تواصل حراك الجزائر

تواصل حراك الجزائر

تشهد الجزائر في الفترة الأخيرة إضرابات متتالية في قطاعات مختلفة، للمطالبة بتحسين ظروفهم الاجتماعية، ما جعل الحكومة تقف عاجزة في ظل تواصل تدهور الاقتصاد الوطني، وعجزها عن الاستجابة لأغلب المطالب الاجتماعية للمحتجين.

إضرابات متتالية

موجة الإضرابات شملت موظفي البريد في عموم البلاد، نتيجة ما وصفوه بـ"تأخر الحكومة في الوفاء بوعودها بشأن صرف منح وعلاوات تحفيزية للعمال والموظفين"، ما تسبب في شل كل الخدمات المقدمة على مستوى تلك المرافق العمومية.

ويشتكي عمال البريد بالإضافة إلى عدم تلقي المنح وعلاوات ظلت عالقة منذ سنوات دون تسويتها، من مشاكل مهنية أخرى قالوا إنها دفعتهم إلى تنظيم هذه الحركة الاحتجاجية، خاصة الأعوان الذين يعملون على مستوى الشبابيك.

إلى جانب ذلك، شملت الإضرابات قطاع التعليم، فقد شنّ معلمو مدارس الجزائر إضرابًا عن العمل، احتجاجًا على مماطلة وزارة التربية في الاستجابة لمطالب رفعها المجلس الوطني المستقل للأساتذة والمعلمين "نقابة" قبل أشهر، وأبرزها رفع الأجور لتحسين القدرة الشرائية للعاملين.

وطرحت "الكناباست" لائحة مطالب تضم رفع الأجور لمواجهة الارتفاع الكبير في الأسعار، وإتاحة مناصب مالية جديدة لتوظيف خريجي المدارس العليا للأساتذة بهدف رفع العبء الحالي عن المعلمين، ومناقشة حصص سكن المعلمين باعتبارها وسيلة ضرورية تضمن استقرارهم.

كما تضم المطالب المرفوعة إلى الحكومة مراجعة نظام الخدمات الاجتماعية وطب العمل، فضلًا عن منحة تعويض المنطقة ومراجعة نظام التقاعد واعتبار التعليم من المهن الشاقة، والسماح للمعلمين بالاستفادة من التقاعد النسبي دون إكمال معدل 32 سنة عمل التي يفرضها قانون العمل في الجزائر.

تواجه الطبقة المتوسطة في الجزائر صعوبات كبيرة، اشتدت حدتها خلال الآونة الأخيرة في ظل تواصل الإجراءات التقشفية التي اتبعتها الحكومة

من المنتظر أن تشن النقابة الوطنية للأسلاك المشتركة في قطاع التربية والتعليم، إضرابًا وطنيًّا يومَي 25 و26 من أبريل/ نيسان الحالي، على أن يرافقه تنظيم وقفات احتجاجية أمام مقارّ مندوبيات التربية في كل الولايات، بعد استنفاد كل الطرق القانونية المشروعة في مفاوضة الوزارة بشأن مطالب رفع الأجور للعمال المهنيين وأعوان الوقاية والمنح والعلاوات الخاصة وترسيم العمال المتعاقدين، وفق قول النقابة.

قبل ذلك، شنت نقابات قطاع الصحة إضرابًا عن العمل، احتجاجًا على تأخر صرف الحكومة لمنحة خاصة قررها الرئيس عبد المجيد تبون، لصالح الأطباء والممرضين وعمال الصحة تثمينًا لجهودهم في مواجهة كورونا، كما يرفع عمال الصحة مطالب تتعلق بوضعياتهم الاجتماعية والاقتصادية والمهنية منذ فترة طويلة.

فضلًا عن ذلك، أعلن أعوان وإطارات المديرية العامة للجمارك الجزائرية، دخولهم في إضراب وطني يومَي 18 و19 من أبريل/ نيسان الحالي، ليتم بموجبه شل الحدود والموانئ والمطارات ومصالح الإدارة.

حراك متواصل

بالتزامن مع ذلك، يواصل الجزائريون الخروج إلى الشوارع ضمن فعاليات الحراك المتواصلة منذ 112 أسبوعًا، فقد رفع المشاركون في مسيرات العاصمة شعارات تنادي بالتغيير الجذري والديمقراطي وإرساء دعائم دولة القانون.

كما دعوا إلى الوحدة بين نشطاء الحراك، بعد تأكيد المجلس الأعلى للأمن قبل يومين أنه لن يتسامح مع ما سُجل من أعمال تحريضية وانحرافات وصفها بالخطيرة من "أوساط انفصالية وحركات غير شرعية ذات مرجعية قريبة من الإرهاب تستغل المسيرات الأسبوعية"، وفق قوله.

