يستقبل العراقيون شهر رمضان هذا العام والأزمات تتصاعد في بلادهم، فما بين أزمة اقتصادية حادة هي الأشد التي يشهدها العراق منذ الغزو الأميركي للبلاد عام 2003، تأتي الأزمة الصحية المتمثلة بجائحة كورونا لتزيد الأعباء التي يواجهها العراق في ظل قرارات حكومية، تفضي بفرض حظر جزئي وكلي للتجول طيلة أيام الشهر الفضيل.

أزمة اقتصادية حادة

"تراجُع فرص العمل وارتفاع الدولار ومنع استيراد عشرات الأصناف من المواد الغذائية كبلت التجار وأفقرت المواطنين"، بهذه الكلمات يصف بشار صلاح وضع مدينته الموصل (شمال العراق) وهو يتحدث لـ"نون بوست" عن الأوضاع الاقتصادية في مدينة الموصل، التي خرجت قبل قرابة الثلاث سنوات من حرب مدمرة ضد تنظيم الدولة الإسلامية "داعش"، دمَّرت المدينة وأفقرت أهلها. 

ويضيف صلاح أن الأوضاع الاقتصادية المتردية في الموصل وعموم البلاد ترجع لعوامل عديدة، أهمها ارتفاع سعر صرف الدولار الأميركي أمام الدينار العراقي، إضافة إلى تأخر إقرار الموازنة العامة للبلاد وعدم وجود فرص عمل سواء في القطاع العام أو الخاص. 

ليس هذا فحسب، إذ إن الوضع في بقية المحافظات العراقية ليس أفضل حالًا، إذ يقول رائد علي، وهو صاحب محل لبيع الملابس في منطقة المنصور الراقية وسط بغداد، إنه ومنذ بداية التظاهرات الشعبية في أكتوبر/ تشرين الأول 2019، تأثرت الحركة التجارية في العاصمة بغداد إلى حد لم تشهده منذ الحرب الطائفية بين عامي 2006-2008. 

ويتابع علي في حديثه لـ"نون بوست" أن مسببات الأزمة عديدة، ولعل التظاهرات العراقية التي انتهت قبل أشهر قد تكون مقدمة لما جاء بعدها، إذ إن جائحة كورونا تسببت بإغلاق شامل استمر أشهرًا، ثم تحول إلى جزئي مع تخبط في القرارات الحكومية التي تقرها اللجنة العليا للصحة والسلامة الوطنية. 

ويؤكد علي أن تغيير سعر صرف الدولار الأميركي ورفعه أمام الدينار العراقي بما يقرب من 23%، تسبب بتدهور القدرة الشرائية للعراقيين، الذين باتوا يقلصون من مشترياتهم لتوفير الأموال للحاجات الضرورية من المواد الغذائية. 

وكان البنك المركزي العراقي قد قرر في ديسمبر/ كانون الأول الماضي رفع سعر صرف الدولار الأميركي أمام الدينار العراقي من 1190 دينارًا للدولار الواحد إلى 1460 دينارًا للدولار الواحد، ما تسبب بتراجع الحركة التجارية في البلاد.

العراقيون اعتادوا في رمضان على طقوس معينة تتطلب مصاريف إضافية، فضلًا عن الحاجات الرئيسية المتمثلة باللحوم بصورة عامة والدواجن ومنتجاتها بصورة خاصة.

ارتفاع نسب الفقر

لا يمتلك حسام أحمد ما يكفيه من الأموال لتأمين حاجاته الشهرية من المواد الغذائية وضروريات الحياة، وهو الذي يسكن في العاصمة العراقية بغداد، حيث يصف الوضع الاقتصادي في العراق بأنه الأسوأ منذ الغزو الأميركي للبلاد عام 2003. 

يعمل أحمد موظفًا حكوميًّا في إحدى الوزارات العراقية كسائق، وراتبه لا يتعدى 450 ألف دينار عراقي شهريًّا، ليكتشف أنه نتيجة لتغيير سعر صرف الدولار، فإنه خسر ما يقرب من 46% من مجمل راتبه، موضحًا أن تغيير سعر الصرف أفقده 23% من راتبه، وأن هذا التغيير الذي وصفه بـ"المفاجئ" أدى إلى ارتفاع أسعار المواد الغذائية بالنسبة ذاتها، ما يعني أن قيمة ما يتقاضاه يقارب الـ 50% مما كان عليه سابقًا. 

