على الرغم من مجمل مشاريع التهويد التي نفذتها أذرع الاحتلال منذ احتلال القدس قبل أكثر من 50 عامًا، بقي المسجد الأقصى المبارك متصدرًا مشهدية المدينة المحتلة الثقافية والعمرانية والحضارية، ومثلت هذه المشهدية عقبة أمام الاحتلال، الذي يسعى بشكلٍ محموم إلى تغيير طبيعة هذه المنطقة عبر بناء العديد من الكنس اليهودية والمشاريع التهويدية.

وفي سياق محاولات الاحتلال استحداث هوية يهودية جديدة تحاول ضرب تجذر المسجد الأقصى بصريًّا وحضاريًّا، صعّدت سلطات الاحتلال وأذرعه المختلفة استهداف المنطقة المحيطة بالمسجد الأقصى، ولا يقف هذا الاستهداف عند الحفريات أسفل المسجد وفي محيطه فقط، بل نفذت سلطات الاحتلال في السنوات الماضية العديد من المشروعات التهويدية، التي تقوم عليها مؤسسات الاحتلال الرسمية وغير الرسمية، وتسعى إلى استحداث "هوية يهودية" يريدها الاحتلال أن تكون الصبغة المهيمنة على القدس "عاصمته" المأمولة. 

أهداف الاحتلال من تهويد محيط الأقصى

تهدف هذه الأبنية والمشاريع بشكل رئيسي إلى تسهيل وصول أكبر أعداد من المستوطنين إلى محيط المسجد ومن ثم إليه، وما ينبني على هذه الخطوة من إدارة عمليات اقتحام الأقصى، وجعل محيط المسجد يعج بأعداد من المستوطنين، الذين يقدمون لأهدافٍ سياحية ودينية.

وفي ما يأتي أبرز الأهداف الكامنة خلف تصاعد تنفيذ هذه المشاريع:

- اختلاق تاريخ ورواية وفق ادعاءات اليهود، إذ يزعم الاحتلال أن العديد من الكنس التي أقامها في محيط المسجد الأقصى تعود إلى حقب تاريخية قديمة، مدعيًا وجودًا يهوديًّا ضاربًا في القدم في المدينة المحتلة.

- توفير أماكن لعبادة اليهود، في نقاط قريبة جدًّا من المسجد الأقصى، فالعديد من المباني التهويدية تضم مرافق وقاعات وكُنُسًا، على غرار مشروع "بيت شتراوس"، ومشروع "كيدم يروشلايم".

- تشويه المظهر العربي والإسلامي لمدينة القدس المحتلة، وهو مظهر يسعى الاحتلال إلى تغييره عبر استحداث المباني الضخمة، خاصة في ساحة حائط البراق وفي البلدة القديمة.

- تدمير المعالم والآثار الإسلامية، إذ تُشير المصادر المقدسية إلى أن الاحتلال خلال قيامه بأعمال الحفر وتجهيز أساسات هذه المشاريع، يدمر طبقات الآثار التي يجدها، والتي تعود بمجملها إلى الحقب العربية والإسلامية المتتالية.

- رفع أعداد المستوطنين في البلدة القديمة، عبر توفير البنية التحتية الداعمة لهم، إذ توفر هذه المراكز حزامًا استيطانيًّا يسهم في رفع أعداد المستوطنين.

أبرز المشاريع التهويدية حول المسجد الأقصى

مشروع "كيدم يروشلايم"

تبلغ مساحة المشروع نحو 15600 متر مربع، ويضم سبع طبقات متعددة الاستخدام، ويعدّ مشروع "المعبد التوراتي-مركز كيدم" من أضخم المشاريع التهويدية وأخطرها التي تقام قبالة الأقصى، على بعد 20 مترًا من السور التاريخي الجنوبي للبلدة القديمة، ونحو 100 متر من المسجد الأقصى. ويقام على أراضٍ مصادَرة من بلدة سلوان، وتشرف على المشروع جمعية "إلعاد" الاستيطانية. يعد المشروع مركزًا لاستقبال الوافدين والزائرين الإسرائيليين والأجانب القادمين إلى منطقة الأقصى ومحيطه، والقدس القديمة وسلوان؛ في سياق تحويله إلى نقطة تجميعٍ أولى، وانطلاقًا منه يتم توزيع الوافدين من سياح ومستوطنين على مختلف المراكز التهويدية، وبحسب مصادر الاحتلال تطمح أذرع الاحتلال إلى استقبال 10 ملايين سائح في المركز سنويًّا. ويضم كما ذكرنا مشروع "كيدم" طبقات متعددة الاستخدام، من بينها طبقة لعرض الآثار بحسب رواية الاحتلال، وقسم للخدمات السياحية يتضمن استعلامات وصفوفًا تعليمية.

