أثار اغتيال رئيس تنسيقية حركات الأزواد بمالي سيدي إبراهيم ولد سيداتي الثلاثاء الماضي بباماكو العديد من الأسئلة عن الجهة التي تقف وراء قتله والأهداف التي تريد تحقيقها من هذه الجريمة في هذا الظرف الذي تعيشه البلاد، بالنظر إلى وزن هذه الشخصية في تنفيذ مسار المصالحة والسلم بالبلد الذي يعيش منذ 2012 حالة من عدم الاستقرار السياسي.

وباغتيال شخصية وازنة كسيدي إبراهيم ولد سيداتي، تتخوف الأطراف في مالي من تأثير هذا الحادث على تنفيذ مسار الجزائر 2015، ومعه تتبادر استفهامات في الجارة الشمالية إن كان هذا الاغتيال يستهدف بالأساس تحركها الجديد في القارة الإفريقية، وهدفه إفشال الوساطة التي تقوم بها، التي لا تروق لعديد الأطراف الباحثة عن موطئ قدم في كبرى دول منطقة الساحل الصحراوي.

اغتيال جديد

فجر أول يوم من رمضان، استيقظت بماكو عاصمة البلد المسلم مالي على وقع اغتيال رهيب، بعد أن أطلق مسلح مجهول النار على الرئيس الدوري لتنسيقية الحركات الأزوادية سيدي إبراهيم ولد سيداتي أمام منزله، ولاذ بالفرار على متن دراجة نارية، ونقل ولد سيداتي على الفور إلى المستشفى الأمريكي "غولدن لايف"، غير أنه لفظ أنفاسه داخل غرفة العمليات.

وحسب مقربين من القيادي المغتال، فإن الأخير لم تتوافر له الحماية اللازمة، لذلك يحمّل البعض السلطة المالية جزءًا من المسؤولية عن اغتياله.

ويرأس ولد سيداتي وفد لجنة متابعة اتفاق السلام الموقع في الجزائر، بين الحكومة المالية والحركات الأزوادية المسلحة، إضافة إلى رئاسته قبل اغتياله تنسيقية الحركات الأزوادية المكونة من ثلاث حركات هي الحركة العربية الأزوادية، والحركة الوطنية لتحرير أزواد، والمجلس الأعلى لوحدة أزواد.

ويقع أقليم أزواد شمال مالي، وتقطنه قبائل من العرب والطوارق وهم أمازيغ موجودون في عدة دول بالمنطقة كالجزائر والنيجر وليبيا وموريتانيا.

لا تتعلق عمليات الاغتيال باستهداف شخص ما حتى ولو كان من القياديين والفاعلين بمالى، إنما تتعلق بمحاولة من يقفون عن تنفيذ العمليات المسلحة إيصال رسالة مفادها أن الأمن والاستقرار بالجارة الجنوبية للجزائر يبقى بعيدًا

ورغم وطأة هذا الاغتيال ووزنه، فإنه ليس الأول الذي استهدف الحركات الداعمة لمسار الجزائر، والتيارات المتحاورة مع السلطات ببماكو، ففي فبراير/شباط 2020، تم اغتيال يورو ولد دحة رئيس أركان أحد فروع "حركة أزواد العربية" قرب تامكوكات بإقليم غاول شمال مالي برصاص مسلّحين كانا يستقلان دراجة نارية.

ولا تختلف المعلومات المحيطة باغتيال ولد سيداتي عن ولد دحة، فعملية القتل تمت من على دراجة نارية، كما أن الضحيتين من الداعمين لمسار الجزائر.

ولا تتعلق عمليات الاغتيال باستهداف شخص ما حتى ولو كان من القياديين والفاعلين بمالى، إنما تتعلق بمحاولة من ينفذون العمليات المسلحة إيصال رسالة مفادها أن الأمن والاستقرار بالجارة الجنوبية للجزائر يبقى بعيدًا، وأن الحكومة المالية غير قادرة على توفير الحماية والأمن لشركائها، وهو وضع يصب في صالح القوات الأجنبية المتدخلة عسكريًا بالبلاد وفي مقدمتها الفرنسية التي تجد في ذلك مبررًا لبقائها حتى إن تصاعدت الاحتجاجات المطالبة برحيلها الفوري.

أسباب

تبقى لحد اللحظة الجهة التي تقف وراء اغتيال سيدي إبراهيم ولد سيداتي مجهولة، غير أن السلطات المالية أوقفت شخصًا في مطار باماكو من بين ركاب متوجهين إلى تمبكتو شمال غرب البلاد يشتبه في أن يكون ضمن الضالعين في عملية الاغتيال.

