تتمسك الجزائر بنظرتها لمعالجة ملف اللاجئين والمهاجرين السريين الأفارقة رغم الانتقادات التي لا تكف الدول الغربية عن توجيهها لها، وتؤكد أن سياستها في هذا المجال تحترم حقوق الإنسان وتحفظ كرامة المهاجرين غير الشرعيين وتشجع التعاون الدولي لمواجهة هذه الظاهرة العابرة للحدود، لكن بشرط أن يكون بعيدًا عن لعبها دور الدركي الذي يحمي أوروبا من مواجهة أفواج اللاجئين القادمين إليها من الجنوب المثقل بأزمات الإرهاب وعدم الاستقرار الأمني والمعيشي.

وتنتقد منظمات غير حكومية غربية وتقارير أمريكية إقدام السلطات الجزائرية على ترحيل المهاجرين السريين الأفارقة إلى بلدانهم، وتقول إن العملية تتم قسرًا، لكن الجزائر تؤكد أن عمليات الترحيل تتم بموافقة دول هؤلاء اللاجئين وفي ظروف جيدة، ليبقى هذا الملف من أكبر المشاكل التي تواجهها البلاد بالنظر لتبعاتها الاقتصادية والدبلوماسية.

اتهامات جديدة

لم يخل التقرير الجديد للخارجية الأمريكية عن حقوق الإنسان في الجزائر الصادر مؤخرًا، رغم النقاط الإيجابية التي حملها بشأن التكفل بالمهاجرين السريين واللاجئين، من الانتقادات، خاصة ما تعلق بالترحيل نحو بلدانهم الأصلية وعدم حقهم في الطعن على هذه القرارات حتى لو تم ذلك بالاتفاق بين الجزائر ودول هؤلاء اللاجئين، وفي مقدمتها النيجر التي تم إعادة أكبر عدد من مواطنيها المقيمين بالجارة الشمالية بطريقة غير قانونية.

وأشار تقرير الخارجية الأمريكية إلى أن عدم تسهيل القوانين الجزائرية اندماج اللاجئين في سوق الشغل، جعلهم عرضة للاستغلال في السوق الموازية والعمل بأجور متدنية، وفي ظروف لا توفر حقوق العامل المتعارف عليها دوليًا، لكن رغم ذلك اعترف التقرير بالاستثناء القانوني الذي تمنحه الحكومة للاجئين السوريين في سوق العمل.

وبنى التقرير الأمريكي بياناته على تقارير لمنظمات غير حكومية، منه ما أصدرته "هيومن رايتس ووتش" في الـ9 من أكتوبر/تشرين الأول الماضي، الذي جاء فيه "السلطات الجزائرية طردت آلاف المهاجرين وطالبي اللجوء إلى النيجر في موجات اعتقال أشخاص معظمهم أفارقة من جنوب الصحراء في تسع مدن على الأقل خلال الأسابيع الأخيرة".

وذكر تقرير المنظمة غير الحكومية أن "عناصر الأمن فرقت الأطفال عن عائلاتهم خلال اعتقالات جماعية، وحرمت المهاجرين وطالبي اللجوء من مقتنياتهم، ولم تسمح لهم بالطعن في قرار ترحيلهم أو فحص وضع اللجوء الخاص بهم".

في ظل عدم إمكانية الوصول إلى الأرقام الحقيقية لعدد المهاجرين السريين الذين يدخلون الجزائر بسبب شساعة حدودها، يبقى تحديد عدد المرحلين صعبًا، ويظل تصديق الرواية الأجنبية أو الرسمية محل شك

وحسب "هيومن رايتس ووتش"، فإنه من أوائل سبتمبر/أيلول 2020 إلى شهر أكتوبر/تشرين الأول من العام ذاته، طردت الجزائر أكثر من 3400 مهاجر من 20 جنسية على الأقل إلى النيجر، بينهم 430 طفلًا و240 امرأةً، بحسب منظمات إنسانية في النيجر، ليتخطى بذلك عدد الأشخاص المطرودين بإجراءات موجزة إلى النيجر في 2020، 16 ألفًا، أكثر من نصفهم بقليل من مواطني النيجر".

إلا أن هذه الاتهامات الصادرة من جهات خارجية، نفاها رئيس المكتب الولائي للرابطة الجزائرية لحقوق الإنسان بولاية بشار الحدودية مع مالي محمد الأنصاري في تصريح لكاتب المقال، وقال الأنصاري لـ"نون بوست": "رابطة حقوق الإنسان تختلف ملاحظاتها عن هذه التقارير الدولية، فقد رصدت - منذ حلول جائحة كورونا بالجزائر، على الأقل بالولايات الحدودية - تساهلًا من السلطات في التعامل مع المهاجرين الأفارقة".

