في إحدى الندوات الحزبية التي عقدت لدعم الأشقاء الفلسطينيين عام 2000 كان لقائي الأول مع الشيخ حافظ سلامة، قائد المقاومة الشعبية بالسويس إبان الاحتلال الإسرائيلي، كنت حينها طالبًا في السنة الثالثة بكلية الإعلام، جامعة القاهرة، وطُلب مني تغطية هذه الندوة لا سيما أن المشاركين فيها ممن يشار لهم بالبنان في النضال العروبي.

كنت قد قرأت وسمعت كثيرًا عن المناضل السويسي الشهير، وتاريخه السياسي والشعبي الحافل بالمحطات والتجارب، لكن شتان شتان بين السمع والمعاينة، توقعت في البداية أنني سأقابل شيخًا كهلًا، فالرجل حينها كان يبلغ من العمر 75 عامًا، لكنني فوجئت حين وجدت أمامي شابًا في ريعان قوته، وجدارًا صلبًا في الدفاع عن الحق الذي يراه.

كانت كلماته الحماسية تلهب الحضور، ورغم نحول جسده، فإن صوته القوي وحضوره الطاغي خيما على جميع الحاضرين كأن على رؤوسهم الطير وهم يستمعون إلى الكلمات الصادرة عن الشيخ المناضل تزلزل جدران القاعة، حتى أسرت عقول وأفئدة الموجودين، فما خرج من القلب وقر في القلب كما يقول علماء اللغة.

بالأمس.. غيب الموت الشيخ حافظ عن عمر ناهز 96 عامًا بعد إصابته بفيروس كورونا المستجد (كوفيد 19) في 13 من أبريل/نيسان الحاليّ، حيث نقل إلى أحد المستشفيات بالقاهرة للعلاج، وستشيع جنازته اليوم من المسجد الكبير بمدينة السلام بالسويس.

يرتبط الشيخ بأبناء السويس، مسقط رأسه، برباط قوي من المشاعر والاحتواء، فلديه رصيد كبير في قلوب أهالي المدينة الباسلة، نظرًا لدوره الجهادي الملموس في الزود عنها وعن الوطن بأكمله، سواء ضد الاحتلال الإنجليزي لمصر أم الإسرائيلي، ومن ثم ظل حتى وفاته عنوانًا مضيئًا للمقاومة والوطنية والنضال.

النضال ضد الاحتلال الإنجليزي

ولد قائد المقاومة، وشيخ المقاوميين (كما يُلقب)، بمدينة السويس، في 6 من ديسمبر/كانون الأول 1925، لأسرة دينية وطنية من الطراز الأول، فنهل منها معاني النضال والزود عن تراب الوطن، ساعده على ذلك نشأته الدينية المستنيرة، فقد التحق بالأزهر ودرس العديد من العلوم الشرعية والدينية في آن واحد، ثم عمل واعظًا بالأزهر ليترقى بعد ذلك حتى وصل إلى منصب مستشار شيخ الأزهر لشؤون المعاهد الأزهرية، وظل به حتى تقاعد عام 1978.

رفض حافظ الخروج مع عائلته وأهالي السويس من المدينة بعدما أصبحت إحدى مناطق الصراع بين الحلفاء والمحور خلال الحرب العالمية الثانية، حيث وقعت مصر من نصيب المحتل الإنجليزي، ما دفع سكانها للهجرة، لكن الشاب الذي لم يتجاوز عمره الـ19 عامًا وقتها فضل البقاء في السويس.

حين بلغ 23 عامًا انضم إلى جماعة "شباب محمد" (أنشأها مجموعة من الأشخاص المنشقين عن الإخوان المسلمين وحزب مصر الفتاة) كان ذلك عام 1948، ليضع أول أقدامه على طريق النضال والمقاومة، بعدما فرض نفسه كأحد الكوادر الشابة المؤثرة.

من خلال تلك الجمعية التي أنشأها حسين محمد يوسف شارك حافظ في المقاومة ضد المحتل الإنجليزي الذي كان جاسمًا على صدور المصريين في ذلك الوقت، واستطاع في وقت قصير أن يحقق العديد من الانتصارات الرمزية والمعنوية كان لها صداها في الزود عن السويس.

بعد وقت قصير من انضمامه لـ"شباب محمد" أُعلن قيام دولة "إسرائيل" المحتلة فوق الأراضي الفلسطينية، فيما أعلنت بعض الجيوش العربية الحرب ضد المحتل الصهيوني الجديد، حينها طلب حافظ الانضمام إلى صفوف الفدائيين والسفر لقتال العصابات اليهودية في فلسطين، لكن قادة جماعته طلبوا منه التريث في هذه الخطوة خاصة في ظل بقاء المحتل الإنجليزي في مصر.

