ما زال التيار الإصلاحي في إيران يواجه مزيدًا من العزلة السياسية من التيار المحافظ والحرس الثوري، اللذين يعتبران أن السياسات التي اعتمدها هذا التيار خلال الفترة الماضية، أضرت بمصالح إيران الوطنية، وتحديدًا في موضوع إدارة الملف النووي والتعامل مع العقوبات الاقتصادية المفروضة على إيران، في إشارة إلى الرئيس الإيراني حسن روحاني.

ومع الهزيمة الكبيرة التي تعرض لها هذا التيار في الانتخابات العامة في 22 من فبراير/شباط 2020، بعد أن اكتسح التيار المحافظ مقاعد مجلس الشورى الإسلامي بأغلبية مطلقة، يتوقع أن يتكرر هذا السيناريو في الانتخابات الرئاسية المقبلة في 18 من يونيو/حزيران 2021، في ضوء توافر ذات ظروف الهزيمة والخسارة.

نشأ التيار الإصلاحي منذ تسعينيات القرن الماضي، على يد الرئيس الإيراني الأسبق هاشمي رفسنجاني، وكان الهدف الرئيس من وراء بروز هذا التيار، إلى جانب التيار المحافظ، إحداث موازنة في الخطاب الإيديولوجي الإيراني الموجه للعالم الخارجي، وتوظيف هذا التيار في بناء علاقات مستقرة ومتوازنة مع دول الجوار بعيدًا عن شعارات تصدير الثورة وحماية المستضعفين، ليتحول هذا التيار في مرحلة ما بعد رفسنجاني إلى جناحين رئيسيين: جناح يقوده الرئيس الإيراني الأسبق محمد خاتمي، والآخر يقوده الرئيس الإيراني الحاليّ حسن روحاني، ورغم الأهداف المتوخاة من وراء بروز هذا التيار، لم يتمكن بالنهاية من الصمود أمام طروحات وخطابات قادة التيار المحافظ والحرس الثوري.

فالسياقات المعقدة التي تحكم مسار عمل التيار الإصلاحي اليوم في إيران، يبدو إنها لم تعد ترقى لقناعة المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي، الذي أصبح على قناعة - حتى اللحظة - بضرورة إبعاد هذا التيار عن المشهد السياسي الإيراني خلال الفترة المقبلة، وهو ما لوح به في أكثر من مناسبة، آخرها في كلمة ألقاها بمناسبة حلول شهر رمضان، عندما أكد ضرورة أن يقود إيران في المرحلة المقبلة جيل شاب مؤمن بمصالح الأمة الإيرانية، كما يدلل على ذلك تأثيره الكبير على مجلس صيانة الدستور، الجهة المخولة بتمرير أسماء المرشحين للانتخابات الرئاسية المقبلة، ومن المرجح أن يستثمر خامنئي علاقاته مع رئيس هذا المجلس آية الله أحمد جنتي، في منع الكثير من الأسماء الإصلاحية من تجاوز عقبة هذا المجلس.

انسحاب خميني من الانتخابات

جاءت عملية انسحاب حسن الخميني نجل مؤسس الجمهورية الإسلامية في إيران، بعد لقاء جمعه بالمرشد الأعلى في الأيام الماضية، لتؤسس لعقدة واضحة يعاني منها التيار الإصلاحي في عدم إيجاد مرشح له في الانتخابات المقبلة، خصوصًا بعد أن تردد في الفترة الأخيرة بأن الخميني هو المرشح الأبرز للتيار في الانتخابات الرئاسية المقبلة.

فقد صرح ياسر الخميني، شقيق حسن الخميني لموقع جماران الإيراني في يوم 14 من أبريل/نيسان، بأن خامنئي أبلغ  الخميني أنه لا يعتبر ترشيحه "مناسبًا"، مضيفًا "لا تدخل السباق الانتخابي"، وهو ما شكل خيبة كبيرة لقطاعات واسعة من أنصار هذا التيار.

فقد انتقدت مجلة "صدى" الإصلاحية عدم ترشح الخميني، واعتبرت أن إبعاده عن السباق الانتخابي، جاء كرغبة من خامنئي لتعزيز حظوظ رئيس السلطة القضائية إبراهيم رئيسي في الانتخابات الرئاسية المقبلة، إذ تتردد أخبار عن رغبة خامنئي بذلك.