وتعد الولايات الحدودية الجنوبية الباب الأول لدخول المهاجرين للتراب الجزائري، إذ يقول ممثل رابطة حقوق الإنسان: "ينتقل على سبيل المثال من بشار الحدودية مع مالي إلى ولاية النعامة المجاورة (غرب الجزائر) يوميًا قرابة 80 مهاجرًا إفريقيًا على الأقل في رحلتهم نحو الولايات الساحلية بهدف التوجه نحو أوروبا، وذلك دون تدخل أي أحد من السلطات".

وبدوره، أكد مكتب منظمة العفو الدولية بالجزائر لـ"نون بوست" أن أمنيستي لم تسجل على الأقل في شهر أكتوبر/تشرين الأول 2020 ترحيلًا لمهاجرين سريين من الجزائر إلى النيجر أو أي بلد إفريقي آخر، وهو ما يخالف ما جاء في تقرير الخارجية الأمريكية.

وفي ظل عدم إمكانية الوصول إلى الأرقام الحقيقية لعدد المهاجرين السريين الذين يدخلون الجزائر بسبب شساعة حدودها، يبقى تحديد عدد المرحلين صعبًا، ويظل تصديق الرواية الأجنبية أو الرسمية محل شك وطرح لعديد الأسئلة، بالنظر لعدم وجود راصد مستقل. 

احترام 

ترفض الحكومة الجزائرية على الدوام ما تتضمنه تقارير الخارجية الأمريكية والاتحاد الأوروبي والمنظمات غير الحكومية بشأن تعاملها مع ملف المهاجرين الأفارقة، وتصنفه في خانة التحامل عليها لأنها ترفض أن تصبح بلد لجوء أو دركيًا لدول القارة العجوز.

وجدد وزير الخارجية صبري بوقدوم خلال زيارته إلى إسبانيا هذا الأسبوع رفض بلاده المطلق لأن تكون الدركي الذي يحمي السواحل الإسبانية من قوارب المهاجرين غير الجزائريين القادمين من جنوب المتوسط.

وقال بوقدوم في مقابلة مع صحيفة "الباييس" الإسبانية: "عدد المهاجرين الأفارقة الذين يصلون إلى الجزائر يبلغ أحيانًا ألف مهاجر وافد يوميًا، ما جعل البلاد ر تتحول إلى أول بلد تحتضن أراضيه تلك القوافل، وأصبحت دولة عبور لقوافل الهجرة غير الشرعية إلى أوروبا". 

وأشار بوقدوم إلى أن الدول الأوروبية تشكو ضغط الهجرة غير الشرعية، إلا أن الجزائر لا ينبغي عليها أداء دور دركي عن أوروبا، متسائلًا: "ماذا لو قررت الجزائر انتهاج أسلوب دعوهم يمرون، وكيف سيكون الوضع حينها".

وفي أكتوبر الماضي، قال وزير الداخلية كمال بلجود بداية في رده على سؤال برلماني إن عمليات الترحيل التي قامت بها بلاده إلى النيجر جرت وفقًا للمعايير الدولية، وفي ظل احترام كامل لحقوق المهاجرين.

لتفادي هذه التقارير الدولية، وجب على السلطات الجزائرية التقيد الصارم بمضامين المواثيق الدولية التي وقعت عليها، كاتفاقيتي جنيف ونيويورك

وأضاف بلجود "بلادنا تواجه مظاهر الهجرة غير الشرعية من 44 دولة إفريقية، ما دفع الحكومة إلى تبني إستراتيجية وطنية لمكافحة الهجرة السرية في ظل الاحترام التام للاتفاقيات والمعاهدات الدولية التي صادقت عليها الجزائر، خاصة ما تعلق منها بحقوق الإنسان وكرامة المهاجرين والسهر على إضفاء طابع المصلحة الوطنية على هذا الملف وكذا المحافظة على العلاقات المميزة للجزائر مع بلدان الجوار".

ويؤيد أستاذ العلوم السياسية بجامعة الجزائر 3 إدريس عطية ما تقوله بلاده، بشأن عدم صحة ما يرد في التقارير الأجنبية، ومنها تلك الصادرة عن هيومن رايتس ووتش التي وصفها في حديثه مع "نون بوست" بـ"المنظمة المأجورة" التي تصدر تقارير موجهة بعيدة عن الحقيقة.

ولاحظ أستاذ العلوم السياسية أن بلاده تسهر على توفير مراكز مقبولة لإيواء اللاجئين، بتسخير "أحسن المخيمات لكل اللاجئين في المنطقة سواء الصحراويين أم القادمين من منطقة الساحل ودول إفريقيا جنوب الصحراء" كما أن عمليات ترحيل المهاجرين لا تحمل أي انتهاك لحقوق الإنسان.

غير أن المحامي كسيلة زرقين المختص في قضايا الهجرة يرى أنه لتفادي هذه التقارير الدولية، وجب على السلطات الجزائرية التقيد الصارم بمضامين المواثيق الدولية التي وقعت عليها، كاتفاقيتي جنيف ونيويورك لحماية الطفل.