ويختتم أحمد حديثه لـ"نون بوست" بأن رمضان هذا العام يأتي على العراقيين بغير الصورة التي كان يأتي بها سابقًا، قائلًا: "الأزمة الاقتصادية وفيروس كورونا أديا بالعراقيين إلى مواجهة خاسرة مع الوضع الاقتصادي العام".

في آخر تقرير لبرنامج الأغذية العالمي، بلغت نسبة انتشار الفقر بين العراقيين أكثر من 31%، والبطالة تجاوزت الـ 40%، في الوقت الذي تشير فيه الإحصاءات الحكومية إلى نسب أقل، لكنها ليست بالبعيدة عن تلك التي أشار إليها البرنامج الأممي. 

من جهته، يقول الباحث الاقتصادي أنمار العبيدي في حديثه لـ"نون بوست"، إن العراقيين يواجهون أزمات اقتصادية مركّبة ومتراكمة، ولعل أكثرها تأثيرًا بالعراقيين التخبط الحكومي في منع استيراد العديد من المفردات الغذائية كزيت الطعام والبيض والدجاج بأنواعه، وأنواع كثيرة من الخضراوات.

ويضيف العبيدي أن العراقيين اعتادوا في رمضان على طقوس معينة تتطلب مصاريف إضافية، فضلًا عن الحاجات الرئيسية المتمثلة باللحوم بصورة عامة والدواجن ومنتجاتها بصورة خاصة، إلا أن منع وزارة الزراعة استيراد الدواجن ومنتجاتها، أدى إلى ارتفاعها بسنبة 80%، ما أضاف مزيدًا من الأعباء.

وعن إمكانية تدارك الأزمة ولو جزئيًّا، يرى العبيدي أن الحكومة سمحت خلال اليومين الماضيين بدخول هذه المنتجات لفترة معينة، إلا أنه يرى أيضًا أن وزارة الزراعة تتعامل مع ملف الاستيراد بعشوائية كبيرة، مشيرًا إلى أن الأساس العلمي لحماية المنتج المحلي في جميع الدول يعتمد على الإحصاءات ومقارنة ما تحتاجه البلاد من سلع مع المنتج المحلي، وبالتالي تحدَّد نسبة الاستيراد الأجنبي أو منعه بصورة كاملة إذا ما توفر المنتج المحلي وغطّى الحاجة الفعلية. 

يقول الصحافي رياض الحمداني في حديثه لـ"نون بوست"، إن الأسواق العراقية شهدت منذ بداية شهر مارس/ آذار الماضي موجة غلاء كبيرة في أسعار المواد الغذائية، وأن هذا الغلاء جاء بسبب منع الحكومة استيراد العديد من المواد الغذائية والخضراوات.

ويتابع الحمداني أنه وفي كل عام يخرج العراقيون للتسوق استعدادًا لشهر رمضان، وبالتالي يزداد الطلب على جميع المواد الغذائية التي ارتفعت أسعارها بمقدار الضعف بسبب الإجراءات الحكومية في منع الاستيراد، فضلًا عن تراجع قيمة العملة العراقية منذ بداية العام الحالي. 

ويعتقد الحمداني أن الحكومة أخفقت في التعامل مع ملف غلاء الأسعار قبيل الشهر الفضيل، إذ وبحسب إفادته لـ"نون بوست" فإن الحكومة العراقية ألقت مسؤولية ارتفاع الأسعار على التجار الذين وصفتهم بـ"أصحاب النفوس الضعيفة"، مضيفًا أن الجميع يعلم أن النسبة الكبرى من المواد الغذائية تستورد من خارج البلاد، ومن المنطقي أن تشهد صعودًا بالأسعار مع ارتفاع صرف الدولار، وهذا بدوره أرهق المواطنين الذين فوجئوا قبل شهر من الآن بمنع دخول العديد من المواد الغذائية لحماية المنتج المحلي.

