لا أعتقد أنه من الممكن للبشرية أن تتفق على معنى واحد أو صفات موحدة للأنوثة، وربما من العبث أن نجعل من تعريف الانوثة ساحةً للبحث أو التحدي أو النزال، وقد يكفينا أن نضع سؤالًا على محرِّك من محركات البحث على الشبكة العنكبوتية لتنهال علينا التعاريف التي لا تنتهي، بل تتناقض فيما بينها بشكل لافت.

لماذا لا يمكننا وضع معايير محددة للأنوثة؟

حقيقةً لا يمكن أن يكون هناك معايير أو مواصفات للأنوثة، فكل امرأة فيها أنثى مختلفة وجميلة بطريقة ما لا يمكن أن تشبهها أخرى، ولا يمكن أن نضبطها في بضع كلمات أو سطور، كما لا يمكننا تحديد معايير للرجولة. فكلا الأمرين متنوع وتابع للأذواق والبيئات التي لا يمكن أن تتفق أو تتوحد يومًا، وهذا سر من أسرار جمال هذا الكون الذي يمنحه مذاقه الفريد والممتع، ونحن نتحدث هنا عن الأنوثة كنوع من السحر الجاذب والفريد لا يمكن قياسه ولا تحديده مطلقًا.

الأنوثة في واقعنا

  • في المجتمعات ذات النظام الأبوي (البطريركي):

غالبًا عندما نسأل عن معنى الأنوثة عند فرد أو جماعة، فإنَّ الإجابة تأتينا حسب مفاهيم هذا الفرد والمجتمع اللذين تكونا من خلالها نظرتهما وانتماؤهما والصورة التي ترسخت بها الأنثى في مخيلتهما.

فالمجتمعات الأبوية يحكمها عادةً رجال الدين التابعون للسلطة، عبر سلسلة من التقاليد تلبس لباس القداسة ولا يكاد يفرق بينها وبين التشريعات الربانية، بل تتفوق عليها في القداسة غالبًا، وهذه المجتمعات تخشى على تماسكها وبنيتها التي تضمن لها مكانتها واستمراريتها، دون أن يكون هناك أهمية للمرأة كإنسان وحتى للرجل والطفل، فنجدهم يقرنون الأنوثة بالطاعة للزوج والاستسلام والانقياد، وهذا مخالفة صريحة للتشريعات الربانية في الدين الإسلامي على سبيل المثال، وتخالف صراحة ما كانت عليه حياة النبي محمد صلى الله عليه وسلم مع نسائه، حيث كانت تتم مراجعته من قبلهن، وترتفع أصواتهن فوق صوته، ويخاصمنه، وتفعل هذا امرأة عمر بن الخطاب أيضًا؛ فيصبر معترفًا بفضلهن عليه، ولم يكن ينقص هذا من إيمانهن شيئًا، ولم ينخلع عنهن رداء الأنوثة أبدًا.

لكنها، أي هذه المجتمعات، تعتمد غالبًا على نصوص وفتاوى استحدثت خصيصًا لها في كل الأديان، بجانب تجاهل متعمَّد لنصوص أصيلة من الممكن أن تعاكسها تمامًا، فإخضاع المرأة فيها هو مكافأة للرجال الخاضعين أصلًا للسلطة الحاكمة التي تعتمد رجال الدين لديها كأداة من أهم أدوات تطويع المجتمعات فيها، ووسيلة للتنفيس عن القهر المجتمعي لهؤلاء، ولا يهم بعد هذا كيف كانت حياة النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته مع النساء أو غيره من الأنبياء في الديانات الأخرى، ولا مشكلة في إخفاء بعض النصوص، أو تعديل معاني نصوص أخرى بشروح لعلماء تم تلميع أسمائهم مسبقًا لإسكات من يطالب بالحقيقة والإنصاف.