الخطوة المنتظرة

يسمح الفراغ القانوني الموجود بالجزائر، للمنظمات غير الحكومية ومختلف الهيئات الأجنبية بإصدار تقارير قد لا تصب في مصلحتها، بالنظر إلى أن وعودها بتحسين منظومتها التشريعية المتعلقة بالهجرة السرية واللاجئين تبقى مجرد أقوال لم تترجم حتى اليوم إلى أفعال، وفي مقدمة هذه التشريعات قانون اللجوء، فتبقى الجزائر من الدول القلائل التي لم تصدر تشريعًا ينظم هذه الظاهرة رغم توقيعها على عدة مواثيق دولية مرتبطة بهذا الملف.

وحسب ما استقاه "نون بوست" من مكتب أمنيستي في الجزائر، فإن رئيسته حسينة أوصديق ترى أن الحل الأمثل لطي ملف اللاجئين والمهاجرين السريين الأفارقة يكون بإقرار قانون خاص باللاجئين في الجزائر، واحترام حقوق الإنسان الواجب توفيرها في حالات كهذه في الجزائر أو غيرها من دول العالم.

أما الرابطة الجزائرية لحقوق الإنسان، فتعتقد أن أحسن حماية ضد إشهار سلاح اللاجئين الأفارقة كورقة للضغط على الجزائر من المنظمات الدولية والخارجية الأمريكية والاتحاد الأوروبي، ينطلق من إشراك حقيقي لمنظمات المجتمع المدني الجزائرية المستقلة في عملية ترحيل اللاجئين والتكفل بهم.

ويعاب على الحكومة الجزائرية أنها نادرًا ما تسمح لمنظمات حقوقية بالمشاركة في عمليات ترحيل اللاجئين، إذ يقتصر الأمر في الغالب على الهلال الأحمر الجزائري والمفوضية الأممية السامية لشؤون اللاجئين، في حين تغيب منظمات أخرى سواء محلية أم دولية رغم امتلاكها حق النشاط الرسمي بالتراب الجزائري.

مقاربة

في السنوات الأخيرة، لم يعد ملف اللاجئين يشكل ثقلًا حقوقيًا للجزائر فقط على الصعيد الدولي، إنما مع ارتفاع عدد القادمين من الجنوب أصبح الثقل يشكل أيضًا عبئًا اقتصاديًا لبلد أنهكته مشاكله الداخلية واقتصاده الهش المعتمد على أسعار برميل النفط المتقلبة.

الجزائر قد تكون مقبلة على نزوح غير مسبوق للمهاجرين الأفارقة، الأمر الذي يتطلب اتخاذ إجراءات عاجلة تراعي صورة البلاد الخارجية وتضمن المصلحة الداخلية

وحسب تصريحات وزير الداخلية كمال بلجود، فإن الجزائر أنفقت في 2018 وحدها فقط ما قيمته 30 مليون دولار على عمليات التكفل الصحي والإيواء والإطعام والترحيل التي استفاد منها المهاجرون الأفارقة.

وإضافة إلى العبء الاقتصادي، فإن مافيا تجارة البشر التي استفادت من الأوضاع المتردية في منطقة الساحل الإفريقي ضاعفت من التحديات التي تواجهها الجزائر، بالنظر إلى التحالف الموجود بين هذه المافيا والجماعات الإرهابية وبارونات تجارة المخدرات، ما رفع من حجم الرهانات الأمنية بالمناطق الحدودية.

وترافع الجزائر منذ سنوات لعدم الاكتفاء بالمقاربة الأمنية في معالجة ظاهرة الهجرة على المستوى الدولي، خاصة في البحر الأبيض المتوسط، إذ دعت في أكثر من مرة على مستوى مجموعة 5+5 أو خلال اللقاءات الثنائية مع نظرائها الأوروبيين على اعتماد مقاربة تنموية في معالجة ملف الهجرة غير الشرعية، إذ تعتقد أن غياب الأفق المعيشي والاقتصادي بدول إفريقيا جنوب الصحراء هو السبب الرئيس في هجرتهم نحو الشمال.

وترى الجزائر أنه على الدول الأوروبية دعم خطط التنمية والتكوين خاصة تلك التي تستهدف الفئات الشابة بمنطقة الساحل، فقد شكل هذا الجانب أحد البنود التي تضمنتها خطتها للسلم والمصالحة في مالي، فهي ترى أن تمويل مشاريع استثمارية في مناطق النزاع بالقارة الإفريقية من شأنه أن يكون أحسن سلاح لمحاربة المجموعات الإرهابية الذي تستثمر في الفقر وغياب التنمية لترويج أفكارها المتطرفة.

وبالنظر إلى التطورات الأخيرة بمنطقة الساحل التي زادت من تأزم الوضع الأمني، فإن الجزائر قد تكون مقبلة على نزوح غير مسبوق للمهاجرين الأفارقة، الأمر الذي يتطلب اتخاذ إجراءات عاجلة تراعي صورة البلاد الخارجية وتضمن المصلحة الداخلية.