لم تكن خارطة الطريق التي وضعتها بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا سهلة التنفيذ لصعوبة بناء أرضية ثقة بين فرق المتحاورين المؤلفة من 75 شخصًا، لكن عدة قواعد كانت حاضرة بين الليبيين أنفسهم مثل كراهة الحرب التي أصبحت مرادفًا للساحات الليبية المترامية الأطراف، وفشل لجان الحوار في فترة المبعوثين السابقين في إجراء التعديلات على اتفاق الصخيرات، ما جعل المبعوثة الأممية ستيفاني ويليامز تضع نقطة النهاية في بداية مشوار الحوار: تحديد موعد الانتخابات البرلمانية والرئاسية في 24 من ديسمبر/ كانون الأول 2021، منهية بذلك عشر سنوات من مرحلة انتقالية ثقيلة على كل الأصعدة.

وجاء بعدها  قرار مجلس الأمن الأخير مذكرًا بكل القرارات السابقة منذ عام 2011، ومؤكدًا على مسؤولية حكومة الوحدة الوطنية في إنجاز الأعمال التحضيرية اللازمة للانتخابات.

الحكومة وطبيعة تشكيلها

رجحت كثير من التوقعات الصعوبات التي تواجه السيد عبد الحميد دبيبة في تشكيل حكومته، لقيامها على الجمع بين المتناقضات في أعضائها الذين يقفون مع أحد الطرفين في ليبيا، ومن جهة أخرى التصويت عليها داخل البرلمان الذي بقي لسنوات جدارًا تصطدم به حكومة السراج إلى أن سلمت مهامها.

لكن ظاهريات تحليل المشهد تبددت سريعاً، من خلال الإعلان عن الحكومة الموسعة لفترة قصيرة مغلقة الباب في وجه أي اعتراض، وبقي الخلاف على مكان عقد جلسة التصويت محل تجاذب بين الأعضاء، إلى أن عُقدت بمدينة سرت مثلما أراد رئيس البرلمان عقيلة صالح منذ البداية.

ليرتسم المشهد بعملية طردية في عدد أعضاء الحكومة الذي وصل إلى 35 شخصًا -والتي قسمت بعض وزراتها مثنى وثلاثًا لتوزع على الأقاليم- مع وصول عدد المصوتين إلى 132 من أصل 133 نائبًا.

وهنا يتجسد شكل التراضي والمحاصصة الطاغيَين على التوافق بكل أبعاده، وليس بخفي عن الكثيرين إلا أن أماني الليبيين وأنظارهم بقيت متجهة نحو الحكومة علها تكون القاطرة التي تقلهم لبناء دولة مستقرة على حساب أي تفاصيل أخرى.

صورة
البرلمان يمنح الثقة لحكومة الوحدة الوطنية

أول خطوات الحكومة

قدم السيد دبيبة منظورات متعددة للعمل، سياسية واقتصادية ومصالحة وطنية، وركز على عودة الاستثمار ورجال الأعمال إلى ليبيا، وبدأ بأهم ملف يهدد حياة الليبيين والعالم أجمع: ملف جائحة كوفيد 19، مقيلًا اللجنة العليا التي كلفها السراج ومعيدًا صلاحيات المركز الوطني للأمراض السارية، وأمّن كميات من التطعيمات من خلال زيارتيه إلى الإمارات وتركيا بلغت 350 ألف جرعة على أن يتم تأمين دفعات ثانية في فترة لاحقة. 

في ظل تردي الوضع المعيشي للمواطنين، قررت الحكومة زيادة مرتبات العاملين في الوحدات الإدارية العامة بالدولة بنسبة 20% من قيمة المرتب الإجمالي، لإحداث توازن نسبي مع الشرائح الأخرى ذات الدخل الأعلى، وبقيت الزيادة معلقة حتى صدور الموازنة العامة.