التيار الإصلاحي وجد انضمام الخميني لمعسكرهم، فرصةً لجذب أصوات الناخبين في الانتخابات الرئاسية المقبلة

وعلى الرغم من أن الخميني ليس عضوًا في التيار الإصلاحي، ويعتبر نفسه عابرًا للحزبية والتيارية في إيران، فإنه يتمتع بعلاقة وثيقة مع شخصيات إصلاحية بارزة، على سبيل المثال، مع محمد موسوي بوجنوردي، أحد قيادات التيار الإصلاحي، كما ينظر إليه على أنه شخصية من شخصيات الطيف الإصلاحي، خصوصًا بعد انتقاده الكثير من السلوكيات السياسية الحاليّة في إيران، وهو ما جعله قريبًا من المعسكر الإصلاحي.

كما أن التيار الإصلاحي وجد في انضمام الخميني لمعسكرهم، فرصة لجذب أصوات الناخبين في الانتخابات الرئاسية المقبلة، وتحديدًا الناخبين القابعين في المنطقة الرمادية، الذين لم يحسموا خياراتهم بعد لمن سيدلون بأصواتهم.

وحتى لو خالف الخميني طلب خامنئي، فإنه ليس من المتوقع أن يجتاز عقبة مجلس صيانة الدستور، قمن المرجح أن يتم استبعاده، في تكرار لسيناريو الرئيس الإيراني الأسبق رفسنجاني في انتخابات 2013، عندما تم استبعاده من المشاركة، بحجة عدم توافر الشروط المطلوبة، في الوقت الذي شغل فيه رفسنجاني مناصب عدة أهمها رئاسة البرلمان ورئاسة الجمهورية لدورتين متتاليتين.

رفسنجاني مقاطعة للانتخابات

استبعدت فائزة رفسنجاني ابنة الرئيس الإيراني الأسبق هاشمي رفسنجاني، أن تؤدي الانتخابات الرئاسية المقبلة إلى تغيير الأوضاع، وأشارت خلال مداخلة في إحدى غرف تطبيق "كلوب هاوس"، نقل ملخصها موقع "إيران إنتل"، إلى أنه لا يوجد فرق كبير بين مرشحي تيار الإصلاحيين والمحافظين، من حيث إمكانية تغيير الوضع، وأكدت أنها لن تشارك ولن تصوت في الانتخابات الرئاسية المقبلة، مشيرة إلى أن عدم التصويت يعني "عدم المشاركة في القرارات الخاطئة" للحكومة.

وتابعت رفسنجاني أن غيابها عن الانتخابات "ليس بسبب عدم أهلية المرشحين من مجلس صيانة الدستور، وإنما احتجاجًا على الإصلاحيين الذين تخلوا عن سياسة الإصلاح من أجل الحفاظ على السلطة".

ما زال التيار الإصلاحي في إيران يواجه مزيدًا من العزلة السياسية من التيار المحافظ والحرس الثوري

لكنها لفتت إلى أنها قد تغير رأيها وتشارك في الانتخابات، إذا جاء شخص يتمتع بالخصائص المطلوبة، خلال الشهرين المقبلين، مضيفة: "أنا أمتلك الشجاعة لتغيير رأيي"، وأوضحت رفسنجاني أنها قد تشارك في التصويت بالانتخابات، إذا رأت تبني سياسات إصلاحية، كإطلاق سراح المعتقلين وإقامة علاقات مع دول الجوار.

توجهات رفسنجاني الأخيرة تأتي كسلسلة من عمليات نقد مستمرة وجهتها للنظام السياسي الحاليّ، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بسياسات إيران الإقليمية، فقد اعتبرت رفسنجاني أن ما تعيشه إيران اليوم، بسبب تداعيات هذه السياسات التي أنتجت مزيدًا من العزلة والضغوط.

إجمالًا ستتعقد خيارات التيار الإصلاحي كثيرًا في الفترة المقبلة، كلما تعقدت جهود الرئيس حسن روحاني في التوصل لصفقة مرضية للمرشد الأعلى مع الولايات المتحدة، فمراهنة التيار الإصلاحي على نجاح روحاني في تحقيق تقدم بالمفاوضات النووية قبل الانتخابات، وتحديدًا على مستوى رفع العقوبات، ما زال بعيدًا جدًا، في ظل توجه إدارة الرئيس الأمريكي لاستنزاف إيران سياسيًا حتى موعد الانتخابات الرئاسية المقبلة، دون تقديم أي حلول عاجلة على مستوى الاتفاق النووي.