مقاومة المحتل الإسرائيلي

إرهاصات الدور النضالي للشيخ حافظ في مقاومة الإسرائيليين بدأت عام 1944، حين قابل أحد الحجاج الفلسطينيين في السويس (كان الفلسطيينون يمرون من السويس عبر شريط سكك حديد يستخدمه الحجاج للذهاب إلى الأراضي المقدسة) حيث طُلب منه توفير "حجارة الولاعات" من أجل استخدامها في صناعة القنابل لمقاومة المحتل.

حينها استهل الشيخ مشواره النضالي من خلال توريده لتلك الحجارة بجانب إمداده للمقاومة الفلسطينية بالسلاح، وهو ما عرضه للسجن ذات مرة حين قبض عليه، وصدر بحقه حكمًا بالحبس 6 أشهر، لكن أفرج عنه بعد أقل من شهرين فقط، بعد وساطة أحد أمراء العائلة المالكة في مصر.

ورغم هذا الدور، فإن ذلك لم يشفع له عند نظام الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، فقد اعتقل بعد تولي الرئيس الجديد مقاليد الحكم إثر الإطاحة بالحكم الملكي، في إطار الاعتقالات والتصفيات التي نفذها النظام الناصري ضد الإسلاميين، وظل بالسجن حتى هزيمة 1967، فيما تم حل جماعة "شباب محمد"، لكن الشيخ حين خرج لم يستسلم للأمر الواقع ودشن جمعية أخرى أسماها "الهداية الإسلامية".

عقب الهزيمة لعب الداعية المناضل دورًا كبيرًا في الشحن المعنوي للجيش المصري، من خلال تنظيم قوافل توعية دينية للضباط والجنود تركز على فضل الجهاد وأهمية المعركة مع اليهود وكيفية الإعداد لها، وكان يشارك في تلك القوافل رموز دعوية كبيرة على رأسها شيخ الأزهر عبد الحليم محمود والشيخ محمد الغزالي والشيخ حسن مأمون والدكتور محمد الفحام والشيخ عبد الرحمن بيصار وغيرهم.

كان لتلك الجولات الدعوية دورها الملموس في استعادة الجيش ثقته بنفسه مرة أخرى، وعبور مرارة الهزيمة سريعًا، وعن هذا الدور يقول قائد الجيش الثالث الميداني اللواء عبد المنعم واصل: "الشيخ حافظ سلامة كان صاحب الفضل الأول في رفع الروح المعنوية للجنود على الجبهة، بل إن الجميع كانوا يعدونه أبًا روحيًا لهم في تلك الأيام العصيبة".

حافظ سلامة

معركة السويس.. أبرز المحطات

تعد معركة السويس (22 - 28 من أكتوبر/تشرين الأول 1973م) أبرز المحطات المضيئة في مسيرة الشيخ حافظ النضالية، فحين دخل المحتل الإسرائيلي المدينة إبان حرب 1973، ونجحت قواته في التسلل إلى الضفة الغربية للقناة بعد نجاح الجيش المصري في عبورها وتحطيم خط بارليف، كان المناضل المؤمن بقضيته على رأس المقاومين الرافضين لتسليم المدينة للقوات الإسرائيلية، ونجحوا في إخراجهم منها.

كانت السويس في ذلك الوقت الأمل الأخير للإسرائيليين لاستعادة وجودهم ميدانيًا مرة أخرى بعد الانتصارات الميدانية التي حققها المصريون في ذلك الوقت، فاحتلال هذه المدينة كان سيمهد لحصار الجيش الثالث الميداني في سيناء، ويفتح الباب أمام المحتل إلى القاهرة، وقد وثق الشيخ تفاصيل تلك المعركة في كتابه "ملحمة السويس فى حرب العاشر من رمضان : حقائق ووثائق للعبرة والتاريخ".

وصف رئيس أركان حرب القوات المسلحة - آنذاك - سعد الدين الشاذلي هذا الدور قائلًا: "الشيخ حافظ سلامة رئيس جمعية الهداية الإسلامية، إمام وخطيب مسجد الشهداء، اختارته الأقدار ليؤدي دورًا رئيسيًّا خلال الفترة من 23– 28 من أكتوبر/تشرين الأول عام 1973، عندما نجحت قوات المقاومة الشعبية بالتعاون مع عناصر من القوات المسلحة في صد هجمات العدو الإسرائيلي وإفشال خططه من أجل احتلال المدينة الباسلة".

دعم القضية الفلسطينية

كان الشيخ حافظ أبرز المصريين الداعمين للقضية الفلسطينية والداعين لنصرتها ومقاومة المحتل الإسرائيلي، وظلت جهوده المادية والمعنوية الداعمة للفلسطينين مستمرة طيلة حياته، بل كان من جلادي الأنظمة المتخاذلة عن نصرة القضية العربية الأم في العصر الحديث.

