ضجت عدة وسائل إعلامية في الأيام الماضية بأخبار متطابقة عن تحركات عسكرية روسية في السودان، وتحديدًا في قاعدة فلامينغو الجوية بمدينة بورتسودان الساحلية شرقي البلاد.

التحركات الروسية المتزايدة في السودان لم تكن وليدة اللحظة، فقد بدأت منذ أواخر عام 2017، عندما استنجد الرئيس المخلوع عمر البشير بروسيا وطلب من الرئيس بوتين "الحماية" مما أسماها "التصرفات العدائية الأميركية".

الطلب الذي قدمه البشير للرئيس الروسي أثار استغراب الأخير الذي يبدو أنه تفاجأ به فلم يرد في حينها، وأضاف الرئيس السوداني المخلوع حينها أن "الوضع في البحر الأحمر يثير قلقنا، ونعتقد أن التدخل الأميركي في تلك المنطقة يمثل مشكلة أيضًا، ونريد التباحث في هذا الموضوع من منظور استخدام القواعد العسكرية في البحر الأحمر"، ما يشير إلى أنه قدّم عرضًا صريحًا بإمكانية منح روسيا فرصة لإنشاء قاعدة عسكرية في السودان على ساحل البحر الأحمر.

لم تهتم روسيا بالرد المباشر على طلب البشير لإنشاء قاعدة عسكرية، ربما لأنها كانت تدرك أن نظامه يتداعى ويوشك على السقوط، وبالفعل بعد أقل من عام على زيارة عمر البشير روسيا بدأت ضده ثورة شعبية أدت إلى خلعه من السلطة لاحقًا، لكن تردد على نطاق واسعٍ أن مرتزقة روس شاركوا في قمع التظاهرات السلمية في السودان، إذ تناقلت وسائل أعلامية متعددة مقاطع فيديو لمقاتلين روس أثناء المظاهرات السودانية باعتراف مصادر مقربة من جهاز الأمن والمخابرات السوداني، أكدت أن مجموعة فاغنر المملوكة لرجل الأعمال الروسي الملقب بـ"طبّاخ بوتين" تعمل بالفعل في السودان، وتساند الأجهزة الأمنية في قمع المتظاهرين.

التقارب السوداني الأميركي يثير انزعاج روسيا

بعد أن ذهب النظام السابق في السودان، بدأت موسكو التفكير بشكل جدي في العرض الذي قدمه الرئيس المخلوع، خاصة حينما بدأ السودان في تحسين علاقاته الخارجية والانفتاح من جديد نحو الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي. فقد انزعجت روسيا على ما يبدو من التقارب السوداني الأميركي الذي أفضى العام الماضي إلى رفع اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب، كما اتفقت الخرطوم وواشنطن على رفع العلاقات إلى مستوى سفير إضافة إلى رفع مستوى التعاون في شتى المجالات؛ اقتصادية، أمنية، سياسية وعسكرية بعد أن زالت العقبة الأساسية التي هي وجود السودان على قائمة الإرهاب الأميركية.

ملامح الاتفاق بشأن القاعدة الروسية في السودان أظهر بجلاء أنها لن تكون مركزًا صغيرًا للإمداد الفني واللوجستي كما أوحى الخبر الذي نُشر في البداية.

نتيجة لهذا التقارب السوداني الأميركي، وجّه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، أواخر العام الماضي، وزارة الدفاع الروسية لإنشاء مركز لوجستي للقوات البحرية على الأراضي السودانية.

وأصدر بوتين مرسومًا نُشر في موقع المعلومات القانونية الروسي، أعلن فيه مصادقته على مقترح الحكومة الروسية الخاص بتوقيع اتفاق مع الخرطوم حول إنشاء مركز إمداد فني لقوات الأسطول الحربي البحري الروسي في أراضي السودان، ووجّه زارة الدفاع الروسية لتوقيع هذا الاتفاق نيابة عن حكومة البلاد. 

وأوضحت وسائل إعلام روسية أن حكومة بوتين تهدف من إنشاء القاعدة العسكرية في السودان تزويد أسطولها بالوقود وفق مسودة اتفاق نشر تفاصيلها موقع الحكومة الروسية، إذ أوضح أن الاتفاق ينص على إنشاء "مركز دعم لوجستي" في السودان يمكن من خلاله تأمين "تصليحات وعمليات التزويد بالوقود واستراحة أفراد طواقم" البحرية الروسية، ويمكن أن تستقبل هذه القاعدة 300 عسكري وموظف مدني كحدّ أقصى، وكذلك أربع سفن بما في ذلك مركبات تعمل بالطاقة النووية، وفق مشروع الاتفاق.

