في 22 من سبتمبر/أيلول حضرت السيدة الأولى في تركيا، أمينة أردوغان، ندوة بقصر دولما بهجة بالعاصمة التركية، للأكاديمية أرزو ترزي عضو هيئة التدريس في قسم التاريخ بكلية الآداب جامعة إسطنبول، كانت عن أبرز محطات حياة السلطانة الأم "بزم عالم" الزوجة الثانية للسلطان محمود الثاني (1785-1839) ووالدة السلطان عبد المجيد الأول (1823-1861).

الندوة سلطت الضوء على الأيادي البيضاء للسلطانة الأم ودورها في إثراء العمل الأهلي من خلال عشرات الأعمال الخيرية التي قامت بها خلال سنوات حياتها، حتى إنها عرفت بأنها أكثر امرأة أنشأت أوقافًا في تاريخ الدولة العثمانية، وهو ما وثقته العديد من المؤلفات المتداولة حتى يومنا هذا.

ولدت عام 1807 في جورجيا، وتباينت الآراء بشأن ديانتها، وهل كانت يهودية أم لا، لكنها فرضت نفسها مع أول لحظة وطأت فيها قصر السلطان العثماني، لما تمتعت به من دماثة الخلق وحسن الخلقة، هذا بجانب سخائها وكرمها وحبها لعمل الخير، وهو ما جعلها محبوبة من كل من في الحرملك.

في قصر السلطان

أحضرت على يد البحارة إلى قصر السلطان محمود الثاني وعمرها لم يتجاوز الخامسة عشر، لكن جمالها كان لافتًا للنظر، فكانت بيضاء الوجه طويلة المقام، طيبة القلب، حلوة اللسان، ما أوقع السلطان في حبها، ليتزوجها في الحال وكان ذلك عام 1822، وما إن مر عام واحد فقط حتى أنجبت له ولي العهد، الأمير عبد المجيد الأول.

وعلى مدار 17 عامًا هي فترة زواجها من السلطان (1822-1839) كانت خير داعم له في أمور الحكم، فدفعته للمضي قدمًا في طريق الإصلاح الذي سلكه بعض أسلافه من الخلفاء العثمانيين، وسعى لمعالجة الأخطاء التي وقعت فيها البلاد عقب عهد السلطان سليمان القانوني لاستعادة نفوذ الإمبراطورية مرة أخرى.

ورغم أنها لم تكن زوجته الوحيدة، فإن "بزم عالم" كانت الأقرب إلى قلب السلطان من بين 16 زوجة، أنجبن له 16 من الأبناء الذكور و18 من الإناث، فيما ظلت متربعة على عرش قلبه حتى وفاته، فكانت ملجأه حين تشتد به الأمور، وبلسمه في أوقات الألم.

السلطانة الأم

بعد وفاة السلطان محمود الثاني ورث العرش نجله الأكبر السلطان عبد المجيد الأول، وكان عمره حينها ستة عشر عامًا وثلاثة أشهر، لكنه كان يمتلك عقلية إدارية وتنفيذية جيدة، ساعدته في السير على خطى الأسلاف في إصلاح الدولة والوصول بها إلى مكانتها المرموقة.

ومن ثم باتت "بزم عالم" السلطانة الأم، وكان عمرها لا يتجاوز 32 عامًا، وظلت الداعم الأكبر لولدها، ومستشارته الأولى، وكاتمة أسراره، بل بلغ نفوذها وفق ما ذهبت الكثير من الروايات إلى أنها كانت تشارك في وضع خطط الحرب واختيار أهل الكفاءة لإدارة شؤون الدولة، وظلت في منصبها هذا "السلطانة الأم" طيلة 14 عامًا حتى وفاتها.

كانت الأقرب إلى قلب السلطان من بين 16 زوجة، أنجبن له 16 من الأبناء الذكور و18 من الإناث

كانت السلطانة مدرسة سياسية وقيادية لولدها السلطان الأعظم صغير السن، فتخرج منها قائدًا فذًا، استطاع في عهده تحقيق العديد من الانتصارات التي أعادت للإمبراطورية العثمانية هيبتها من جديد، فانتصر في حرب القرم، واستعاد سوريا العثمانية من حكم محمد علي باشا، كما أدخل إصلاحات عديدة في القوانين العثمانية التي عالجت الانحلال الذي شاب بعض الولاة.

