الأزمة بين رئيسي الحكومة والدولة متواصلة منذ أشهر

الأزمة بين رئيسي الحكومة والدولة متواصلة منذ أشهر

تعرف تونس مؤخرًا حرب صلاحيات بين رئيسَي الدولة والحكومة، فكل طرف يؤكد قيادته لقوات الأمن الداخلي ويتشبّث بأحقيته الدستورية في ذلك، ما جعل المواطن التونسي يتساءل هل انتهت مشاكل البلاد وأزماتها الكثيرة، حتى يخصص رؤساء البلاد كل وقتهم ومجهودهم للصراع حول قيادة قوات الأمن الداخلي؟

حرب صلاحيات

قبل أربعة أيام، أطل الرئيس قيس سعيّد على التونسيين خلال إشرافه على الاحتفال بعيد قوات الأمن الداخلي، قائلًا بلهجة حادة ظهر خلالها تشنجه: "أنا القائد الأعلى للقوات المسلحة العسكرية وللقوات المسلحة المدنية (الأمنية) ولكل أسلاكها".

واستدرك بالقول: "لا أميل لأن أحتكر هذه القوات، لكن النص واضح، ومن لم يتضح له سنة 2014 فليكن هذا واضحًا منذ اليوم"، وكان من بين الحضور كل من رئيس الحكومة هشام المشيشي ورئيس البرلمان راشد الغنوشي.

أردف ذلك بمنح بعض القيادات الأمنية ترقيات لم تعتدها البلاد، إذ قلّد آمر الحرس ومدير الأمن الرئاسي نجمةً تزيد على الشعار والسيفَين، ليبلغا رتبة آمرَي لواء، وقد درجت العادة منذ تأسست الجمهورية التونسية أن آمر اللواء لا يكون إلا عسكريًّا تابعًا للجيش الوطني، يعود بالنظر إلى وزارة الدفاع لا الداخلية.

كما توجه الرئيس قيس سعيّد إلى حي التضامن بالعاصمة -أكبر أحياء تونس- لزيارة منطقة الحرس الوطني هناك، وحرص على أن يشارك الضباط والرتباء والأعوان مأدبة الإفطار، وعمل مكتب الإعلام العامل معه على الترويج لصورة الإفطار ولقاء الرئيس بالأمنيين.

الأزمة الاقتصادية تظهر من خلال تراكم القروض وتجاوز الدين العام للدولة الـ 36 مليار دولار بنهاية عام 2021.

دخل رئيس الحكومة هشام المشيشي على الخط، وأكّد أن قراءة الرئيس للدستور "قراءة فردية وشاذة وخارج السياق"، وهو ما يُفهم منه أن المشيشي غير راضٍ عن تأويل الرئيس للدستور وفق الرؤية التي عرضها خلال عيد الأمنيين.

لم يتوقّف المشيشي -الذي يشغل أيضًا منصب وزير الداخلية بالنيابة- هنا، حيث عيّن لزهر لونغو مديرًا عامًّا للمصالح المختصة، وشغل لونغو سابقًا مهام مدير مركزي للاستعلامات، وكانت آخر مهمة اضطلع بها ملحقًا أمنيًّا بسفارة تونس بباريس، كما تم تعيين توفيق السبعي مديرًا عامًّا للمدرسة العليا لقوات الأمن الداخلي، رغم أن الرئيس قال إن من صلاحياته هذه التعيينات.

 

كما أدى هشام المشيشي زيارة إلى ثكنة بوشوشة، حيث شارك وحدات التدخل وجبة الإفطار، وقام رئيس الحكومة ووزير الداخلية بالنيابة بتكريم ثلة من إطارات وأعوان وحدات التدخل، وذلك بمناسبة الذكرى 65 لعيد قوات الأمن الداخلي.

جاءت تحركات المشيشي لتؤكّد أنه المسؤول عن قوات الأمن الداخلي وليس الرئيس كما يدّعي سعيّد ذلك، وفق قراءته الأحادية للدستور، إلا أن الرئيس لن يسكت وسيواصل التصعيد ومحاولة السيطرة على سلك الأمن، رغم أزمات البلاد المتعددة.

تناسي الوضع الصحي الحرج

تدور حرب الصلاحيات هذه، والمنظومة الصحية في تونس على مشارف الانهيار الكامل نتيجة تواصل انتشار فيروس كورونا بكثافة في البلاد. ففي آخر إحصاءات، أعلنت وزارة الصحة التونسية تسجيل 75 وفاة جديدة بفيروس كورونا خلال الأربع والعشرين ساعة الماضية، ما يرفع إجمالي الوفيات بالفيروس إلى 9993 وفاة، كما أعلنت تسجيل 2603 إصابات جديدة بالفيروس ليرتفع إجمالي الإصابات منذ مارس/ آذار 2020 إلى 291 ألفًا و833 إصابة.

ارتفاع الإصابات بفيروس كورونا وضعف نسق التلقيح، من شأنهما أن يعجّلا بانهيار المنظومة الصحية في تونس، وهو ما حذّر منه المستشار لدى منظمة الصحة العالمية، سهيل العلويني، حيث عبّر في تصريح لوكالة "تونس إفريقيا" للأنباء، عن تخوفه من بلوغ أسرّة الأكسجين بمختلف المستشفيات طاقتها القصوى جراء ارتفاع عدد الإصابات الذي وصفه بـ"الرهيب".