مشروع "بيت شتراوس"

يبعد 50 مترًا عن سور الأقصى الغربي، ويشمل بناء مدرسة دينية، وكنيسًا يهوديًّا، ومركزًا متقدمًا لعمليات الشرطة، وقاعة لشرح المزاعم والروايات التلمودية، وقاعة استقبال كبيرة، وعشرات الحمّامات العامة، وغرف تشغيل وصيانة. وتتصل طبقاته بالحفريات أسفل حائط البراق. أشرف على تنفيذه "صندوق إرث المبكى"، وهو مؤسسة حكومية تابعة مباشرة لمكتب رئيس حكومة الاحتلال.

وبحسب معطيات مقدسية، أدى هذا المبنى إلى تدمير الآثار الإسلامية الموجودة في المكان، إذ حفرت سلطات الاحتلال بعمق 15-20 مترًا تحت الأرض لنصب 16 عمودًا أسمنتيًّا ضخمًا. وكانت المنطقة تحتوي على عشرات الأبنية والعقارات التاريخية والوقفيات من حقب إسلامية متعاقبة، منذ الحقبة الأموية حتى الحقبة العثمانية، وأبرز معالمها من الحقبة المملوكية.

مشروع "بيت هليبا" (بيت الجوهر)

بدأت أعمال حفر أساسات المشروع في بداية عام 2018، ويقع في أقصى الجهة الغربية لساحة البراق على بعد نحو 100 متر من حائط البراق، ويتكوّن من ثلاث طبقات على مساحة 1840 مترًا مربعًا. وستضمّ طبقات المشروع غرفًا إدارية، ومركزًا تعليميًّا، وصالة عرض، وقاعة الزوار، وقاعة احتفالات، ومكتبة، وغرفًا للمرشدين، وسيقام على سطحه طبقة مفتوحة وشرفة زجاجية تطلان مباشرة على حائط البراق والمسجد الأقصى والبلدة القديمة. وستعرض في الطبقة التي ستبنى تحت الأرض "بقايا الموجودات الأثرية" التي عُثر عليها أثناء الحفر، ويزعم الاحتلال أنها تعود إلى حقبتَي "المعبدَين الأول والثاني".

الكنس اليهودية

أقامت سلطات الاحتلال في محيط المسجد الأقصى وفي البلدة القديمة، أكثر من 100 كنيس يهودي، بعضها صغير وبعضها الآخر ضخم، يضم العديد من الطبقات متعددة الاستخدامات. أبرزها:

- كنيس "خيمة إسحق": يبعد 50 مترًا عن الأقصى.

- كنيس "جوهرة إسرائيل": يبعد نحو 200 متر عن الأقصى.

- كنيس "الخراب": يبلغ ارتفاعه نحو 27 مترًا، ويقع في البلدة القديمة غرب الأقصى.

مشروع القطار الخفيف (التلفريك)

يهدف إلى رفع أعداد المستوطنين القادمين إلى المدينة المحتلة، واقتحام المسجد الأقصى، ورصدت له سلطات الاحتلال ميزانيات ضخمة. عند الانتهاء من بناء "التلفريك" سيكون قادرًا على نقل 3000 شخص في الساعة، باستخدام 72 عربة تتسع كل واحدة منها لعشرة أشخاص، وسيكلف المشروع الذي سيبدأ العمل به عام 2021 نحو 200 مليون شيكل (55.2 مليون دولار). وتؤكد صحيفة هآرتس أن الهدف من المشروع هو تعميق السيطرة الإسرائيلية على محيط البلدة القديمة، وتعزيز مشاريع جمعية "إلعاد" الاستيطانية. وفي تقرير لـ"عمق شبيه"، ترى المنظمة أنّ "التلفريك مدفوع بالمصالح السياسية في أهم موقع في القدس... وهدفه سياسي يتمثل بتعزيز قبضة إسرائيل على القدس الشرقية".

ونتيجة الاعتراضات الكثيرة على المشروع، لم تبت محاكم الاحتلال به نهائيًّا، فعلى أثر عدد من الجلسات في محاكم الاحتلال، أصدرت محكمة الاحتلال العليا قرارها في 22 فبراير/ شباط 2021، وقد منحت المسؤولين الإسرائيليين مهلة حتى 22 نيسان/ أبريل 2021، للمزيد من الشرح حول عدد من القضايا المتعلقة بمشروع "التلفريك"، ووقف جميع الأعمال في المشروع حتى تاريخ الجلسة.

