صباح الثلاثاء 23 من مارس/آذار 2021

الحدث: الإعلان عن جنوح سفينة الحاويات العملاقة "إيفر غرين" في المجرى الجديد لقناة السويس، ما أدى إلى غلقه بشكل كامل، الأمر الذي أوقف حركة المرور في تلك التفريعة، فيما حمّلت هيئة القناة الرياح والعواصف الترابية وانعدام الرؤية مسؤولية الواقعة.

صباح الجمعة 26 من مارس/آذار 2021

الحدث: حادث تصادم قطارين في مركز طهطا شمال محافظة سوهاج (جنوب)، ما أسفر عن وفاة 32 شخصًا، بينما أصيب أكثر من 165 آخرين (حسب بيانات وزارة الصحة المصرية) فيما يذهب شهود عيان إلى أن العدد الحقيقي أضعاف المذكور رسميًا.

ثمة رابط كبير بين الحدثين، حتى إن لم يتلاقا في نقطة مشتركة إلا أن كلاهما تحت قيادة عسكرية، لكن إدارة الدولة لهما، إعلاميًا وسياسيًا، يوثق حالة الفشل في التعامل مع مثل تلك الأمور، ما يؤكد غياب ثقافة إدارة الأزمة عن العقلية التي تدير المشهد، وهي الآفة التي تعاني منها الدولة المصرية على مدار عقود طويلة.

من السفينة للقطار

أكثر من 48 ساعة مرت على جنوح السفينة "إيفر غرين" ولم يصدر بيان إعلامي واحد، سواء عن هيئة قناة السويس أم الإعلام الرسمي المصري، عن الواقعة، في الوقت الذي كانت تسلط وكالات الأنباء العالمية الضوء على ما يحدث في الممر المائي الأشهر في العالم الذي يعبر منه قرابة 12% من إجمالي التجارة العالمية.

وفي عصر السماوات المفتوحة وتلاشي نظريات الغرف المغلقة، لم تعد سياسة التعتيم التي اتبعتها القاهرة مع الأزمة تجدي نفعًا، إذ بات الخبر على صدر صحف العالم وشاشاته، الأمر الذي وضع السلطات المصرية في حرج كبير، سواء على المستوى الداخلي أم الخارجي.

وبينما حاولت الحكومة المصرية تلافي هذا الخطأ الناجم عن التأخير في التعاطي مع الواقعة، إذ بها تقع في شرك أكبر، حين أومأت عبر أجهزتها الإعلامية أن الأزمة انتهت والسفينة الجانحة قد تم تعويمها، لتخرج اللجان الإلكترونية عازفة أعذب الألحان على قدرة الدولة على إنهاء المشكلة في ساعات قليلة.

لكن فوجئ الجميع وعبر الوكالات العالمية وبيانات الشركة المالكة للسفينة ذاتها، أن الأمر لم يتغير بعد، وأن الأزمة لا تزال قائمة، فيما عرضت بعض الدول المساعدة على مصر من أجل تعويم القاطرة العملاقة، منها تركيا والولايات المتحدة الأمريكية.

الواقعة في حد ذاتها تقليدية ومألوفة في معظم الممرات العالمية بالعالم، لكن غياب الشفافية وعدم المصارحة وإخفاء المعلومات الحقيقية والموثقة زاد من وقع الأزمة، من باب "أن كل شيء تمام" كان له وقعه السلبي على مناسيب ثقة العالم وشركات التجارة الدولية في إدارة هذا الممر، وهو ما دفع البعض للبحث عن بدائل للقناة ولو كان بالعودة إلى رأس الرجاء الصالح.

وبينما لم تخرج الحكومة من هذا المطب الصعب الذي قد يكلفها أحد أهم مواردها الاقتصادية، إذ بها تجد نفسها في وحل آخر، لكن هذه المرة على المستوى الداخلي، فمشهد الأهالي والركاب المحتشدين حول عربات القطار المقلوبة، في محاولة لانتشال الجثث العالقة بين كراسي وحديد القطارين كان له أثره السيئ على الشارع.

تأخر استجابة الحكومة ممثلة في وزارة الصحة وسيارات الإسعاف المجهزة، دفع الأهالي إلى التعامل مع الحدث بخبراتهم المتواضعة وبالجهود الذاتية، فامتلأت المستشفيات القريبة بدماء المتبرعين، وفُتحت أبواب المنازل لاستقبال الجرحى والوفيات، بجانب الجهود الخيرية التي بذلها الأهالي لإغاثة الركاب، كل هذا في غيبة تامة عن الحضور الرسمي الذي جاء في ساعات متأخرة من اليوم.

الحكومة في بداية الأمر، لم تلق الضوء الكامل على الحادثة، بل كانت الإشارات التي تتوارد عن تصادم بسيط لم ينجم عنه أي خسائر، فيما غاب الإعلام الرسمي عن الحدث بصورة شبه كاملة، ولم يتحرك أحد إلا عقب أداء السوشيال ميديا دور الإعلام البديل، فكانت مقاطع الفيديو المصورة مباشرة من داخل القطار المقلوب سبة في جبين الحكومة وإعلامها.