وأضاف الإعلام الروسي أنه سيتم إنشاء القاعدة في الضاحية الشمالية لمدينة بورتسودان، بحسب الإحداثيات الجغرافية المذكورة في الوثيقة المفصلة والمؤلفة من ثلاثين صفحة. كما تنص مسودة الاتفاق أيضًا على أنه يحق لروسيا أن تنقل عبر مرافئ ومطارات السودان "أسلحة وذخائر ومعدات" ضرورية لتشغيل هذه القاعدة البحرية.

ويشير النص إلى أن الاتفاق سيكون نافذًا لمدة 25 عامًا، مع تجديد تلقائي بعد مرور عشر سنوات إذا لم يطلب أي من الطرفين إنهاءه مسبقًا.

مخاوف من الدور الروسي مستقبلًا في السودان

ملامح الاتفاق بشأن القاعدة الروسية في السودان أظهر بجلاء أنها لن تكون مركزًا صغيرًا للإمداد الفني واللوجستي كما أوحى الخبر الذي نُشر في البداية، فمدة العقد الذي يمتد إلى 25 عامًا إلى جانب منحه الحكومة الروسية الحق في استخدام موانئ ومطارات السودان، أعاد إلى الأذهان الاتفاقيات التي وقعها رئيس النظام السوري بشار الأسد مع روسيا، التي بدأت بهذه الطريقة (إنشاء مركز دعم) ثم أضيفت عدة ملاحق واتفاقيات حتى أصبحت موسكو بمنزلة قوة احتلال لسوريا، وقد ارتكبت القوات الروسية مجازر مروعة في حق المواطنين السوريين لقمع الثورة ضد الأسد، وهذا السيناريو هو ما يخشاه السودانيون في ظل مؤشرات واضحة على تزايد نفوذ العسكريين في الحكومة الانتقالية الحالية بالسودان، والخوف من إصرارهم على عدم مغادرة السلطة بسبب الملاحقات القضائية إثر الانتهاكات الجسيمة التي يعتقد أنهم تورطوا فيها، مثل مجزرة فض الاعتصام في فجر الـ 29 من رمضان عام 2019.

البعشوم.. حساب مجهول يكشف تفاصيل الوجود الروسي 

البعشوم هو شخص مجهول يستخدم اسمًا حركيًّا ويمتلك صفحات على مواقع التواصل الاجتماعي الكبرى مثل فيسبوك وتويتر ويوتيوب، عُرف بأنه ينفرد بنشر تسريبات وتقارير استقصائية عسكرية على قدر عالٍ من الدقة والمصداقية، فعلى مدى الأيام الماضية كان ينشر على حساباته أخبارًا مدعّمة بالصور عن وصول قوات روسية إلى مطار بورتسودان ومنه اتجهت إلى قاعدة فلامينغو.

Image

كما أوضح البعشوم التفاصيل الخطيرة للوجود الروسي المستقبلي الذي سيكون بمثابة احتلال شبه كامل للقاعدة الجوية السودانية، وحذّر من خطورة مضي رئيس المجلس السيادي عبد الفتاح البرهان ونائبه محمد حمدان دقلو "حميدتي" في مخطط يهدف إلى تصفية القوات البحرية السودانية واستبدالها بقوات من "الدعم السريع"، بسبب رفض القوات البحرية للوجود الروسي ودخول أحد ضباط البحرية السودانية في مشادة مع الروس، حسبما أورد البعشوم.

مجلس الأمن والدفاع السوداني ينكر الاتفاق على القاعدة الروسية

بعد أن تناقلت منصات ووسائل إعلام عديدة أخبار التحركات الروسية في بورتسودان، نفى مجلس الدفاع والأمن السوداني الأسبوع الماضي دقة الأنباء المتداولة بشأن إنشاء قاعدة روسية في البلاد وزيارة وفد حكومي "إسرائيل".

جاء ذلك خلال اجتماع عقده المجلس (أعلى هيئة أمنية في السودان) برئاسة رئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان.

وقال مجلس الدفاع، في بيان نشره مجلس السيادة: "نستنكر ما تناولته الوسائط الإعلامية من أخبار حول البدء في إنشاء قاعدة روسية وزيارة وفد حكومي إلى "إسرائيل"، ونجزم بعدم دقة تلك المعلومات". 

رغم النفي، قالت مصادر عسكرية مطلعة للجزيرة إن الأسابيع الماضية شهدت حضورًا روسيًّا عسكريًّا ملحوظًا في قاعدة فلامينغو على البحر الأحمر شمالي مدينة بورتسودان.