ونجح خليفة المسلمين الثالث بعد المئة وسلطان العثمانيين الحادي والثلاثين والثالث والعشرين من آل عثمان الذين جمعوا بين الخلافة والسلطنة، بفضل القوة الداعمة له، والعقل المدبر لمعظم تحركاته، ومستشارته الأولى، والدته السلطانة، في أن يكمل ما بدأه أسلافه.

تعليم الفتيات

يعود الفضل لـ"بزم عالم سلطان" في وضع اللبنة الأولى لنظام تعليم الفتيات في الدولة العثمانية، حين ضغطت على ولدها السلطان لدعم المرأة العثمانية وتطوير شأنها من خلال دفعها نحو التعليم والتعلم، حتى تصبح أداة من أدوات التقدم والتطوير لمجتمعها وللدولة بصفة عامة.

رغم الحقوق التي كانت تتمتع بها المرأة العثمانية، كونها مشاركة رئيسية في الحياة العامة، بجانب حقها في الحصول على الممتلكات وشرائها بما تراه مناسبًا لها دون تدخل من زوجها أو أقاربها الذكور، وحق إدارة هذه الأملاك وبيعها، فإن التعليم الرسمي النظامي كان العقبة الوحيدة أمامها.

كان تعليم الفتيات في ذلك الوقت عبر الجهود الذاتية وعند مستوى محدود (التعليم الأساسي في الوقت الراهن)، وكان الهدف منه زيادة مهارات المرأة في منزلها، لكن مع ولاية السلطان عبد المجيد الأول، أحدث طفرة كبيرة في الاهتمام بتعليم الفتيات والشابات، حيث افتتحت في عهده أول مدرسة ثانوية للبنات بإسطنبول عام 1858، وهو ما كان بمثابة مقدمة لقانون التعليم الإلزامي للفتيات بين سن ست إلى عشر سنوات، الذي أصدرته الدولة في 1869، وإن كان تطبيقه في البداية محدودًا.

ومع قدوم عام 1901 ارتفع عدد مدارس تعليم الفتيات في إسطنبول فقط إلى 11 مدرسة، كانت تفتح طيلة أيام الأسبوع، عدا يوم الجمعة، وعلى مدار 10 أشهر في السنة، وكانت المناهج التي تدرس بها في ذلك الوقت، القرأن الكريم والخطابة، والأدب والكتابة، بجانب دروس الأبجدية.

توفيت بزم عالم سلطان في قصر دولمة باشا، الذي اتخذه السلطان مقرًا للحكم، لتدفن إلى جوار قبر زوجها السلطان محمود الثاني

ثم تطورت المناهج فيما بعد لتشمل تعليم حزمة من اللغات الأجنبية بجانب اللغة العثمانية، فتم تدريس اللغة العربية والفارسية، وعلوم الاجتماع والهندسة والطب والحساب، علاوة على فروع علم الجغرافيا والتاريخ والمهارات اليدوية، وصولًا إلى علوم الإدارة والقيادة. 

رائدة الأوقاف في الدولة العثمانية

يصف المؤرخون السلطانة الأم "بزم عالم" بأنها أكثر نساء الدولة العثمانية إنشاءً للأوقاف الخيرية، خدمة للفقراء والمحتاجين والمغتربين، فأنشأت عشرات المساجد والمستشفيات والمساجد، بجانب عدد من المدارس لتعليم الفتيات في مختلف مراحل التعليم.

كما تبرعت لمدرسة "إسطنبول الثانوية للبنات" بـ431 كتابًا، كانوا نواة مكتبة هائلة ساعدت في تثقيف الفتيات وتأهيلهن للحياة العامة، هذا بخلاف جسر غلاطة الذي شيدته عام 1845، ومن أبرز مآثرها الخيرية مسجد "دولما بهجة" عام 1853، الذي يعد لوحة فنية معمارية رائعة.

وفي الـ2 من مايو/آيار 1853 توفيت بزم عالم سلطان في قصر دولمة باشا، الذي اتخذه السلطان مقرًا للحكم، لتدفن إلى جوار قبر زوجها السلطان محمود الثاني، فيما تشير الروايات إلى أن جنازتها شهدت حضور كثيف من الجماهير الحزينة على فراق السلطانة الأم التي عاشت جل حياتها في خدمة الشعب ومصالح الناس.