تعريف الأنثى هنا يتلاءم جدًّا مع متطلبات السلطات الحاكمة، فتكون الأنثى الحقيقية برأيهم هي الخاضعة والمطيعة والتي تجيد خدمة زوجها وإمتاعه والرفع من شأنه

في مجتمعات التقاليد أيضًا (الأبوية)، لا ينظَر إلى المرأة كذات مستقلة أو إنسان له كينونته، بل هي أداة لتسهيل حياة الآخرين وخدمتهم وإمتاعهم، وبالتالي سنجدهم يعرّفون الأنثى بأنها من تجيد فنون الطهي والإغواء، وفي الوقت نفسه يجب أن تكون قوية متماسكة أمام زوجها، الذي يجب أن تسخّر كل ما لديها من وقت وجهد وفكر لخدمته ودعمه وصنع عائلة تشرّفه، دون أن تفكر في متعتها أو نجاحها أو أحلام لها هي.

وفي هذه المجتمعات تحديدًا، تلام المرأة التي تفضل أن تحقق شيئًا من النجاح حتى لو كان مجرد وظيفة أو مهنة تمارسها، ويشنّ عليها هجوم عنيف من الرجال ومن بقية النساء الملتزمات بالمعايير المجتمعية المترسخة، وتتم مكافأتهن عادة بالاحترام والتبجيل ونفاذ الكلمة، ويتم منحهن سلطة إضافية لإتمام مهامهن في إسكات الأصوات التي يرَينها نشازًا يهدد تماسك المجتمع.

ونجد أن تعريف الأنثى هنا يتلاءم جدًّا مع متطلبات السلطات الحاكمة، فتكون الأنثى الحقيقية برأيهم هي الخاضعة والمطيعة والتي تجيد خدمة زوجها وإمتاعه والرفع من شأنه، دون أن تجرؤ على التفكير في كينونتها أو ذاتها كإنسان مستقل له احتياجاته الخاصة ورغباته وأحلامه، بل تتنازل عنها طواعية.

  • في المجتمعات الحديثة

بدأت المجتمعات الحديثة بالتشكل منذ أن خرجت أوروبا من العصور الوسطى تقريبًا، وتتابعت التحولات والتغيرات في بنية هذه المجتمعات مع الثورة الصناعية، التي احتاجت فيها إلى المرأة كيَدٍ عاملة رخيصة أولًا، ومع سيطرة النظام الرأسمالي واستمرار التحولات احتاج هذا النظام إلى المرأة لتسويق المنتجات وشرائها.

من هنا بدأ تشكيل صورة مختلفة للمرأة الأنثى، لتتوافق مع متطلبات الرأسمالية في إنتاج واستهلاك السلع، التي تؤمن لها مضاعفة ثرواتها من خلال السيطرة على العقول والآراء والأذواق وإذكاء الشعور بالنقص لدى الجميع.

كان لا بد من دفع المرأة إلى سوق العمل عبر دعوات براقة، كالاستقلال والتحرر من التبعية وتحقيق الذات، وهي أهداف رائعة لو لم تكن ملوثة بغايات ومصالح الرأسمالية، التي لا ترى في البشر سوى أدوات لتحقيق ما تريده، وبالتالي لا يجب أن يشعروا بالاكتفاء والاطمئنان لتستمر عجلة الإنتاج والاستهلاك، والمرأة تحديدًا أداة فعالة جدًّا نظرًا إلى سهولة السيطرة عليها من خلال أمور كثيرة، جُلّها تتعلق بالعاطفة والنظرة غير الواثقة إلى النفس والتنافس الأنثوي أيضًا، دون أن يكون هناك اهتمام بمصالح المرأة وحياتها بشكل عام. فلا نجد من يهتم بها كأمّ أو ربة منزل وهي تمارس وظيفتها، بل يترَك لها أن تتدبر شؤونها الأخرى وحيدة، ولا يهم إن بدت مجهدة أو متعبة أو متوترة أو مكتئبة.