المصادر نفسها أفادت بأن نحو 70 من أفراد البحرية الروسية، من بينهم 10 ضباط، يقيمون بصفة دائمة في القاعدة، كما جلبت تلك القوات تعزيزات شملت منصات إطلاق صواريخ وناقلات جنود، ونصبت رادارًا، ومنعت القوات السودانية من الاقتراب من مناطق تمركزها. وأضافت المصادر السابقة أن سفينة استطلاع روسية ستصل إلى الميناء السوداني في الأيام المقبلة.

في الوقت ذاته، ذكرت منصة سودان بلص السودانية التي يديرها صحافيون محترفون أن مصدرًا عسكريًّا مطلعًا كشف عن وصول 5 رحلات روسية عسكرية من قاعدة طرطوس السورية إلى القاعدة البحرية السودانية في البحر الأحمر فلامينغو خلال الأيام الماضية.

الشارع السوداني يدرك أيضًا لعبة التنافس الأميركي الروسي على السودان الذي يتمتع بموقع استراتيجي.

وقال المصدر إن جسرًا جويًّا من طرطوس السورية إلى بورتسودان مكون من 20 طائرة سيكتمل في الأيام القادمة ضمن الرحلات الخمسة التي اكتملت. وقال ضابط في الجيش السوداني إن القاعدة الروسية تتكون من نحو 60 عسكريًّا تحيطها حراسة مشددة وسط تكتم شديد وغياب للمعلومات بالنسبة إلى ضباط البحرية السودانية.

في المقابل، يبدو أن واشنطن تحركت أخيرًا، إذ أوردت وكالة الأنباء السودانية الرسمية "سونا" أن رئيس مجلس السيادة الانتقالي الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان استقبل في مكتبه الأحد الماضي القائم بأعمال السفارة الأميركية في الخرطوم براين شوكان. وأضافت: "تناول اللقاء العلاقات الثنائية بين البلدين وسبل دعمها وتطويرها في كافة المجالات والقضايا ذات الاهتمام المشترك".

ما يعتقد أنها كواليس اللقاء بين البرهان والقائم بالأعمال الأميركي، انفرد بها حساب البعشوم على اليوتيوب، إذ أوضح في آخر تسجيل له أن الساعات الأخيرة شهدت اجتماعًا جرى مع أفراد القوة الروسية لتقييد نشاطهم وحركتهم في السودان، وأنه تم تغطية المدرعات الروسية بقاعدة فلامينغو بـ"مشمعات"، دون أن يوضح مزيدًا من التفاصيل.

الأرجح أن الولايات المتحدة التي أبدت اهتمامًا كبيرًا بالسودان في الفترة الأخيرة لن تفرط فيه بسهولة لروسيا، فبعد أن رفعت أميركا اسم السودان من قائمة الإرهاب أقرت عبر الكونغرس قانون "الانتقال الديمقراطي في السودان"، كما قدمت مساعدات مالية للسودان بقيمة 1.15 مليار دولار، لذلك يعتقد أن القائم بالأعمال الأميركي ضغط على البرهان لتقييد أنشطة الروس توطئة لإلغاء التفاهمات بشأن القاعدة البحرية.

الشارع السوداني يدرك أيضًا لعبة التنافس الأميركي الروسي على السودان الذي يتمتع بموقع استراتيجي، وإذا خُيّر المواطن السوداني بين أن تكون بلده حليفة للولايات المتحدة أو لروسيا سيختار بلا تردد الأولى، نسبة إلى السمعة السيئة التي اكتسبتها روسيا في كل البلدان التي تدخلت بها، إلى جانب مطامعها الظاهرة للعيان في الثروات السودانية خاصة المعادن مثل الذهب واليورانيوم، والأسوأ من ذلك أن موسكو تعمق صِلاتها في السودان بقوات الدعم السريع ذات السمعة السيئة أيضًا.

الولايات المتحدة ليست ملاكًا بريئًا، لكنها على الأقل تتعامل مع الجيش النظامي في السودان، كما أنها لم تتورط من قبل في قمع ثورة أو انتفاضة شعبية، وتقوم العلاقات معها على مبدأ المصالح حتى إن لم تكن متكافئة تمامًا. لذلك كانت مفهومة الضجة الكبيرة التي أثارها خبر إنشاء القاعدة الروسية في السودان، وهي ضجة لم يفلح نفي مجلس الأمن والدفاع في إيقافها، ولعلها لن تتوقف حتى يتم التأكد من إلغاء خطط توقيع اتفاق القاعدة الروسية من الجانب السوداني بصورة رسمية ومغادرة أفراد القوة الروسية.