تشهد العلاقات التركية الليبية تسارعًا ملموسًا نحو مزيد من التعاون والشراكة، نظرًا إلى الاتفاقيات التي أُبرمت خلال الاجتماع الأول لمجلس التعاون الاستراتيجي رفيع المستوى، الذي أنشئ باتفاق بين البلدين عام 2014، والذي استضافته أنقرة الإثنين 12 أبريل/ نيسان الجاري. كما أكد البلدان على استمرار العمل باتفاقيتَي التعاون الأمني وترسيم الحدود البحرية، والتي جرى توقيعهما أواخر عام 2019 مع حكومة الوفاق السابقة.

ويزور عبد الحميد الدبيبة أنقرة لأول مرة بعد ترأسه لحكومة الوحدة الوطنية الليبية الجديدة في مارس/ آذار الماضي، رفقة وفد وزاري كبير ضم 14 وزيرًا. وخلال الاجتماع، جرى التوقيع على العديد من اتفاقيات التعاون في مجالات مختلفة، شملت ملفات الطاقة والصحة والاقتصاد والبنى التحتية والإعلام، بالإضافة إلى مناقشة رجوع الشركات التركية لاستكمال تنفيذ مشاريعها المتوقفة في ليبيا. 

وتزامنًا مع هذه الزيارة، زار وزير الخارجية اليوناني نيكوس ديندياس ليبيا، للقاء رئيس مجلس النواب عقيلة صالح، ولتدشين عمل القنصلية اليونانية في مدينة بنغازي. كما وجهت أثينا دعوة لرئيس المجلس الرئاسي الليبي محمد المنفي، لزيارة أثينا في الأيام القليلة المقبلة، وذلك من أجل مناقشة إعادة ترسيم الحدود البحرية بين البلدين.

دعم سياسي تركي للمرحلة الانتقالية 

دائمًا ما دعمت تركيا الجهود المبذولة من أجل الحفاظ على سيادة واستقلال ليبيا، وسلامة أراضيها ووحدة كيانها السياسي. وشدد أردوغان مرارًا على أن أنقرة مستمرة في تقديم كافة أشكال الدعم للحفاظ على المرحلة الانتقالية والحياة السياسية في ليبيا، بالإضافة إلى دعم دور الحكومة الليبية الحالية في قيادة البلاد نحو الانتخابات في نهاية العام الجاري، حيث دعا أردوغان المجتمع الدولي إلى تقديم "دعم صادق" لليبيا لإجراء الانتخابات في موعدها المقرر. 

وتؤكد أنقرة وقوفها إلى جانب الحكومة الوطنية الجديدة بقيادة عبد الحميد الدبيبة، بالطريقة نفسها التي وقفتها مع حكومة الوفاق الوطنية، حيث ساندت تركيا آنذاك حكومة الوفاق الليبية، المعترف بها دوليًّا، بموجب اتفاق التعاون العسكري المبرم بين أنقرة وطرابلس في ديسمبر/ كانون الأول 2019، في مواجهة ميليشيا الجنرال حفتر، وحالت دون سقوط طرابلس ومنع ارتكاب مجازر جديدة، الأمر الذي ساهم في تغيير كفّة الصراع العسكري ودفع نحو البحث عن حل سلمي للأزمة في البلاد.

وخلال مؤتمر صحفي مشترك، قال أردوغان إن "الذين وقفوا إلى جانب الانقلاب والانقلابيين في ليبيا عوضًا عن الحق والعدالة والشرعية شركاءٌ في المجازر"، مشددًا على أن الدعم العسكري التركي لليبيا "حالَ دون سقوط طرابلس ومنع ارتكاب مجازر جديدة وضمن وقف إطلاق النار"، مؤكدًا على أن هدف بلاده الرئيسي "يتمثل بالحفاظ على سيادة ليبيا ووحدتها السياسية وسلامة أراضيها ورفاه شعبها".

