تصر الحكومة المصرية على المضي قدمًا في درب التلاعب بالأرقام الخاصة بأعداد الإصابة بفيروس كورونا المستجد (كوفيد 19)، بعيدًا تمامًا عن الوضع على أرض الواقع، وهي الاستراتيجية التي تتبعها منذ اكتشاف حالة الإصابة الأولى في البلاد في الـ 14 من فبراير/ شباط 2020.

حالة من التشكيك المستمر في الأرقام المعلنة رسميًّا من قبل وزارة الصحة المصرية دفعت الكثير من المتخصصين والمهتمين بالشأن العام لتقديم عدد من التساؤلات حول دوافع هذا التعتيم والتزييف المتعمد، رغم أن الدول المتقدمة التي تملك منظومات صحية عالية الدقة والكفاءة لم تجد حرجًا في الإعلان عن أرقام الإصابة الحقيقية بها، والتي تتجاوز عشرات أضعاف ما تعلنه مصر التي تعاني من نظام صحي مترهّل بشهادة الجميع.

وفي الوقت الذي تقفز فيه معدلات الإصابة في مختلف دول العالم، الولايات المتحدة (33600 حالة) والهند (219 ألف حالة) والبرازيل (225700 حالة) وفرنسا (24460 حالة)، بحسب إحصاءات الأمس، فإن الأعداد في مصر لم تتجاوز حاجز الـ 953 حالة، مع الوضع في الاعتبار أن هذا الرقم يعد الأعلى منذ منتصف يناير/ كانون الثاني الماضي.

التباين الكبير بين الأرقام المعلنة رسميًّا والإصابات الحقيقية التي توثقها شهادات المصابين وذويهم على منصات التواصل الاجتماعي، أحدث حالة من البلبلة والقلق لدى الشارع المصري، الذي بات يفقد الثقة شيئًا فشيئًا في البيانات الصادرة عن الجهات الرسمية، ينسحب ذلك أيضًا على بروتوكولات العلاج وقدرة الحكومة على التعاطي مع هذا الملف، ليبقى السؤال: ما الذي تخشاه الحكومة من مكاشفة المواطنين بحقيقة الإصابات ومدى قدرتها على التصدي لهذا الوباء؟

إنهاء العام الدراسي بصورة مفاجئة

وبينما تعزف وزارة الصحة والجهات المسؤولة على أوتار تطمين المصريين بأن الأوضاع تحت السيطرة، وأن معدلات انتشار الوباء لا ترتقي لمستوى القلق الذي وصلت إليه العديد من الدول المجاورة، إذ بوزارة التربية والتعليم تعلن وبصورة مفاجئة عن إنهاء العام الدراسي لكل الطلاب، ما عدا الشهادتين الإعدادية والثانوية، مع نهاية شهر أبريل/ نيسان الجاري.

وجاء في القرار أن إنهاء العام الدراسي سيكون "باختبارات شهر أبريل لصفوف النقل، على أن تعقد الامتحانات الشهرية في ثلاثة أيام تبدأ من الاثنين، وإلغاء اختبارات شهر مايو"، فيما قررت الوزارة "استكمال العام الدراسي لطلاب الشهادتين الإعدادية والثانوية" بحسب البيان الصادر عنها.

وزير التربية والتعليم صاحب التصريحات المتتالية باستمرار العام الدراسي وعدم توقفه تحت أي سبب من الأسباب، اضطر لهذا القرار دون إبداء الأسباب التي دفعت إليه، الأمر الذي أثار الكثير من التساؤلات حول الوضع الميداني لخارطة الإصابات بالوباء، بعيدًا عن الأرقام الرسمية التي ثبت أنها بعيدة تمامًا عن الأرقام الحقيقية.

مسؤولة سابقة في وزارة التربية أشارت إلى أن هذا القرار جاء بسبب "تزايد حالات الإصابة بكورونا، الأمر واضح جدًّا، فالمستشفيات ممتلئة عن آخرها ولا يوجد مكان لمرضى جدد، فضلًا عن أن هناك الكثير من المرضى حالتهم صعبة لا يجدون مكانًا في المستشفيات" وفق تصريحاتها لموقع "الحرة".

بين التصريحات الرسمية والواقع

الخبر الأكثر حضورًا وانتشارًا على "التايم لاين" الخاص بمواقع التواصل الاجتماعي يتمحور في جزئين، الأول الإعلان عن إصابات بالجملة لأسر بأكملها بالفيروس، أما الشق الثاني فعن حالات الوفاة المتزايدة بسبب كورونا، بما يتعارض جملة وتفصيلًا مع الأرقام المتواضعة المعلن عنها من قبل وزارة الصحة.