 

جدد المتظاهرون مطالبتهم بقضاء مستقل والإفراج عن سجناء الرأي، وانتقدوا القمع وتجريم التجمعات، إذ يقبع 60 شخصًا مرتبطًا بالحراك اليوم خلف القضبان، بينهم 30 احتجزوا منذ أسبوع، وفق اللجنة الوطنية للإفراج عن المعتقلين.

تدهور الوضع الاجتماعي

تؤكد هذه الإضرابات المتتالية وتواصل الحراك الشعبي تدهور الوضعية المعيشية والاجتماعية في البلاد، وتعقد الأوضاع أكثر مع تواصل الإغلاق جراء تفشي وباء كورونا، الذي زاد من هموم الطبقة الهشة، إذ عرفت جيوب الجزائريين خلال السنة الحالية تآكلًا، نتيجة ارتفاع الضرائب وأسعار الطاقة وأسعار مختلف المواد الاستهلاكية والغذائية، فحتى الموظفين لم يعد بمقدورهم مجابهة الغلاء.

وتواجه الطبقة المتوسطة في الجزائر صعوبات كبيرة، اشتدت حدتها خلال الآونة الأخيرة في ظل تواصل الإجراءات التقشفية التي اتبعتها الحكومة لمواجهة تراجع عائدات تصدير النفط، فضلًا عن تداعيات وباء كورونا.

في ظل هذا الوضع المتردي، على الحكومة الجزائرية الانطلاق في عملية إصلاح جذرية ومعمقة لاقتصادها

إلى جانب ذلك، يتوقع أن ترتفع نسبة البطالة في الجزائر، فالعديد من المؤسسات أغلقت أبوابها، وتعود آخر الأرقام المتعلقة بارتفاع البطالة إلى نهاية 2019، فقد بلغت نسبتها 12.5%، ما يعادل 2.5 مليون شخص، وفق الديوان الجزائري للإحصاءات.

ووفق إحصاءات رسمية صادرة في منتصف مارس/ آذار الماضي، فقدَ 51 ألف شخص وظائفهم خلال السنة الماضية، نتيجة إغلاق كثير من المصانع أبوابها، ضمن القيود التي فرضتها جائحة كورونا، وقيود حكومية على بعض القطاعات.

عجز الحكومة

في مقابل ذلك، تجد الحكومة نفسها عاجزة عن الاستجابة لمطالب المحتجين في ظل تردي الوضع الاقتصادي للبلاد، نتيجة تواصل حالة الإغلاق لمجابهة فيروس كورونا، وأيضًا تراجع أسعار النفط في الأسواق العالمية.

نتيجة الصدمات النفطية المتعاقبة منذ سنة 2014، تراجعت إيرادات الجزائر من النقد الأجنبي من 60 مليار دولار إلى 33 مليار دولار في 2019، ونحو 23 مليار دولار نهاية العام الماضي، ويعاني اقتصاد الجزائر من تبعية مفرطة للمحروقات، إذ تمثل عائدات النفط والغاز 93% من إيرادات البلاد من النقد الأجنبي.

ويشكل النفط أهم الصادرات الجزائرية نحو الخارج، إذ يمثل 92.4% من قيمة الصادرات بقيمة 23 مليار دولار، فيما بلغت الصادرات غير النفطية في الجزائر عام 2020 نحو 2.26 مليار دولار، ما يعني أن الاقتصاد الجزائري مرتهن للنفط.

يعاني النسيج الصناعي الجزائري وقطاع الخدمات وقطاع الفلاحة من ضعف كبير، نظرًا إلى تهميش الدولة لها لسنوات وعدم الالتفات لهذه القطاعات، ما زاد من تدهور الاقتصاد الوطني في هذه الظرفية الصعبة التي تمر بها البلاد.

إلى جانب ذلك، تعاني الجزائر من الفساد والعراقيل الإدارية، والموارد المالية المتراجعة التي تكبل حركتها، وعادة ما تلجأ الجزائر إلى عائدات النفط واحتياطي النقد الأجنبي لشراء السلم الاجتماعي، لكن هذا غير متوافر الآن.

في ظل هذا الوضع المتردي، على الحكومة الجزائرية الانطلاق في عملية إصلاح جذرية ومعمقة لاقتصادها، وإيجاد وتنمية قطاعات غير نفطية في البلاد على غرار الفلاحة والسياحة، للخروج باقتصادها من تبعية مفرطة للنفط والغاز الطبيعي، وتحسين مناخ الأعمال وتبسيط القوانين وإزالة العراقيل البيروقراطية ومراجعة النظام الجبائي، فضلًا عن تحديث النظام البنكي.