أكد الطرفان على ضرورة احترام الاتفاقيات التي وقّعت بين البلدين في أوقات سابقة، وبالأخص اتفاقية ترسيم الحدود البحرية التي اتُّفق عليها مع حكومة الوفاق الوطني

وأضاف أردوغان أن "أولويتنا من الآن فصاعدًا هي أن تعم صلاحية وسيادة حكومة الوحدة الوطنية في ليبيا سائر أنحاء البلاد"، وشدد على أن تركيا تكنّ المحبة لليبيا كلها من شرقها إلى غربها ومن شمالها إلى جنوبها. ولفت الرئيس أردوغان إلى وجود علاقات متينة ومتجذرة تمتد لأكثر من 500 عام تربط بين البلدين، حيث قال: "بصفتنا شعبين صديقين وشقيقين تربطهما أواصر القربى، اشتركنا في وحدة مصير على مدار قرون من أجل وجودنا.. وخضنا كفاحًا ضد من استهدفوا سيادتنا كجسد واحد". 

من جهته، توجه الدبيبة بالشكر لتركيا على دعمها وقف إطلاق النار الدائم في ليبيا، مؤكدًا على أن بلاده ترغب "في الوصول بعلاقاتها مع الأشقاء الأتراك إلى مستوى نموذجي". وأضاف أن "ليبيا ستستضيف العديد من المشاريع الإعمارية ونرغب في تنفيذها من قبل الشركات التركية، كما نرغب بتعزيز التعاون في مجال الطاقة". 

مخرجات الاجتماع 

وسط مراسم رسمية شهدتها العاصمة التركية أنقرة، استقبل الرئيس التركي رجب طيب أردوغان رئيس حكومة الوحدة الوطنية الليبية الجديدة عبد الحميد الدبيبة والوفد المرافق له، يوم الاثنين 12 أبريل/ نيسان الجاري. وتأتي هذه الزيارة للمشاركة في الاجتماع الأول لمجلس التعاون الاستراتيجي رفيع المستوى الذي أنشئ باتفاق بين البلدين عام 2014، والذي يهدف إلى تعزيز التعاون الاستراتيجي بين البلدين. 

وأكد الطرفان على ضرورة احترام الاتفاقيات التي وقّعت بين البلدين في أوقات سابقة، وبالأخص اتفاقية ترسيم الحدود البحرية التي اتُّفق عليها مع حكومة الوفاق الوطني برئاسة فايز السراج في نوفمبر/ تشرين ثاني 2019، والحفاظ على مكتسباتها بالشكل الذي يعزز المصالح الجيواقتصادية والجيوسياسية لكلا الطرفين، بالإضافة إلى اتفاقية التعاون العسكري، والتي أرسلت أنقرة بموجبها مستشارين ومدربين عسكريين إلى طرابلس، حالت دون سقوط العاصمة بيد قوات الجنرال حفتر، وحافظت على حكومة الوفاق المعترف بها دوليًّا. 

وقبيل انطلاق الاجتماع بين أردوغان والدبيبة، عقدت سلسلة لقاءات بشكل منفصل بين الوزراء الليبيين ونظرائهم الأتراك من وزارات الخارجية والداخلية والصناعة والتكنولوجيا والطاقة والتجارة، جرى خلالها تحضير الاتفاقيات المشتركة التي سيجري التوقيع عليها عقب اجتماع مجلس التعاون الاستراتيجي الأول بين البلدين، كما جرى بحث طرق وآليات رجوع الشركات التركية لاستكمال تنفيذ مشاريعها المتوقفة في ليبيا منذ بداية الأزمة، والتي تقدر بمليارات الدولارات. 

وعقب الاجتماع وقع كل من أردوغان والدبيبة على البيان المشترك للاجتماع الأول لمجلس التعاون الاستراتيجي رفيع المستوى، فيما أسفرت المباحثات بين الطرفين عن توقيع اتفاقيات وبروتوكولات تخص إنشاء 3 محطات كهربائية في ليبيا، وبناء محطة ركاب جديدة في مطار طرابلس الدولي، وبناء مركز تسوق في العاصمة الليبية طرابلس، بالإضافة إلى اتفاقية التعاون الاستراتيجي في مجال الإعلام. وأعلن أردوغان عن تسليم تركيا 150 ألف لقاح لفيروس كورونا إلى ليبيا ابتداءً من 13 أبريل/ نيسان الجاري.