تم دفع المرأة إلى سوق العمل إذًا، ولا أريد الخوض في آثار هذا الدفع الإيجابية والسلبية هنا، ولكنها كانت أيضًا أداة استهلاك للسلع، منذ أن بدأت وسائل الإعلام المختلفة تسوِّق للمرأة المثالية حسب مواصفات الرأسمالية، وبدأت رحلات النساء المهولة لمحاولة اللحاق بهذه الصورة المتغيرة بالأساس، تبعًا لنوع السلع المراد تسويقها.

أغلب النساء متورطات في الدفاع عن إحدى أو كلا الصورتين دون وعي منهن لخطورة ما يحاك لهن

فمن الموضات السنوية المكلفة، إلى الإكسسوار، المكياج، الصبغات، المستحضرات، عمليات التجميل، التنحيف، الشد، الشفط، التكميم، إلى أدوات المنزل، الديكورات، الوصفات.. وكلها متغيرة بشكل دوري لضمان تكرار الشراء والاستهلاك، والمرأة الضحية لا تكاد تلتقط أنفاسها جريًا للوصول إلى صورة المرأة المثالية المصنوعة أساسًا في مختبرات التصميم، وتحت مشارط الجراحين.

صورة الأنثى في كلا المجتمعَين ليست مفرحة

بالنظر إلى ما سبق، نجد أن كلا المجتمعَين قد صنع للمرأة قالبًا ليسهل السيطرة عليها، ولتكون أداة طيعة لتحقيق أهدافه، وأغلب النساء متورطات في الدفاع عن إحدى أو كلا الصورتين دون وعي منهن لخطورة ما يحاك لهن، وكمية الاستنزاف الجسدي والنفسي والمالي والروحي لهن بسبب هذا الجري واللهاث لتحقيق المعادلات المفروضة عليهن، والتي من المستحيل أن تحقق السعادة لهن. فمن هي الأنثى إذًا؟

نحتاج لنتعرّف إلى الأنثى إلى الوعي أولًا واكتشاف الخداع والكذب ثانيًا، وأن تدرك المرأة ما يحاك لها وللرجال من قبل المجتمع الذي تتحكم فيه السلطات عبر رجال الدين والتجار والمتنفذين، وبين ما تحيكه النظم الرأسمالية للجميع، ومن ثم الانقلاب على كليهما للعودة إلى الإنسان الحقيقي والسعيد.

على المرأة أن تعي أنها إنسان قبل كل شيء، ولا ينبغي لبشر ولا مجتمع ولا حتى جماعات أن تملي عليها الصورة التي يجب أن تكون عليها، أو الصفات التي يجب أن تتحلى بها إن لم تكن بالفعل راغبة في التمثل بها. وأن تختار طريقها الذي ترسمه لها أحلامها وأهدافها هي، دون أن تسمح للظروف أو الأعباء التي تلقيها عليها الحياة بأن تستنزفها وتشغلها عن نفسها، وأن تتحضر لدفع الثمن، وتقلل من المهام والأعباء الملقاة على عاتقها ما استطاعت، لتجد مساحة لنفسها دون الالتفات لرضا المجتمع، وألا تهمل أبدًا نفسها وصحتها النفسية والجسدية، وأن ترضى وتحب ما هي عليه ولا تلتفت للصور التي ترسَم لها لتتمثل بها، وأن تؤمن أن في كل امرأة أنثى، فيها من الجمال والمتعة والقوة والذكاء والطموح الكثير الذي عليها اكتشافه أولًا، ومن ثم دعمه وتطويره.

وماذا عن الرجل؟

ما زلت أعتقد أن من يحتاج إلى تأهيل ووعي هو الرجل أولًا، لأنه أيضًا الخاسر بجانب المرأة. فقد خسر الشريك القوي الداعم المخلص، وتم استبداله بأنثى لا تجرؤ على التفكير واتخاذ القرارات، فضلًا عن عدم قدرتها على حماية نفسها وتدبر أمرها. أو بأنثى بمعايير أخرى لا تغفل عن جمالها وأناقتها، لكنها بلا روح يرتاح إليها ويحارب معها هموم الحياة.