شريف.. شاب مصري يعمل محاسبًا في إحدى الشركات يقول إن ما يزيد عن 7 حالات إصابة بين 18 موظفًا شهدتها الشركة خلال الأسبوع الأخير، لافتًا إلى أن كافة التحاليل التي أجريت للمصابين كانت في معامل خاصة، ومن ثم لا تدخل ضمن التقرير اليومي الحكومي حول حصيلة الإصابات.

وأضاف الشاب أن نسب الإصابة داخل أسرته وأفراد عائلته تتزايد بشكل مقلق، ما دفع معظم الأقارب للابتعاد عن بعضهم في مناطق متفرقة بين عدة محافظات، ومع ذلك فالأعداد في تصاعد يومي، والأمر لا ينطبق على عائلته فقط، فكثير من أصدقائه يعانون مما يعاني منه، على حد قوله.

بعض الأطباء المتخصصين كانوا قد وجهوا حزمة من التساؤلات لوزيرة الصحة، هالة زايد، حول تقريرها اليومي عن معدلات الإصابة، أبرزها: هل الإصابات المعلن عنها خاصة بمستشفيات العزل فقط أم "تخص مستشفيات الدولة كاملة من عزل وحجر وجامعة وصحة وخاص وجيش وشرطة ووفيات فى البيوت وقرى وعزب؟ وهل يتم حاليًّا تحديد أسباب الوفاة لمن يتوفون خارج المستشفيات؟"، وماذا عن التحاليل التي تجرى في المعامل الخاصة؟ هل يتم تزويد الوزارة بنتائجها أم أنها تعمل بشكل منفرد؟ لا سيما أن الغالبية العظمى من المصابين يجرون فحوصاتهم في تلك المعامل بعدما تكدست المستشفيات ومعاملها بالمرضى.

وهناك تقرير سابق لـ"نون بوست" كان قد أشار إلى استراتيجية "خداع الأرقام" التي تتبعها السلطات المصرية منذ تفشي الوباء قبل عام ونصف، إذ ربما تكون أعداد الإصابة المعلن عنها -إن تم التسليم بصحتها- مطمئنة نسبيًّا مقارنة بدول العالم التي تعاني من قفزات جنونية.

لكن في الواقع أن الأمر ليس بالصورة التي يعزف عليها كثيرًا الإعلام الموالي للنظام الذي يؤكد دومًا نجاح السلطات المصرية في التعامل مع الأزمة مقارنة بالدول المجاورة، حيث يتضمن شيئًا من الخداع والتضليل من خلال عدد من تجرى لهم مسحات يومية، فبينما تجري حكومات العالم مسحات لعشرات الآلاف من مواطنيها يوميًّا يلاحظ أن الوضع في مصر يختلف كثيرًا، فالأعداد التي تجرى لها تحاليل قليلة جدًّا وعليه تخرج نسب الإصابات بهذا الحجم، وهو ما تكشف عنه الإحصاءات المنشورة على موقع Worldometers العالمي المتخصص في رصد معدلات الإصابة بكورونا عالميًّا.

 

عناد سلطوي

هناك حالة من التعنت الحكومي الواضح حيال التعامل مع هذا الملف المقلق عالميًّا، ويبدو أن القراءات الرسمية للوباء وتداعياته تبعد كثيرًا عن القراءات الإقليمية والدولية له، وإلا فلماذا تبقي السلطات على كافة النوافذ التي يعبر الفيروس منها مفتوحة على مصراعيها دون أي تحرك يذكر؟

وبينما تفرض دول مجاورة الإغلاق الجزئي أو الكلي نجد شوارع مصر وميادينها مكتظة بالخيم الرمضانية والمقاهي التي تتصاعد منها أدخنة التبغ بشتى أنواعه، الفاخر منه والعادي، هذا بينما تتواصل حفلات السهر في بعض الأماكن حتى مطلع الفجر.

يتزامن ذلك مع تحذيرات متتالية ومناشدات متواصلة، سواء من المواطنين العاديين الذي يعايشون حالات الإصابة المتزايدة في النطاق القريب منهم، أو الأطباء الذين يتساقطون واحدًا تلو الأخر، حتى وصل ضحاياهم بسبب الفيروس إلى 483 طبيبًا حسب بيان نقابة الأطباء بالأمس، والذي نعى فيه الدكتور عبد المنعم عبد الله الحجاجي، أستاذ متفرغ بقسم جراحة المسالك البولية بطب أسيوط، ورئيس قسم المسالك الأسبق بالجامعة، والذي توفي بمستشفي العزل بالعديسات إثر الإصابة بكوفيد 19.

