تنامي عمليات داعش في الموزمبيق

تنامي عمليات داعش في الموزمبيق

يعمل تنظيم "داعش" على توسيع نطاق سيطرته في دول إفريقيا، بعد تراجع نفوذه في منطقة الشرق الأوسط خلال السنوات الأخيرة، فقد وجد في موزمبيق أرض خصبة لذلك، لكن هذا الأمر من شأنه أن يهدد مصالح دول إقليمية ودولية كثيرة، فهل تتحول هذه الدولة الإفريقية إلى مركز عالمي لمحاربة التنظيم؟

تحركات جديدة

يسعى تنظيم الدولة الإسلامية "داعش" لاستثمار ضعف الجيش الموزمبيقي في فرض سيطرته على مواقع أكبر في البلاد، إذ سيطر نهاية شهر مارس/آذار الماضي على مدينة بالما الساحلية شمال البلاد، إثر هجوم تخللته اشتباكات استمرت ثلاثة أيام وأوقعت عشرات القتلى والجرحى.

يُعرف المهاجمون محليًا باسم "الشباب"، وقد انبثقت هذه الجماعة من مجموعة أخرى تسمى "أنصار السنة" سنة 2007، ثم بايعت هذه الجماعة تنظيم الدولة الإسلامية "داعش" عام 2019، لتعمل بعد ذلك تحت لوائه.

السيطرة على مدينة بالما وتنامي هجمات التنظيم في الفترة الأخيرة، يؤكّد أن التهديد المسلح ما زال مستمرًا

تعتبر التوترات الدينية والعرقية، إلى جانب الظروف الاقتصادية الإقليمية السيئة، من أبرز العوامل التي أدّت إلى تنامي أنشطة هذه الجماعة المسلحة في موزمبيق، فالعديد من القادة المحليين وأفراد المجتمع يعتقدون أن المسلحين هم في الأساس "شباب ساخط تدفعه عوامل سياسية واقتصادية واجتماعية معقدة بما في ذلك مشاعر التهميش والخلافات مع السلطات الدينية في كابو ديلجادو"، وفقًا لأحدث تقرير لوزارة الخارجية الأمريكية عن الحرية الدينية الدولية.

لكن هذه الحركة على عكس باقي الحركات المسلحة لم تكن صريحة بشكل كافٍ بشأن أهداف تمردها، لكنها عبرت عن رغبتها في تقويض وإهانة السلطة العسكرية والسياسية لحكومة موزمبيق واكتساب الدعم المحلي ومحاربة المصالح الأجنبية في كابو ديلجادو.

توسع أعمال "الشباب"

في 2017، نمت أعمال حركة الشباب لتصبح تمردًا راسخًا، حتى إنها سيطرت علنًا على بعض الأماكن خاصة في كابو ديلجادو، حيث نفذت عمليات متقطعة صغيرة النطاق، ما يقدر بنحو 120 حادثةً أودت بحياة 38 شخصًا بين يناير/كانون الثاني ونوفمبر/تشرين الثاني 2018.

عام 2019، كثفت حركة الشباب نطاق عملياتها، إذ نفذت أكثر من 150 هجومًا أسفر عن مقتل أكثر من 450 شخصًا خلال نفس الفترة، وأشارت تقارير عديدة إلى أن حركة الشباب كانت تنظم تدريبات وعمليات مع قوات الحلفاء الديمقراطية، وهي جماعة مسلحة تقود تمردًا منذ عقود في شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية وأوغندا.

في ذلك الوقت، ظهرت مؤشرات واضحة على انتماء حركة الشباب إلى "داعش"، وفي أبريل/نيسان 2019، أعلن تنظيم الدولة الإسلامية تشكيل ولاية وسط إفريقيا التابعة للدولة الإسلامية بعد إعلان مسؤوليته عن هجوم شنه مقاتلو تحالف القوى الديمقراطية في جمهورية الكونغو الديمقراطية.

بعد فترة وجيزة، في يونيو/حزيران 2019، أعلن تنظيم الدولة الإسلامية مسؤوليته عن هجوم نفذته حركة الشباب في موزمبيق، وبالتالي دمج حركة الشباب رسميًا في تنظيم الدولة الإسلامية "داعش".

منذ اندماجها في "داعش"، كثفت حركة الشباب عملياتها بشكل كبير وبدأت في الاستيلاء على الأراضي والسيطرة عليها، خاصة في المنطقة الساحلية، إذ استولى تنظيم الشباب على جزء كبير منها بما في ذلك ميناء موكيمبوا دا برايا، ذو الأهمية البالغة لإيصال المواد اللازمة إلى المنشآت الغازية، كما أصبحت هجماتها متكررة، فبين يناير/كانون الثاني ونوفمبر/تشرين الثاني 2020، كانت الجماعة مسؤولة عن أكثر من 400 حادث عنف خلف أكثر من 1300 قتيل.