مشروع القطار السريع

لا يعد مشروع القطار السريع حديثًا، ولكنّ مخططًا لتمديد مسار من مساراته ليصل إلى قرب سور الأقصى، أدخله ضمن مشاريع تهويد محيط المسجد الأقصى، ففي يونيو/ حزيران 2019 قدّم وزير النقل إلى "لجنة البنية التحتية الوطنية" الإسرائيلية خطة لتمديد مسار القطار الرابط بين "تل أبيب" والقدس المحتلة، ويصل المسار إلى سور المسجد الأقصى الغربي (ما يسمى "حائط المبكى")، وذلك من ضمن الخطة الاستراتيجية لوزارة النقل الإسرائيلية لعام 2040. وفي 17 فبراير/ شباط 2020 أقرت "اللجنة الوطنية للبنية التحتية" الإسرائيلية تمديد مسار القطار إلى سور الأقصى الغربي، أي أنه سينتهي عند نقطة ستُستحدث عند سور الأقصى الغربي تحت اسم "محطة ترامب". ويشمل مسار القطار شريطًا يمتد تحت عشرات المنازل في حي وادي حلوة في سلوان. وبحسب منظمة "عمق شبيه"؛ فإن مرور القطار سيستلزم تدمير الطبقات الأثرية في المكان، فضلًا عن إلحاق الضرر بعين سلوان التاريخية وتلويثها.

مشاريع تهويدية تطلّ على الأقصى من جبل المكبّر

تخطط بلدية الاحتلال في القدس المحتلة لإنشاء دولاب ضخم في القسم الغربي من متنزّه "ارمون هنتسيف" (قصر المندوب السامي) الاستيطاني الذي يقع على طرف جبل المكبّر المطلّ على البلدة القديمة والمسجد الأقصى من الجنوب، وسيكون بارتفاع 40 إلى 60 مترًا.

جسر المشاة "السياحي" بين حي الثوري ومنطقة النبي داود

واصلت سلطات الاحتلال محاولات السيطرة على أراضي المقدسيين في منطقة وادي الربابة في سلوان جنوب المسجد الأقصى؛ بهدف تنفيذ مشاريع تهويدية من ضمنها جسر المشاة "السياحي" الذي سيمتدّ فوق أراضي وادي الربابة من حي الثوري إلى منطقة النبي داود بطول 197 مترًا، وارتفاع 30 مترًا.

وضع مجسم "المعبد" المزعوم عند باب المغاربة

في 9 يوليو/ تموز 2020 وضعت "جماعات المعبد" مجسمًا لـ"المعبد" المزعوم عند مدخل باب المغاربة في السور الغربي للأقصى، وهو الباب المخصص لاقتحامات المستوطنين اليهود و"السياح". ونُصب المجسم بجانب العريشة الدائمة التي وُضعت في "عيد العُرش" اليهودي عام 2018، و"التي باتت اليوم أقرب إلى استراحة ونقطة خدمات وضيافة للمقتحمين عند باب المغاربة". تعوّل "جماعات المعبد" على هذا المجسم وغيره لتعبئة جمهور المقتحمين بأفكار "إعادة بناء المعبد"، وإزالة المسجد الأقصى من الوجود. 

الحدائق التوراتية

تحيط بالمسجد الأقصى المبارك والبلدة القديمة نحو سبع "حدائق توراتية" تشكل حزامًا حولها، وبحسب معطيات مقدسية تعود فكرة الحدائق "التوراتية" إلى سبعينيات القرن الماضي، ولكنها تصاعدت بشكل كبير في السنوات القليلة الماضية، يهدف الاحتلال عبرها إلى منع أي وجود فلسطيني في محيط الأقصى، إضافةً إلى فرض سيطرته على مساحات كبيرة من الأراضي بذريعة إقامة هذه الحدائق.

وبحسب معطيات صحفية، خصصت سلطات الاحتلال لهذه الحدائق ميزانيات ضخمة، من بينها نصف مليار شيكل، أقرت ما بين أعوام 2005 و2013، إضافة إلى ميزانية خاصة قدرها 350 مليون شيكل في عام 2012، عدا الميزانيات العادية. وتتكامل أدوار أذرع الاحتلال التنفيذية لتحقيق مخططات الاحتلال، ويبرز دور جمعية "إلعاد" الاستيطانية، ويدار كثير من المخططات ضمن ما يسمى بـ"سلطة الطبيعة والحدائق العام"، وبلدية الاحتلال في القدس المحتلة، إضافة إلى شركة تطوير القدس.