وحسب المعلومات المسربة لوسائل الإعلام المحلية، فإن "المشتبه به لا يزال بين يدي فرقة التحقيق القضائي، وهو شاب مالي الجنسية ويدير شركة مملوكة لوالده الراحل".

ورغم أن ولد سيداتي لم يكن عدوًا لأي أحد، فإن عمله على إرساء الأمن والتفاوض مع الحكومة المالية قد لا يجعل الجميع أصدقاء له.

وفي انتظار نتائج التحقيقات التي ستفضي إليها تحريات الشرطة، يطرح المراقبون للوضع في مالي عدة فرضيات، أولها أن تكون جماعات إرهابية مدعومة من قوى دولية وراء عملية الاغتيال، بالنظر إلى أن خطوات سيداتي كانت تصب في مسار عودة الأمن إلى شمال البلاد وتخليصه من الجماعات الإرهابية.

أما الفرضيات الأخرى، فلا تستبعد أن يكون سبب الاغتيال صراعًا على النفوذ بين الأخوة الأعداء من الحركات الأزوادية بشمال مالي، فولد سيداتي لم يكن مجرد شخصية يمكن التغلب عليها في المنطقة، لذلك بالنسبة لكثير من الخصوم فإن تصفيته أسهل الطرق لشغل مكانه.

ويبقى الاحتمال الأخير لهذا الاغتيال الذي هز مالي، ولا يؤيده الكثيرون هو أن القتل يرتبط بتصفية حسابات شخصية، رغم أن الرجل ليس له ماضٍ مريبٍ يجعل هذه الفرضية ممكنة الحدوث.

ومهما كان سبب الاغتيال، فإن الجميع متفقون على أن من قتلوا سيدي إبراهيم ولد سيداتي هم أعداء السلام في مالي، لأن هذا الاغتيال قد يهز الثقة في المفاوضات الجارية بين الحركات الأزوادية والسلطات المالية. 

المطلب المشروع في حال عدم تحقيقه قد يعكر علاقة الحكومة في مالي مع تنسيقة حركات الأزواد

وبالنسبة لآلمو أغ محمد الناطق الرسمي باسم تنسيقية الحركات الأزوادية، فإنه "لا يمكن حاليًّا التفكير سوى في حقيقة أن تنسيقية حركات الأزواد قد استهدفت مباشرة عبر أبرز شخصية فيها".

وتتمسك التنسيقة بإظهار الحقيقة والوصول إلى الجهة التي تقف وراء الاغتيال، فقد طالبت في بيان لها بضرورة "فتح تحقيق مستقل وشفاف مع الالتزام القوي من طرف السلطات الانتقالية ومن الأطراف المعنية بمسار السلام في مالي ومن بينها الوساطة الدولية عبر بعثة الأمم المتحدة المتكاملة والمتعددة الأبعاد لتحقيق الاستقرار في مالي (مينوسما)" بتحقيق ذلك.

وبما أن التجربة أظهرت في عدة دول أنه من الصعب تحديد الجهة التي تقف وراء اغتيالات كهذه، فإن هذا المطلب المشروع في حال عدم تحقيقه قد يعكر علاقة الحكومة في مالي مع تنسيقة حركات الأزواد، رغم التزام الحكومة المالية بأن التحقيق الذي فتحته لإلقاء الضوء على ملابسات هذا العمل سيفضي إلى اعتقال الفاعلين وتقديمهم للعدالة".

رسالة

بعد اغتيال ولد سيداتي، ركزت معظم الصحف الفرنسية في مقالات تحليلية على مصير اتفاقية الجزائر 2015، وإن كانت لا تزال صالحة لتنفيذ مسار السلم والمصالحة في مالي، الأمر الذي يطرح سؤالًا إن كان هذا الاغتيال لا يستهدف فقط الأطراف الفاعلة في بماكو إنما أيضًا الدور الجزائري المتمسك بضرورة تنفيذ ما جاء في اتفاقية 2015.

وتساءلت صحيفة "لو بوانت" في مقال تحليلي "مالي: هل يمكن إنقاذ اتفاق الجزائر؟"، متطرقة لاحتفاظ الحركات المتفاوضة مع الحكومة المالية حتى اليوم بأسلحتها بالنظر لعدم ثقتها في السلطات، ومعتقدة أن هذا الوضع يعيق تحول هذه الحركات إلى أحزاب سياسية تشارك في صنع القرار وتعيد الأمن لشمال مالي.

وتعتقد الصحيفة أن عامل الثقة يبقى غائبًا بين الحركات الأزوادية والحكومة المالية رغم الاحتفالات التي جرت في فبراير/شباط الماضي شمال البلاد.