وأمام تلك المناشدات التي تطالب بإغلاق جزئي أو كلي خلال الأسبوعين القادمين من رمضان وإجازة عيد الفطر، في محاولة لتحجيم الانتشار السريع للإصابة، والمرجح أن تتزايد خلال الأيام المقبلة التي من المتوقع أن تشهد اكتظاظًا وازدحامًا كبيرًا في الشوارع والميادين والمحال التجارية استعدادًا للعيد، صمّت الحكومة آذانها تمامًا، الأمر الذي دفع إلى التساؤل: لماذا هذا العناد؟

 

لماذا تخشى الحكومة من الإعلان عن الحقيقة؟

تمسك السلطات المصرية بالأرقام المعلن عنها بشأن حجم الإصابة (دون الألف يوميًّا) والإصرار ألا تتجاوز الإطار المطمئن -من وجهة نظرها- مقارنة بالدول الأخرى، واستمرار نغمة السيطرة على الوضع وأن" كل شيء تمام"، عزاه البعض إلى أحد سيناريوهَين، أو كليهما معًا.

السيناريو الأول: خشية افتضاح الفشل في الإعداد الجيد لتلك المرحلة، فبينما تلقّى معظم شعوب العالم اللقاحات المضادة للفيروس ما زال الوضع في مصر ضبابيًّا، ورغم فتح باب التسجيل على الإنترنت وبدء تلقي البعض للقاح، إلا أن هناك حالة من الشك في جدوى ودقة وسلامة اللقاح الصيني الذي يتناوله المصريون، والذي يفتقد للاختبارات السريرية الكافية بحسب أطباء ومتخصصين.

من ناحية أخرى، إن هناك عجزًا كبيرًا في عدد الجرعات واللقاحات المتوفرة في مصر، الأمر الذي ربما يضع وزارة الصحة في مأزق كبير حال الكشف عن أرقام الإصابة الحقيقية، هذا بخلاف عجز النظام الصحي الذي تأثر بشكل كبير طيلة العام الماضي -كغيره من أنظمة العالم-، إذ لم يعد هناك مكان فارغ لمريض جديد بعدما امتلأت المستشفيات عن آخرها.

السيناريو الثاني: القلق من التداعيات الاقتصادية حال الإغلاق، جزئي كان أو كلي، إذ إن الكشف عن معدلات الإصابة الحقيقية سيجبر الحكومة على تعزيز الإجراءات الاحترازية ومنها الإغلاق، الأمر الذي سيكون له تداعيات كارثية على الاقتصاد المصري الذي تعرض لعدة ضربات موجعة منذ اكتشاف الوباء.

وفي تصريحات سابقة لرئيس الحكومة، مصطفى مدبولي، كان قد نفى فكرة الإغلاق تمامًا، لما يترتب عليها من تبعات اقتصادية لا تتحملها مصر في الوقت الراهن، خاصة أن الموارد الأبرز إنعاشًا لخزانة الدولة قد تأثرت كثيرًا بسبب الفيروس، على رأسها السياحة وحركة الطيران.

هذا بجانب العمالة غير المنتظمة (تشكل قرابة 55% من إجمالي العمالة الخاصة في مصر البالغ عددها حوالي 12.6 مليون عامل) التي تأثرت هي الأخرى بشكل مقلق بتلك الإجراءات، الأمر الذي زاد من معدلات البطالة وتراجع مستوى المعيشة لملايين الأسر المصرية.

وهكذا تحول المصريون من مرحلة التشكيك في الأرقام الرسمية الخاصة بمعدلات الإصابة إلى فقدان الثقة في إدارة الحكومة لهذا الملف، الأمر الذي دفع الكثير منهم للتعامل مع الأزمة بشكل خاص بعيدًا عن أعين الدولة، وهو ما يجعل من التصريحات الصادرة في هذا الشأن محل تشكيك وريبة، لا يمكن الاستناد عليها في قراءة المشهد بشكل واقعي، هذا بخلاف أن الأرقام غير الحقيقية التي تنشرها وزارة الصحة ربما قد تؤدي إلى طمأنة وهمية لكنها حتمًا ستقود لكارثة.