مع اقتراب دخول شهر رمضان أطلق رئيس الحكومة مبادرة "هدية رمضان" بقيمة 100 مليون دينار، تستهدف إعانة 200 ألف أسرة ليبية تشمل الأسر المعوزة وأسر النازحين، وما زالت الأموال لم تسيّل حسب ما اتفق عليه مع عدد من المؤسسات الليبية منذ بداية شهر رمضان.

صورة
أول اجتماع لحكومة الوحدة الوطنية الليبية

استعصاء الموازنة

أراد رئيس الوزراء الجديد استعادة أجواء الانفتاح الاقتصادي على عدد من  الدول من خلال الخلفية الاستثمارية التي عمل بها سابقًا، فقدم مشروع الموازنة العامة بقيمة 100 مليار دينار ليبي، أي ما يقارب 22 مليار دولار.

ليعيد البرلمان المشروع إلى الحكومة، طالبًا منها توضيح وتعديل البنود والأرقام في بعض الأبواب، موصيًا بإيجاد مصادر تمويل إضافية بديلة للنفط وتقليص الموازنة إلى ما يقارب 79 مليار دينار.

يرى مراقبون بمقاييس التحليل الاقتصادي أن الرقم الذي قدمته الحكومة كبير على فترة زمنية لا تتجاوز الـ 9 أشهر، بينما يبرر رئيسها كبر الرقم وزيادة عدد الوزارات بتعدد الملفات التي يعملون عليها، وعلى رأسها التحضير للانتخابات ودعم عمل المفوضية العليا.

بالمقابل أيضًا، ما قام به مجلس النواب من إعادة للموازنة ليس لحرصه المطلق على عدم هدر المال العام، بل هو صيغة متجددة من المساومات على تعيينات منتظرة في الحساسية العالية ذاتها متمثلة بالمناصب السيادية والوزارات والهيئات العامة.

صورة
البرلمان يرفض مشروع الموازنة العامة

علاقة السلطات الثلاث

ما أنتجه الحوار السياسي في جنيف هو حالة من فك الارتباط الذي قام على أساسه الشكل السابق لاتفاق الصخيرات، والذي يجمع الصلاحيات الرئاسية والتنفيذية بشخص واحد، لتنتهي بذلك عقدة ومأزق الطرف المعارض المتمثل بمجلس النواب المتمثل برئيسه. 

فلم يعد منصب رئيس المجلس الرئاسي تنافسيًّا بل صار متممًا ومكملًا للمشهد بصلاحيات دبلوماسية وتمثيلية، يجعل السيد عقيلة صالح أكثر اطمئنانًا بأن السيد المنفي لن يكون خارج خط سيرهم، فضلاً عن أنه من أبناء المنطقة الشرقية وافتتح عهد رئاسته بزيارة الجنرال خليفة حفتر في مقره بالرجمة، وهي زيارة خلقت زوبعة في الغرب الليبي وأظهرت بعض خيوط التحالفات في الشرق.

 

 

وكانت زيارات السيد دبيبة السريعة والمكوكية من مصر إلى الخليج إلى تركيا إلى روسيا، محاولة تصفير الخلافات بين دول المتناحرة المصالح في ليبيا، مع إعادة بحث في المشاريع الاقتصادية والاستثمارية المتوقفة منذ عام 2011.

فولّدت زيارته إلى تركيا ردة فعل من اليونان التي قدمت دعوة للسيد المنفي الذي كان سفيرًا فيها وطُرد عقب توقيع اتفاقيتي التعاون الأمني وترسيم الحدود.

والاتفاقيات الخمس الموقعة مع تركيا قابلتها إحدى عشرة اتفاقية مصرية، وقّعت في طرابلس خلال زيارة رئيس الحكومة المصرية مصطفى مدبولي.

صورة
رئيس الحكومة المصرية بزيارة رسمية لطرابلس

جهود بناء الثقة

يظهر الخط المنتقد للسلطة الجديدة رأيه بأن ترتيب البيت الداخلي اقتصاديًّا وأمنيًّا واجتماعيًّا أسبق وأكثر إلحاحًا من بروتوكولات العلاقة الإقليمية والدولية، وأن هذه الاتفاقيات ما هي إلا اقتصاديات منفعة لشراء مواقف سياسية قد لا تكون حقيقية ذات ديمومة.

