عقب التوقيع على الاتفاق الشامل حول التعاون الاقتصادي والسياسي بين الصين وإيران، تعدّدت الأسئلة حول تبعات هذا التقارب على الترتيبات التاريخية لمنطقة الشرق الأوسط وشبكة العلاقات الدولية الفاعلة، خاصة أن تداعياته لن تقتصر على التعاون الثنائي بين البلدين بل ستتعداه لتكون إحدى عناصر التحوّل الديناميكي لتلك الجغرافيا.

ورغم أن الاتفاق لم تُنشر تفاصيله بعد، إلا أنه من الظاهر أن الأمور توحي بأن أبعاد الخطوة تتجاوز محاولة الصين الوقوف أمام العقوبات الأميركية بشراء النفط الإيراني، وخلق متنفس اقتصادي لطهران، خاصة أن العقوبات حالت دون وجود أية استثمارات أجنبية، إضافة إلى كون الاتفاق امتدادًا جديدًا للمشروع الصيني الخاص بمبادرة الحزام والطريق، التي تشمل بناء طرق تربط الصين ببقية أنحاء العالم، ما يمكّنها من توسيع نفوذها كقوة اقتصادية عالمية.

 

اتفاق شامل

تعود الملامح الأولى في تشكل الاتفاق وتطوره بين البلدين إلى عام 2016، عند زيارة الرئيس الصيني شي جين بينغ لإيران، وفي أعقاب العقوبات القصوى التي فرضها الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب على طهران التي رفضت العمل موجب خطة العمل الشاملة المشتركة (الاتفاق النووي)، قبل أن يلغيه فيما بعد، وهي ظروف هيأت للتوجه السريع لإيران نحو بكين.

وقد نشرت صحيفة نيويورك تايمز تفاصيل الاتفاقية بين الصين وإيران خلال العام الماضي، التي شملت 400 مليار دولار أميركي لاستثمارات صينية في عدد من المجالات، بما في ذلك الصرافة والاتصالات والموانئ والسكك الحديدية والرعاية الصحية وتكنولوجيا المعلومات، لمدة 25 عامًا، فيما ستحصل الصين بموجب ذلك على إمدادات نفطية إيرانية مخفضة للغاية وبشكل منتظم.

المسودة التي سرّبت في وقت سابق، جاء فيها أيضًا الاتفاق على تعميق التعاون العسكري بين الجانبين، بما في ذلك التدريبات والبحوث المشتركة وتطوير الأسلحة وتبادل المعلومات الاستخباراتية.

أمّا التوقيع الفعلي للاتفاق فتم خلال زيارة وزير الخارجية الصيني وانغ يي لطهران، تبعتها جولة شملت كل من السعودية والإمارات والبحرين وعمان وتركيا، وذلك في وقت يزيد فيه اهتمام إدارة الرئيس الأميركي جو بايدن بقضايا شرق آسيا والمحيط الهادي على حساب الشرق الأوسط، وأيضًا في ظل توتر علاقات واشنطن مع الرياض ومحاولة بايدن إعادة ضبطها بسبب قضايا حقوق الإنسان. 

ويُمكّن الاتفاق إيران من الانخراط في مبادرة الحزام والطريق الصينية، وهي خطة بنية تحتية تقدر قيمتها بتريليونات الدولارات، وتهدف الصين من خلالها لبناء شبكة واسعة من مشروعات البنى التحتية من شرق آسيا إلى أوروبا، وتعدّ حجر الأساس في تصور بكين لدورها كقوة عالمية منافسة للولايات المتحدة.

توسع صيني.. تراجع أميركي

على الرغم من تغلغل بكين في أكثر من دولة في العالم، إلا أن الاتفاق الأخير كشف أن الصينيين أصبحت شهيتهم مفتوحة أكثر للتوسع، خاصة في منطقة الشرق الأوسط، وتحديدًا غرب آسيا وشرق إفريقيا، معتمدين في الظاهر استراتيجية التعاون الاقتصادي المكثف ضمن مشروع "الحزام والطريق".

ويرى مراقبون أن الاتفاق الشامل مع إيران ليس مفاجئًا، وأتى نتيجة حتمية للضغوط التي فُرضت على طهران منذ عام 2016، ولكن توقيت التوقيع هو العامل الذي يسيل كثيرًا من الحبر، خاصة أنه جاء في ظل محاولات الإدارة الجديدة بقيادة جو بايدن ترميم ما أفسده سلفه دونالد ترامب، بما فيه إعادة التهدئة مع كل من الصين (المبادلات التجارية) وإيران (الملف النووي).