لم يمنعه كبر سنه من مواصلة هذا الدعم ففي ديسمبر/كانون الأول 2012 كان على رأس وفد لزيارة قطاع غزة للتضامن مع الفلسطينيين، وللوقوف على آثار الاعتداءات الاسرائيلية وتقديم المساعدات للفلسطينيين في القطاع بعد الاعتداءات التي تعرضوا لها على أيدي قوات المحتل.

الكاتب الصحفي المصري أسامة الهتيمي، يستعرض بعض ذكرياته مع شيخ المقاومين قائلًا: "ذات مرة وفي بداية عام 2009 تقريبًا تواصلت معه - رحمه الله - لإجراء حوار لإحدى المجلات العربية، فأخبرني أنه سيكون في القاهرة يوم كذا لزيارة المصابين من الفلسطينيين الذين أصيبوا في غارة جوية شنها الكيان الصهويني على قطاع غزة الذين تم احتجازهم في مستشفى السلام بمدنية السلام للعلاج، فاستشعرت ضيقًا وحرجًا، فالطريق من قلب القاهرة للسلام طويل لكن لا يمكن أن أعتذر لمثل الشيخ حافظ سلامة لمبرر كهذا".

وأضاف في مقال له على صفحته على فيسبوك "فاعتزمت الذهاب في الموعد المحدد للقائه - رحمه الله - وقد أعددت أسئلة الحوار وقد تزامن وصولي للمستشفى مع وصول الشيخ - رحمه الله - ليقدر الله لي أن أشاهد بعيني كم الحفاوة في استقبال الشيخ من إدارة المستشفى ونزلائها من الفلسطينيين والمصريين، فقد بدا الأمر كأن من يزور المستشفى أحد القيادات التنفيذية العليا".

وتابع "استشعرت حالة فخر واعتزاز وأنا في صحبة الشيخ والوفد المرافق له، بل ونسيت وقتها أنني صحفي جاء ليجري حوارًا صحفيًا مع الشيخ، فعشت اللحظة وتخيلت كأنني في صحبة الشيخ أشاركه في مهمته الإنسانية التي يقوم بإعلان التضامن مع المصابين الفلسطينيين وتقديم يد العون لهم، والحقيقة أنها كانت لحظات جميلة، فما أجمل أن تشعر بأنك تساهم فعلًا وواقعًا في نصرة قضية بحجم وقدر القضية الفلسطينية".

 

ثورة يناير

كان الشيخ حافظ من داعمي ثورة يناير 2011، فقد سارع بالانضمام مبكرًا إلى المعتصمين المطالبين بتنحي حسني مبارك عن الحكم في ميدان التحرير، كما شارك كذلك في مجموعات الدفاع الشعبي الموكلة بحماية وتأمين الأحياء السكنية في السويس خلال فترة الانفلات الأمني التي أعقبت الثورة.

طالب المناضل المصري بالقصاص من قتلة شهداء الثورة، كما شارك فيما أطلق عليه "جمعة الزحف" في 4 من مايو/آيار 2012، وهي التظاهرة التي خرجت للمطالبة بالثأر لشهداء العباسية الذين سقطوا على أيدي البلطجية في الوقت الذي وقفت فيه قوات الشرطة العسكرية والجيش وقتها دون تدخل، الأمر الذي أثار غضب المصريين حينها.

لم يكن النضال والمقاومة وحدهما العنوان الأبرز لمسيرة الشيخ حافظ سلامة، بل كانت أياديه البيضاء وأعماله الخيرية عنوانًا آخر لا يقل بروزًا عن العنوان السابق، إذ شارك في العديد من الجمعيات الخيرية في السويس وغيرها، وكانت له إسهامات مجتمعية جليلة.

ومنذ حرب 1973 بدأت أعماله الخيرية من خلال جمعية الهداية الإسلامية التي أسسها بعد خروجه من السجن، فأسس عددًا من المساجد والمراكز الإسلامية الكبيرة والمتميزة في شتى ربوع البلاد، على رأسها مسجد الفتح بميدان رمسيس، وهو صاحب أعلى مئذنة في مدينة القاهرة، وكذا مسجد النور بالعباسية، هذا بخلاف عشرات المدارس والملاجئ ودور رعاية ذوي الاحتياجات الخاصة ومراكز التأهيل المهني.

وفي الأخير.. ظل شيخ المقاوميين حتى وفاته رمزًا للنضال وعنوانًا كبيرًا للجهاد وأيقونةً مشتعلةً للجهاد والمقاومة ضد الاحتلال، لا تنطفئ جذوتها إلا بتحرير الأرض من دنس المحتل، وهي الرمزية التي تتناقلها الأجيال، جيل وراء جيل، لتُبقي حالة الزخم الوطني والعروبي باقية، مهما حاولوا وأدها باتفاقيات التطبيع والمهادنة أيًا كانت الأسباب.