وقد تخلق الدبلوماسية الإقليمية والدولية المنفتحة والعائدة لليبيا حالة إيجابية من ناحية رفع معنويات المواطنين والجهات الرسمية، لكن حيزها لن يكون إنقاذًا بقدر ما هو مراقبة التقارير التي تقدمها البعثات العائدة لدولها، مثلما كانت الأمور تتابع من خارج ليبيا.

بل إن ما حدده رئيس الوزراء شروطًا لاختيار وزرائه وطريقة عملهم من كل المناطق الليبية، استعصى عليه في أول زيارة لبنغازي حيث مُنع وفد التحضيرات من الدخول للمطار وعادت طائرتهم من حيث جاءت.

فجاء الرد على لسان الناطق باسم الحكومة محمد حمودة "أن الاجتماع في بنغازي أرجئ وسيتم التحضير لموعد آخر دون ذكر تفاصيل".

صورة
منع وفد حكومة الوحدة الوطنية من الدخول لمطار بنينا

وهذا مؤشر خطير على حالة الاستعداء المناطقي القائمة سياسيًّا ويتم تسعيرها اجتماعيًّا كلما سنحت الفرصة، وستبنى عليها خلافات كلما جد السير باتجاه استحقاقات المرحلة القادمة.

نهاية النفق.. الانتخابات

ضمن متعرجات النفق الليبي هناك محطتان رئيسيتان وبثالثتهما تتوضح الأشياء، لتشكل جميعها سلسلة متكاملة لا استثناء ولا قفز إلى إحداها دون المرور بالأخرى.

المحطة الأولى: خروج جميع المقاتلين الأجانب من الأراضي الليبية، والتي تقدر بعثة الأمم المتحدة عددهم بـ 20 ألف مقاتل من جنسيات متعددة في شرق البلاد وغربها.

وأكدت على ذلك وزيرة الخارجية الليبية نجلاء المنقوش في كلمة أمام مجلس النواب الإيطالي في روما، على ضرورة إخراج كافة القوات الأجنبية من ليبيا، وأن الأمر يحتاج الكثير من الوقت والجهد.

ومن غير المجدي التعامل مع دولة دون أخرى في طلب خروج سوف يعيد الاصطدام السياسي الخارجي، وتكون منعكساته مباشرة على الداخل الليبي.

المحطة الثانية: توحيد المؤسسة العسكرية في البلاد تحت قيادة مدنية تكون صاحبة الصلاحيات والقرار في أي تحرك يطلب من القطاعات العسكرية.

وكل ما يتم إلى الآن في إطار اجتماعات لجنة 5+5 العسكرية هو سحب فتيل الحرب السابقة وبناء الثقة، أما مشوار التوحيد فيتضح أنه طويل وتتبدى عثرته بشخص الجنرال خليفة حفتر الذي يبحث لنفسه عن مساحة سياسية أكبر من خلال الانتخابات.

صورة
المنفي ودبيبة يجتمعان مع لجنة 5+5

المحطة الثالثة: الانتخابات والقاعدة الدستورية القائمة عليها

أنهت اللجنة القانونية المشتركة بناء القاعدة الدستورية اللازمة للانتخابات، وقدمتها لملتقى الحوار السياسي.

خلصت الاجتماعات لاتفاق نسبي وتباين وجهات النظر حول إجراء الانتخابات الرئاسية بشكل مباشر من الشعب أم عن طريق مجلس النواب، وحول الاستفتاء على الدستور. وبعدها حسمت لصالح الانتخابات الرئاسية مباشرة ومن ثم الاستفتاء على الدستور.

هذا الخط الصاعد من العمل السياسي يرسم ملامح استقرار واعدة، ولكن المشهد الليبي المنتقل من الصراع بحدة إلى حل سياسي بسرعة، يولد أسئلة مربكة قد يكمن الشيطان في تفاصيلها.