المواطن العراقي ترك وحيدًا لمواجهة أزماته وخاصة في الشهر الفضيل، إذ إن كثيرًا من الدول اعتمدت دعم الشرائح الأقل فقرًا لمواجهة أزمة الفيروس، إلا أن العراق يواجه هذه الأزمة بإجراءات كان يمكن تحويرها تجنبًا لإفقار العراقيين

تدابير احترازية في رمضان

لعل كثيرًا من دول العالم الإسلامي تتشابه في الإجراءات التي تتخذها حكوماتها لمواجهة جائحة كورونا، ويأتي رمضان هذا العام مشابهًا للعام الماضي في غالبية الدول، إلا أنه في العراق أشد وطأة.

إذ وبالإضافة للعوامل التي تسببت بارتفاع نسب الفقر والبطالة في البلاد، أقرت خلية الأزمة في العراق تزامنًا مع الشهر الفضيل جملة من القرارات التي ستزيد من تدهور الواقع الاقتصادي، بحسب العديد من المراقبين.

وجاءت قرارات خلية الأزمة في فرض حظر تجول شامل يومي الجمعة والسبت من كل أسبوع، وفرضه جزئيًّا لبقية الأيام من موعد الإفطار وحتى الخامسة فجرًا لتضيف مزيدًا من الأعباء الاقتصادية.

وفي هذا الصدد، يشير العديد من المراقبين للشأن العراقي أنه وعلى الرغم من أن الإجراءات المتخذة لمواجهة الجائحة تبدو منطقية، إلا أن التدابير السابقة لم تجدِ نفعًا في ظل عدم التزام العراقيين بتدابير مواجهة الفيروس المتمثلة بالتباعد الاجتماعي والكمامات، وهذا ما قد يعني أن هذه الإجراءات قد لا تحقق الأهداف المرجوة منها، خاصة أن للعراقيين طقوسهم الخاصة في رمضان في الزيارات والتجمعات والسهر حتى موعد السحور، إضافة إلى ان الحركة التجارية عادة ما تكون بعد الإفطار في جميع المدن العراقية.

العراقيون يرون في هذه الإجراءات ضررًا كبيرًا لهم في ظل عدم وجود أي دعم حكومي يساعدهم في مواجهة الأعباء الصحية والاقتصادية.

من جهته، يقول الخبير الاقتصادي محمد محمود في حديثه لـ"نون بوست" إن المواطن العراقي ترك وحيدًا لمواجهة أزماته، وخاصة في الشهر الفضيل، إذ إن كثيرًا من الدول اعتمدت دعم الشرائح الأقل فقرًا لمواجهة أزمة الفيروس، إلا أن العراق يواجه هذه الأزمة بإجراءات كان يمكن تحويرها تجنبًا لإفقار العراقيين.

ويضيف محمود أن العراقيين اعتادوا على شراء حاجيات الشهر الفضيل قبل موعده بأيام، إلا أن واقع الأسواق العراقية هذا العام مغاير تمامًا، فالقدرة الشرائية تراجعت والإجراءات الحكومية شدِّدت لمواجهة الفيروس، ووزارة الزراعة اتخذت إجراءات مستعجلة وغير مدروسة، وكل هذه العوامل أدت إلى تراكم المشكلات الاقتصادية على العراقيين تجارًا ومستهلكين. 

ويعقتد محمود أن قرارات خلية الأزمة في الحظر الجزئي الممتد من الإفطار وحتى السحور ستضر بالتجار كثيرًا، فالعراقيون يتوجهون إلى الأسواق بعد الإفطار، وهذه الإجراءات تعني أن الحركة التجارية في البلاد ستصاب بالشلل غير المسبوق، على حد وصفه. 

هي إجراءات احترازية تبررها الحكومة العراقية لمواجهة الجائحة التي وصل عدد المصابين بها قرابة المليون، إلا أن العراقيين يرون في هذه الإجراءات ضررًا كبيرًا لهم في ظل عدم وجود أي دعم حكومي يساعدهم في مواجهة الأعباء الصحية والاقتصادية.