وبدلًا من الإسراع لإنقاذ ما يمكن إنقاذه ومباشرة التحقيقات، جاء بيان هيئة السكك الحديد ليلمح إلى وجود شبهة جنائية في الواقعة، محملًا المسؤولية لمجهولين قاموا بهذا العمل، وهو المبرر المعتاد مع كل واقعة، ففي الغالب تكون جماعة الإخوان هي "الضيف اللي بيحاسب على كل المشاريب".

البيان أثار سخرية كبيرة بعدما فقد الشارع الثقة في حكومته، ما دفع النيابة العامة لمحاولة تصحيح هذا الخطأ من خلال بيان صادر عن النائب العام يحظر فيه نشر أي بيانات أو تصريحات بخصوص الواقعة، فيما توجه النائب العام بنفسه لموقع الصدام مشكلًا لجنة للتحقيق والتوصل إلى ملابسات الحادث وأسبابه.

سوء إدارة الأزمة.. آفة العقلية الحاكمة في مصر

لم تكن حادثة قطاري سوهاج وجنوح سفينة قناة السويس هما الحادثتان الوحيدتان الكاشفتان لفشل الحكومة المصرية في إدارتهما، فالسوابق في هذا المضمار متعددة، وتظهر بين الحين والآخر، سواء الأزمات الموسمية المتوقعة كالأمطار والحوادث الناجمة عن تهالك الطرق أو السكك الحديدية، أم الأزمات المفاجئة كوباء كورونا أو سقوط طائرات أو خلافه.

وعلى المسارين، المتوقع والمفاجئ، فشلت السلطات المصرية في التعامل مع تلك الأزمات، ولم يكن هذا سمت النظام الحاليّ فقط، بل هو موروث يعود لعقود طويلة، فقد غابت ثقافة المكاشفة والمصارحة مع الشعب، وإن تعاظمت بشكل أكبر خلال الأعوام الماضية، وهو ما وثقه الرئيس الحاليّ عبد الفتاح السيسي، حين أكد أن معظم المشروعات التي تدار لا يعد لها دراسات جدوى، وهو التصريح الذي يحمل بين طياته الكثير من الدلالات والرسائل.

يشير خبراء علم الإدارة إلى أن للأزمة سمات معروفة، المفاجأة - نقص المعلومات - تصاعد الأحداث - فقدان السيطرة - حالة الذعر - غياب الحل الجذري السريع، وتمر بخمس مراحل رئيسية: "الميلاد" ويقصد به التحذير المبكر لوقوع الأزمة من خلال بعض الإرهاصات.

ثم النمو، الذي يتعاظم مع سوء فهم متخذي القرار لحدوث الأزمة والفشل في قراءة المقدمات والإرهاصات، ثم مرحلة النضج التي تعتبر من أخطر مراحل الأزمة، فغياب التخطيط وتراجع الحزم والإخفاق في التعامل مع المعطيات الموجودة سيعزز من الأزمة وتداعياتها.

ثم تأتي مرحلة الانحسار، حين تفقد الأزمة قوتها وتبدأ في الاختفاء التدريجي لتصل إلى مرحلة التلاشي، وذلك عندما تفقد بشكل كامل قوة الدفع المولدة لها أو لعناصرها حيث تتلاشى مظاهرها وتأثيراتها، وهي المرحلة التي تكون في الغالب محصلة للمراحل الأربعة السابقة.

ومن خلال سحب تلك المراحل الخمس الأساسية على الأزمات التي تواجهها الدولة المصرية خلال العقود الثلاثة الأخيرة تحديدًا، وأدوات التعامل معها، يلاحظ أن معظم الأزمات التي مرت بها تجاوزت مرحلة الميلاد والنمو والنضج (ليس هناك قراءات جيدة ولا توقعات مسبقة ولا خطط للتعامل حتى مع الأزمات المتوقعة كالأمطار والسيول والعواصف والعقارات الأيلة للسقوط) وهو ما أدى إلى تفاقم تداعياتها بشكل كبير، أما مرحلتا الانحسار والتلاشي فلم يأتيا إلا بعدما تحقق الأزمة أقصى تأثير لها، فتموت تدريجيًا.

وهكذا تدفع مصر ثمن غياب فن التخطيط والإدارة الذي بات مرحلةً من الرفاهية لا تحتاجها البلاد في الآونة الأخيرة في ظل قيادة تزعم أنها ملمة بكل شيئ، لتتراكم الأزمات على المحروسة يومًا تلو الآخر، دون حلول جذرية أو مؤقتة لها، ليدفع الشعب المصري وحده الثمن غاليًا، أرواح تزهق ودماء تراق وأوضاع معيشية تسوء شيئًا فشيئًا حتى بات ثلث الشعب (النسبة مرشحة للزيادة) تحت مستوى خط الفقر.