من جهة أخرى، تزامن التحرك الصيني مع استمرار البيت الأبيض في تحويل تركيز اهتمامه من الشرق الأوسط إلى منطقة آسيا والمحيط الهادي الأكثر أهمية، زد على ذلك تخوفها من التورط أكثر في المنطقة (العراق، اليمن وسوريا)، وهو أمر فتح المجال أمام منافسيها، ومنهم الروس الذين حازوا مساحة ودائرة فعل كبيرة (سوريا) أعانتهم على استعادة الدور القديم للاتحاد السوفيتي.

تريد الصين بهذا الاتفاق الصعود كقوة أولى في العالم، فهي ترى أن أميركا تخطت مرحلة الذروة بسنوات، وهي الآن في طريق الانحدار الذي لا يمكن الرجوع منه، وبالتالي فإن أولى علامات التحكم في أدوات اللعبة الجيوستراتيجية، تحتم عليها عدم تجاهل منطقة حيوية على أكثر من صعيد كالشرق الأوسط (نفط، غاز وطرق بحرية).

لذلك بدأت بكين تدريجيًّا في اقتحام المنطقة بأدواتها الاقتصادية المتمثلة في الصفقات الكبرى ومشروع طريق الحرير، والعسكرية عبر المناورات وبناء أول قاعدة لجيش التحرير الشعبي الصيني في الخارج على ساحل البحر الأحمر في جيبوتي، التي تطل على أحد أهم الممرات البحرية في العالم، وعلى بُعد عشرة كيلومترات فقط من مقر القيادة الإفريقية في الجيش الأميركي، ما يعني أنه ربما تلجأ في المستقبل القريب إلى القوة العسكرية لحماية مصالحها في المنطقة.

 

كما كثّفت الدولة الآسيوية مؤخرًا من دبلوماسيتها المرنة، وبدأت بالولوج إلى ملفات كانت غائبة عنها في السابق، حيث كشفت صحيفة الصين اليومية في وقت سابق، التي يصدرها الحزب الحاكم، عن خطة من خمس نقاط "لتحقيق الأمن والاستقرار في الشرق الأوسط، بتقديم دفعات بنّاءة للحوار الفلسطيني-الإسرائيلي، واستكمال الاتفاق النووي مع إيران، وبناء إطار عمل أمني في المنطقة".

فك العزلة الإيرانية

من المرجح أن يعزز اتفاق بكين وطهران التنمية في إيران، ويدفع بعجلة الاستثمار المعطلة، كما سيحد من تأثيرات عقوبات الولايات المتحدة ويدعم قوتها التفاوضية إقليميًّا ودوليًّا، فالصين قادرة على النزول بثقلها لتشكيل حزام واسع لمنع إصدار قرارات أممية تزيد من عزلة إيران، ثاني أكبر احتياطي من النفط الخام في المنطقة، والأهم من ذلك إن هذا الاتفاق سيدفع واشنطن إلى العودة إلى خطة العمل الشاملة المشتركة التي انسحب منها دونالد ترامب.

 

تدخل إيران باتفاقيتها مع الصين طورًا جديدًا، ستجد فيه الوقت لتأمين حماية لنظامها وسوقًا لمبيعاتها من النفط والغاز، وتدفقًا كبيرًا لاستثمارات واسعة النطاق في البنى التحتية الإيرانية، خاصة فيما يتعلق بالطرق والسكك الحديدية والطاقة، وسيجعل من طهران جزءًا لا يتجزأ من مبادرة الحزام والطريق الصينية البالغة قيمتها تريليون دولار أميركي، والتي ستمتدّ حول العالم، وذلك بالإضافة إلى إمكانية تطوير قدراتها العسكرية والأمنية.

من جهة أخرى، سيعزز الاتفاق موقع إيران إقليميًّا أي في مجالها الجغرافي القريب، حيث سيدفع تقارب بكين وطهران دولًا أخرى إلى تعزيز التعاون معها، على غرار الهند التي أعلنت حرصها على تمتين العلاقات الاقتصادية والتجارية، وذلك بعد أن كانت دلهي تتحرك في الأعوام السابقة ببطء في اتجاه طهران، وهو ما يعني أنّ الهند بدأت تتحسس هيمنة الصين على إيران، لذلك هي الآن أكثر استعداداً من أي وقت مضى لزيادة استثماراتها في ميناء تشابهار وفي مشاريع أخرى.