ورغم عدم ذكر الجزائر بالاسم، فإن الصحيفة الفرنسية قصدت المراسم التي شاركت فيها الجزائر ممثلة في وزير الخارجية صبري بوقدوم الذي ترأس في 11 من فبراير/شباط الماضي، الدورة الـ42 للجنة متابعة اتفاق السلم والمصالحة في مالي المنبثق عن مسار الجزائر التي احتضنها لأول مرة مدينة كيدال شمال البلاد.

واعتبر بوقدوم وقتها انعقاد الدورة بكيدال "حدثًا غير مسبوق ومؤشرًا مهمًا من شأنه إعطاء دفعة قوية لمسار السلم والمصالحة الذي ترعاه الجزائر بالتعاون مع المجموعة الدولية".

والأكيد أن تنفيذ اغتيال قيادي بحجم سيدي إبراهيم ولد سيداتي بعد شهرين من هذا الحدث المهم الذي جرى شمال مالي، وأعقبه زيارة للرئيس المالي المؤقت باه انداو إلى الجزائر في منتصف مارس/آذار المنصرم لا يتوقف عند قتل زعيم أزوادي فقط، إنما يحمل في طياته رسالة إلى الوساطة التي تقودها الجزائر مفادها أن اتفاق الوساطة لـ2015 أصبح على المحك.

واستطاع هذا الاغتيال أن يحوّل النقاش من سحب القوات الفرنسية من مالي التي تتصاعد الاحتجاجات المطالبة برحيلها إلى مدى فعالية اتفاق الجزائر في تنفيذ ما وعد به في 2015.

استهداف ولد سيداتي لم يكن صدفة، بل كان أمرًا مقصودًا لتعطيل قطار السلام، الذي تحّرك بدفع من الجزائر التي تحظى بثقة كبيرة لدى جيراننا الجنوبيين

ويظهر أن الجزائر مدركة لهذا العبث الجديد في مالي الذي جاء عقب تأجيلها لزيارة الوزير الأول الفرنسي إليها في 9 و10 من أبريل/نيسان الحاليّ، أي أن الاغتيال جاء بعد 3 أيام من تأجيل هذه الزيارة.

وأدانت الجزائر بشدة جريمة اغتيال سيدي إبراهيم ولد سيداتي، فقد جاء في بيان لوزارة الخارجية أن "الجزائر تدين بشدة الجريمة الشنعاء التي راح ضحيتها رجل الإجماع سيدي إبراهيم ولد سيداتي الذي أدى دورًا رئيسيًا وحاسمًا في المفاوضات وفي تنفيذ اتفاق السلام والمصالحة المنبثق عن مسار الجزائر".

واعتبرت الخارجية قتل من وصفته بـ"رجل الإجماع" محاولة لإفشال مسار تعزيز مؤسسات مالي خلال هذه الفترة الانتقالية والجهود المبذولة في سبيل تنفيذ اتفاق السلام والحفاظ على وحدة هذا البلد الشقيق.

واعتبرت صحيفة "الشعب" الجزائرية الحكومية أن "استهداف ولد سيداتي لم يكن صدفة، بل كان أمرًا مقصودًا لتعطيل قطار السلام، الذي تحّرك بدفع من الجزائر التي تحظى بثقة كبيرة لدى جيراننا الجنوبيين".

وبالعودة إلى عدد المجازر التي استهدفت المدنيين في الفترة الأخيرة بدول الساحل كالنيجر وبوركينافاسو ودول مجاورة أخرى، يبدو أن اغتيال ولد سيداتي لا يتعلق فقط بخلط الأوراق في مالي، إنما يتعلق بالأساس بإعادة رسم أماكن النفوذ في منطقة تعد حجر الأساس في نجاح اتفاق منطقة التبادل الحر الإفريقية الذي دخل حيز التطبيق بداية العام الحاليّ، كونها الرابط بين شمال القارة وجنوبها، وعليه فاستهداف شخصيات بارزة ومؤثرة في المشهد المالي أو في دول الجوار قد لا يكون مستبعدًا في قادم الأيام بالنظر لهشاشة الوضع الأمني في المنطقة.

وأمام هذا الوضع الذي لا يبعث على التفاؤل، تجد الجزائر نفسها وبقية دول المنطقة في وضع جد صعب لإنقاذ الوضع الأمني الهش بمنطقة الساحل، خاصة تنفيذ اتفاقية 2015 للسلم والمصالحة بمالي، كونها تمثل الامتحان الحقيقي الذي ستبني  الجزائر عليها سياستها الجديدة للعودة للعب دورها القاري.