 

لاحظ المستشار الاكتظاظ في أقسام الطوارئ بمختلف المستشفيات العمومية جراء انتشار العدوى بالفيروس، خلال الفترة الأخيرة، حيث بلغت أسرّة الإنعاش نسبة امتلاء تقدر بـ 90%، وفي مستشفيات كثيرة بلغت الدرجة القصوى، وفق العديد من الأطباء التونسيين، ما يجعل المنظومة الصحية على وشك الانهيار.

 

وعرفت تونس في الأشهر الأخيرة تحركات احتجاجية كثيرة شارك فيها آلاف الأطباء، للتعبير عن رفضهم ظروف العمل في مستشفيات البلاد وتدهور وضع القطاع الصحي العام والوضعية المهنية والاجتماعية للأطباء.

وضع اقتصادي متردٍّ

قطاع الصحة ليس القطاع الوحيد المتأزم في تونس، فالوضع الاقتصادي لا يقلّ عنه تأزمًا. ومع ذلك إن رؤساء البلاد في حرب صلاحيات للاستحواذ على الأمن الداخلي لغايات سياسية، بعيدة عن مشاغل التونسيين اليومية.

تظهر الأزمة الاقتصادية من خلال تراكم القروض وتجاوز الدين العام للدولة الـ 36 مليار دولار بنهاية عام 2021، نتيجة لسوء التصرف والفساد، ما أفقد البلاد مصداقيتها مع الجهات المانحة وعطّل عديد القروض التي كانت مرصودة لها لدفع الإصلاحات في البلاد.

سابقًا، كانت العديد من الجهات المموِّلة، مثل البنك الأوروبي لإعادة البناء والتنمية، البنك الإفريقي للتنمية، صندوق النقد الدولي والاتحاد الأوروبي، تتنافس على المساهمة في مشاريع التنمية في تونس عن طريق القروض والمنح والتبرعات والدعم الفني، لكن الآن هذه الجهات ترفض منح تونس قروض جديدة.

سجّل شهر مارس/ آذار 1138 تحركًا احتجاجيًّا وفي شهر فبراير/ شباط سجّلت تونس 1235 تحركًا.

خفضت وكالة موديز العالمية في نهاية فبراير/ شباط الماضي تصنيف تونس الائتماني، ليصبح "B3"، ما يعني أن البلاد معرضة لمخاطر ائتمانية مرتفعة، وهو التصنيف نفسه الذي حصل عليه لبنان قبل نحو ثلاث سنوات.

وسجّل الاقتصاد التونسي خلال السنة الماضية انكماشًا بنسبة 8.8%، فيما وصل العجز بالميزانية إلى 7.3% من الناتج المحلي، كما تراجع احتياطي تونس من العملة الصعبة رغم محدودية الواردات، ما يجعل انهيار الاقتصاد أمرًا ممكنًا في أي وقت.

يذكر أن تونس مطالَبة هذه السنة بسداد ديون بقيمة 16.3 مليار دينار (5.92 مليار دولار)، ولن تتمكن من ذلك دون الاقتراض من السوق الدولية مجددًا، بينما نسبة المخاطر العالية للاقتصاد المحلي تجعل حظوظ تونس في الحصول على قروض صعبة.

احتقان اجتماعي

لا تتوقف مشاكل تونس هنا، فالوضع الاجتماعي أيضًا متردٍّ نتيجة عدة أسباب على رأسها الصراع السياسي وأزمة كورونا، حيث فقد الآلاف من التونسيين وظائفهم، كما وصلت نحو 465 ألف مؤسسة، أي ما يعادل نصف المؤسسات الصغرى والمتوسطة في تونس، إلى حافة الإفلاس، وفق رئيس الجامعة التونسية للحرفيين والمؤسسات الصغرى والمتوسطة.

ولا تزال الدولة تكافح من أجل توفير فرص عمل للشباب العاطلين في المناطق المهمشة، حيث بلغت نسبة البطالة خلال الثلاثي الرابع من السنة الماضية 17.4% (بلغ عدد العاطلين عن العمل 725.1 ألف من مجموع السكان النشيطين)، مقابل 16.2% في الثلاثي الثالث.

 

يظهر الاحتقان أيضًا في ارتفاع منسوب الحراك الاجتماعي، حيث سجل شهر مارس/ آذار 1138 تحركًا احتجاجيًّا وفي شهر فبراير/ شباط سجّلت تونس 1235 تحركًا، وكانت أغلب هذه التحركات تلقائية بأكثر من 81%، وقد تعلقت مطالب المحتجين خلال شهر مارس/ آذار بما هو اجتماعي واقتصادي، وفق المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية.

كما ظل نسق الهجرة غير الشرعية مرتفعًا، فقد سجل شهر مارس/ آذار المنقضي وصول 338 مهاجرًا غير نظامي تونسيًّا إلى السواحل الإيطالية، مقابل 60 واصلًا خلال الفترة نفسها من عام 2020، وارتفع بذلك عدد الواصلين بطرق غير نظامية خلال الثلاثي الأول من السنة الحالية إلى 1082 واصلًا، مع العلم أن عدد العمليات المحبَطة خلال هذه الثلاثية كان حوالي 166 عملية، كما تم منع اجتياز ما لا يقل عن 2618 مهاجرًا.

كل هذه المشاكل الصحية والاقتصادية والاجتماعية، وما زال قادة تونس يتصارعون حول من يقود الأمن الداخلي ومن يتمكن من توسيع صلاحياته على حساب الآخر، ما يعني أن آخر همهم وفق العديد من التونسيين مشاكل المواطن البسيط، على عكس خطبهم الرنّانة.