أن حفتر ما زال قادرًا أن يكون ورقةً قابلةً للعب والتوظيف، فدوره لم ينته بعد في إطار الاستقطاب الدولي.

ويبين غميض في حديثه أن هناك استقطابًا دوليًا بين بعض الدول خوفًا على مصالحها، وهناك مؤخرًا عودة للاعب الإيطالي والفرنسي والمصري ورغبتهم في فتح سفاراتهم دليل واضح على ترتيبات ما قبل الانتخابات القادمة.

هذا الصراع الدولي، وفق مختار غميض، سيتضح أكثر كلما اقتربنا من محطة ديسمبر/كانون الأول الحاسمة، فكل طرف سيسعى لضمان نجاح حلفائه في الانتخابات حتى يتسنى لهم التحكم في ثروات البلاد الهائلة وفي قرار ليبيا وتحالفاتها.

هذا الاغتيال أكد أن ليبيا قادمة على سلسلة من الاغتيالات لقادة الميليشيات لتهيئة الأجواء للحكومة الجديدة للعمل تحضيرًا للانتخابات القادمة التي تأمل العديد من الدول في فوز حلفائها بها مهما كلفها الأمر حتى لا تخسر الامتيازات التي تتمتع بها هناك.