ممرات وترتيبات

توقيع اتفاقية تعاون مدتها 25 عامًا بين إيران الغنية بالنفط والصين الطامحة إلى مكانة القوة العالمية، بحسب المراقبين، سيغير قواعد اللعبة في الشرق الأوسط، فالصين تحاول بمخلبها الاستراتيجي الموجه نحو الولايات المتحدة وحلفائها، خلق ترتيبات وتوازنات جديدة في المنطقة، عبر تشكيل علاقات شديدة التعقيد والتشابك.

فالتعاون الذي أسسته الصين مع إيران، هو أبعد من مجرد اتفاق ثنائي بين بلدين تجمعهما المصالح الاقتصادية المشتركة، لذلك يجب النظر إلى الاتفاق من منظور أوسع، ومن خلال السياقات السياسية والدبلوماسية والتحوّلات الإقليمية والدولية. فالدولتان تربطهما علاقات وثيقة مع روسيا، ما يعني إمكانية تشكّل ترويكا قادرة على تغيير المشهد الجيوسياسي.

هذه الخطوة قد تمكن أيضًا من خلق محور إقليمي أوسع قد يشمل أنقرة، التي تبتعد شيئًا فشيئًا عن الولايات المتحدة وتنجذب إلى إيران والصين رغم الخلافات القائمة في أكثر من ملف (سوريا والإيغور)، فالأتراك عُرفوا ببراغماتيتهم وبتغير سياساتهم الخارجية وفق مصالحهم الحيوية والاستراتيجية.

من جهة أخرى ستعمل بكين على استغلال التكامل الاقتصادي الآسيوي، الذي يشكل طموحًا لكافة دول أوراسيا (روسيا، الهند، باكستان، تركيا ودول آسيا الوسطى)، لضرب تحالفات الولايات المتحدة الأميركية التاريخية وفضّ شراكاتها مع دول مثل باكستان التي حوّلتها من حليف لواشنطن إلى سوق كبيرة تتحكم فيها.

 

كما ستدفع الصين بكل قوة إلى تطبيق سياسة ممر شمال-جنوب مع روسيا والهند وباكستان وإيران، والأخيرة ستعيد التفاوض مع العراق لتفعيل العمل في بناء وصلة سكك الحديد التي تربط بين مدينة المحمرة (خورمشهر) ومدينة البصرة بطول 37 كيلومترًا، وذلك من أجل ربط خطوطها التي تبدأ من الصين والهند وباكستان بالعراق وسوريا وسواحل البحر الأبيض المتوسط، فضلًا عن الجهود التي تبذل أيضًا لربط ميناء جابهار الإيراني الذي تسهم الهند وروسيا في أعمال تطويره وبنائه، بخطوط برية وسككية مع ميناء غوادر الباكستاني الذي تقوم الصين بتشييده، ويرتبط مع المناطق الصناعية الصينية بخطوط برية وسككية باتجاه مختلف مناطق العالم.

ويراهن الصينيون كما الإيرانيون على ممر شمال-جنوب ليكون بديلًا لممر قناة السويس، لقدرته على اختصار الزمن حتى 20 يومًا والكُلَف حتى 30%، ويعد خيارًا أفضل في مجال الترانزيت، كما أفصح عن ذلك سفير طهران لدى موسكو كاظم جلالي.

 

على صعيد آخر، رغم أنّ الشراكة الصينية-الإيرانية تأتي في مرحلة تواجه فيها واشنطن تحديات داخلية، متمثلة في إرث ترامب وتراجع الشرق الأوسط من سلّم أولويات الإدارة الجديدة، إلا أنه من غير المرجح أن تخرج الولايات المتحدة من هذه المنطقة التي تتمتع فيها بنفوذ عسكري ودبلوماسي، لذلك إن هذا الاتفاق سيفرض حسابات جديدة لدى القوى العالمية الكبرى، ما يعني أن المنطقة أمام فرضيتين؛ إما الدخول في حرب باردة ثانية وإما تقاسم بكين وواشنطن مصالحهما المشتركة.

 

على الرغم من انتقادات الداخل الإيراني للاتفاق مع الصين وتخوفهم من فقدان السيادة والاستقلالية ومن تبعاته، فإن هذا التقارب سيعطي لحكام طهران أوراقًا إضافية على طاولة التفاوض، وسيجبر الغرب والولايات المتحدة بشكل خاص على إعادة تقييم التوازنات الجديدة والنظر إلى إيران كجزء رئيسي من سياق جغرافي ديناميكي ومتحوّل، لا من الزاوية الضيقة للسياسات التي رُسمت للشرق الأوسط بعد الحرب الباردة.