تهديد مصالح الدول الكبرى

السيطرة على مدينة بالما وتنامي هجمات التنظيم في الفترة الأخيرة، يؤكّد أن التهديد المسلح ما زال مستمرًا، ويبدو أنه يزداد خطورةً كل أسبوع، ما يعني أن مصالح الدول الكبرى مهدّدة، خاصة أن بالما تعتبر عاصمة الغاز في موزمبيق.

السيطرة على هذه المدينة، حتى إن قالت الحكومة إنها تعمل على محاولة إخراج التنظيم منها، يعتبر أكبر تهديد لمصالح كبرى الشركات العالمية للطاقة، سواء الأمريكية منها أم الفرنسية أم الإيطالية أم الصينية وحتى اليابانية، التي استثمرت مجتمعة نحو 60 مليار دولار.

وتقع المدينة الساحلية الصغيرة على بعد نحو 10 كيلومترات من مشروع غاز ضخم تديره مجموعة "توتال"، يتوقع أن يبدأ الإنتاج فيه خلال عام 2024، لكن الهجمات المسلحة تهدّد خطط الاستفادة من مكامن الغاز الطبيعي الضخمة التي عثر عليها قبالة الساحل الشمالي قبل عقد من الزمان.

كافحت موزمبيق لاحتواء هذا العنف، لكن ضعف الجيش دفع الحكومة لاستئجار مرتزقة فاغنر من روسيا وأيضًا الاستعانة بشركة أمنية من جنوب إفريقيا

تتوقع الحكومة الموزمبيقية الحصول على 96 مليار دولار على مدار ربع القرن المقبل من ثلاثة مصانع للغاز الطبيعي المسال من شأنها أن تحول البلاد إلى مصدر رئيسي، لكن نسق الاستثمارات ضعيف، حتى إن شركة توتال علّقت العمل في مشروعها وأجلت الموظفين مرتين هذا العام بسبب مخاوف أمنية وليس واضح متى يستأنف البناء.

في شهر مارس/آذار الماضي، أجلت إكسون الموافقة الرسمية على مشروع روفوما المخطط له وتبلغ تكلفته 30 مليار دولار للعام الثالث على التوالي ولا تتوقع الحكومة قرارًا نهائيًا قبل نهاية عام 2022.

وسبق أن حذرت وكالة فيتش للتصنيف الائتماني من أن غاز موزمبيق والبنية التحتية اللازمة لتصديره يمكن أن تصبح أصولًا عالقة ما لم تعالج بسرعة مشكلاتها الأمنية، في ظل تواصل انتشار تنظيم الشباب المسلح.

مركز عالمي لمكافحة داعش

كافحت موزمبيق لاحتواء هذا العنف، لكن ضعف الجيش دفع الحكومة لاستئجار مرتزقة فاغنر من روسيا وأيضًا الاستعانة بشركة أمنية من جنوب إفريقيا تدعى "دايك ادفايزوري غروب" لقمع الهجمات، لكن المرتزقة أيضًا لم يتمكنوا من إيقاف هجمات المسلحين المتحصنين بالأدغال والغابات الاستوائية الكثيفة.

هذا الأمر يؤكّد إمكانية حدوث تدخل أجنبي في البلاد، خاصة أن الرئيس فيليب نيوسي خفف درجة رفضه لهذا الأمر، فقد أقر أخيرًا بالحاجة إلى مساعدة دولية لمواجهة الهجمات المتصاعدة في بلاده بشرط أن تتفق الحكومات الأجنبية على أن قواتها ستلعب دورًا داعمًا فقط.

ويصنّف الجيش الموزمبيقي في المرتبة الـ117 عالميًا، بحسب موقع "غلوبل فاير باور" الأمريكي، إذ لا يتجاوز تعداده 11 ألفًا و200 عنصر، وتفتقر قواته إلى العتاد المتطور، وهو ما جعله عاجزًا أمام هجمات المسلحين المتحصنين بالأدغال.

 

مؤخرًا أرسلت الولايات المتحدة قوات خاصة قليلة العدد لتدريب عناصر الجيش الموزمبيقي على مكافحة الإرهاب، فيما أعلنت البرتغال، المستعمر السابق لموزمبيق، إرسال 60 جنديًا إلى البلاد خلال الأسابيع المقبلة.

أما جنوب إفريقيا المجاورة فأرسلت بدورها جنودًا إلى موزمبيق لإجلاء مواطنيها العالقين، وتشير بعض التقارير الإعلامية إلى إمكانية تشكيل بريتوريا تحالفًا عسكريًا من دول "مجموعة التنمية لإفريقيا الجنوبية"، التي تضم 15 دولة في جنوب القارة السمراء، لمواجهة تنظيم" داعش" في موزمبيق.

أغلب الدول تخشى من تحول موزمبيق إلى مركز عالمي لمحاربة تنظيم "داعش" في جنوب شرق القارة الإفريقية، خوفًا على مصالحها هناك في ظل تنامي هجمات التنظيم التي تستهدف الشركات الأجنبية بصفة خاصة.