أثار ترحيب أنقرة قلق اليونان واستدعاها لتكثيف الاتصالات مع الحكومة الجديد، والمسارعة في تفعيل كل من سفارتها في طرابلس وقنصليتها في بنغازي

وتهدف تركيا من خلال اتفاقية التعاون الاستراتيجي في مجال الإعلام إنشاءَ منصة إعلامية مشتركة، ترمي إلى المساهمة في تعزيز العلاقات الإعلامية وتقوية علاقات الصداقة القائمة بين البلدين، إدراكًا منهما لأهمية الدور الذي يلعبه الإعلام في هذا المجال. وستهدف المنصة إنشاء جسر للتواصل بين قادة الرأي في البلدين وتنظيم برامج للتبادل والتدريب المهني. كما سيتم تأسيس شراكات مع ممثلين إعلاميين وقطاعات مختلفة، وتنفيذ أعمال تلفزيونية وسينمائية مشتركة، ومكافحة التضليل الإعلامي على الساحة الدولية، وإجراء أعمال مشتركة مع المؤسسات الإعلامية الرسمية في البلدين.

توتر يوناني

بالتزامن مع زيارة دبيبة لأنقرة، وجهت اليونان دعوة رسمية لرئيس المجلس الرئاسي الليبي محمد المنفي، من أجل زيارة أثينا، بحسب ما كشفت عنه المتحدثة باسم المجلس الرئاسي الليبي نجوى وهيبة، وأكدت أن "الزيارة التي ستتم خلال هذا الأسبوع، تشمل لقاءات مع عدد من المسؤولين لبحث العلاقات الثنائية بين البلدين". 

فبعد نجاح ملتقى الحوار السياسي الذي رعته الأمم المتحدة في 5 فبراير/ شباط، فازت القائمة الثالثة، والتي تضم عبد الحميد الدبيبة، رجل الأعمال الذي تربطه مصالح مع أنقرة منذ عهد النظام السابق، وسفير حكومة الوفاق سابقًا لدى اليونان محمد يونس المنفي؛ جاء بيان الخارجية التركية عقب الانتخابات مباشرة، مرحبًا بفوز قائمة الدبيبة. الأمر الذي أثار قلق اليونان واستدعاها لتكثيف الاتصالات مع الحكومة الجديدة، والمسارعة في تفعيل كل من سفارتها في طرابلس وقنصليتها في بنغازي. 

وأثناء تواجد الدبيبة في أنقرة، زار وزير الخارجية اليوناني نيكوس ديندياس ليبيا للقاء رئيس مجلس النواب عقيلة صالح، في محاولة ربما لإثارة نواب طبرق ضد التقارب الليبي التركي الذي يقوده الدبيبة. وسبق ذلك بأسبوعين زيارة رئيس الوزراء اليوناني كيرياكوس ميتسوتاكيس إلى طرابلس، من أجل الدفع بعودة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين إلى سابق عهدها بعد سنوات من التوتر، كما دعا المسؤولين الليبيين إلى إلغاء اتفاقية ترسيم الحدود البحرية مع تركيا، والتي أغضبت أثينا والاتحاد الأوروبي باعتبارها غير قانونية، والإسراع بتشكيل لجنة فنية من أجل مناقشة قضية ترسيم الحدود البحرية بين ليبيا وتركيا.

في المقابل، شدد رئيس الحكومة الجديدة عبد الحميد الدبيبة، على أهمية حماية حقوق اليونان وتركيا، حيث أكد على أنهم مستعدون لتأسيس لجنة مشتركة مع اليونان لبدء محادثات حول ترسيم حدود الاختصاصات البحرية والمنطقة الاقتصادية الخالصة، بالطريقة نفسها التي قادتهم إلى توقيع الاتفاقية البحرية مع تركيا بخصوص المنطقة الاقتصادية.

ختامًا، تحترم الحكومة الوطنية الجديدة الاتفاق البحري الموقّع مع الجانب التركي، وتلتزم به، كما أنها على استعداد لتوقيع اتفاق مماثل مع اليونان. حيث تدرك القيادة الجديدة الدور المحوري الذي تلعبه ليبيا في أزمة شرق المتوسط في ظل مساعي الطرفين التركي واليوناني لتدشين علاقات وطيدة معها من أجل تعزيز مصالح كل منهما في شرق المتوسط، لذلك تجري الحكومة الليبية مشاورات مع كل الأطراف من أجل تحديد موقفها في هذا النزاع، وفق رؤى تخدم مصالح ليبيا وتحافظ على حقوقها المائية.