تبذل سلطنة عُمان جهودًا دبلوماسية مكثفة خلال الفترة الأخيرة في أكثر من مسار وعلى مختلف المستويات، تستهدف تحريك المياه الراكدة في عدد من الملفات أبرزها الملف اليمني والاتفاق النووي ومستقبل العلاقات الخليجية الأمريكية في الولاية الجديدة لإدارة جو بايدن.

وتحولت مسقط خلال الأيام القليلة الماضية إلى قبلة للعديد من المسؤولين ومسرح للعديد من الاجتماعات، مستغلة ما تتمتع به من ثقة لدى الجميع لما نجحت فيه سابقًا بشأن الحفاظ على توازن علاقاتها مع جميع أطراف النزاع في شتى ملفات المنطقة الحساسة.

ونجحت مسقط في إحياء حراكها الدبلوماسي أواخر عهد السلطان الراحل قابوس بن سعيد، بعد عقود طويلة كانت تتهم فيها السلطنة بالانكفاء على الذات من خلال النأي عن التجاذبات الإقليمية والدولية، إلا أن الأمر تغير بصورة لافتة.

ويتصدر الملف اليمني الذي يشهد مساعٍ للحلحلة من أطراف عدة جدول أعمال الاجتماعات التي عقدت في العاصمة العمانية خلال الفترة الماضية، فيما تذهب بعض التقديرات إلى قدرة الوساطة العمانية على إلقاء حجر كبير في مياه هذا الملف الراكدة.. فهل تنجح دبلوماسية مسقط الهادئة في إحداث الفارق؟

تحركات دبلوماسية

منذ اللقاء الذي جمع وزير الخارجية الأمريكي الأسبق جون كيري ووفد جماعة الحوثي برئاسة كبير المفوضين محمد عبد السلام، أواخر عام 2016 في العاصمة العمانية وتحولت مسقط إلى مركز رئيسي للاجتماعات بين أطراف النزاع اليمني من جهة والمبعوثيين الدوليين من جهة أخرى.

وشهدت الساحة العمانية عشرات اللقاءات السرية التي ضمت وفودًا غربيةً وإقليميةً، كان آخرها الاجتماع الذي ضم المبعوث الأمريكي الجديد إلى اليمن تيموثي ليندركينغ مع وفد الحوثيين وذلك لمناقشة المبادرة السعودية لحل الأزمة، وهي اللقاءات التي أسفرت عن مؤشرات إيجابية بشأن التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار.

ويتمسك الحوثيون في موقفهم بشأن المبادرة السعودية بضرورة فتح مطار صنعاء وميناء الحديدة كشرط للانخراط في ترتيبات الحلحلة، فقد أشار كبير مفوضي الجماعة أنه لا مكان لأنصاف الحلول بشأن الوضع الإنساني، فيما أكدت الرياض تشبثها بالدخول في المسار التفاوضي دون شروط مسبقة.

ورغم الاتهامات الماضية بشأن دعم السلطنة للحوثيين على حساب الحكومة الشرعية المدعومة خليجيًا، فإنها نجحت في كسب ثقة جميع الأطراف، بعدما أبدته من حسن إدارة لمسار الوساطة على أرضية مشتركة ومسافة واحدة من جميع الأطراف، وهو ما دفع القوى الدولية للوثوق بها لأداء هذا الدور.

تميزت التحركات الدبلوماسية العمانية بشيء من السرية والصمت في معظم مساراتها، لكن مؤخرًا كشفت السلطنة تلك الجهود بشكل رسمي علني، في تحول يراه البعض مؤشرًا على نجاح تلك الجهود

وخلال الأشهر الثلاث الماضية استقبلت مسقط العديد من الزيارات الإقليمية لمناقشة الأزمة اليمنية وبعض الملفات الأخرى، وكان فبراير/شباط الماضي على وجه التحديد الأكثر حراكًا، فقد شهد زيارة وزير الخارجية الكويتي الشيخ أحمد الناصر، في 28 من الشهر.

وفي 24 منه حل وزير خارجية السعودية الأمير فيصل بن فرحان آل سعود ضيفَا على نظيره العُماني، وقبل ذلك بعشرة أيام تقريبًا، كان وزير خارجية الإمارات عبد الله بن زايد آل نهيان يجري زيارة سريعة للعاصمة العمانية لمناقشة بعض الملفات.

وفي 10 من فبراير/شباط الماضي كانت مسقط إحدى محطات وزير خارجية تركيا مولود تشاووش أوغلو، ضمن جولته الخليجية التي أجراها وشملت بجانب السلطنة، الكويت وقطر، إذ تباحث مع المسؤولين في الدولة الخليجية حزمة من الملفات والقضايا المشتركة.

وزيرا خارجية عمان والكويت

من السر للعلن

تميزت التحركات الدبلوماسية العمانية بشيء من السرية والصمت في معظم مساراتها، لكن مؤخرًا كشفت السلطنة تلك الجهود بشكل رسمي علني، في تحول يراه البعض مؤشرًا على نجاح تلك الجهود في كسر حالة الجمود التي خيمت على المشهد خلال الفترة الماضية.

السلطنة ومن المرات القليلة كشفت أنها تعمل مع السعودية بهدف الوصول إلى حلول عاجلة للوضع في اليمن، بحسب البيان الصادر عن وكالة الأنباء العمانية الرسمية التي قالت: "السلطنة مستمرة في العمل عن كثب مع المملكة العربية السعودية والمبعوثين الأممي مارتن غريفيث والأمريكي تيموثي ليندركينغ الخاصين باليمن والأطراف اليمنية المعنية بهدف التوصل إلى تسوية سياسية شاملة للأزمة في اليمن".

يتوقف نجاح مسقط من عدمه في حلحلة الأزمة اليمنية على قدرتها على إقناع الرياض وطهران بالتخلي عن الملف اليمني كورقة ضغط يمكن توظيفها في صراع النفوذ بين القوتين إقليميًا

البيان المنشور على الحساب الرسمي للوكالة على منصات السوشيال ميديا أضاف "السلطنة تأمل في أن تحقق هذه الاتصالات النتيجة المرجوّة في القريب العاجل وبما يعيد لليمن الشقيق أمنه واستقراره ويحفظ أمن ومصالح دول المنطقة".

الانتقال من السر للعلن في المسار اليمني يعكس حالة من التناغم والتنسيق الجيد بين أطراف الأزمة اليمنية والمراقبين الدوليين، وهو التطور الذي ربما يحمل الكثير من الدلالات بشأن احتمالية تحقيق نجاحات نسبية في هذا الملف بعد أكثر من 10 سنوات من المعارك سقط فيها عشرات آلاف القتلى، جزء كبير منهم من الأطفال والنساء، وأضعافهم من المصابين، فضلًا عن الملايين من المشردين.

الصحفي العماني والباحث في الشؤون الدولية سالم بن حمد الجهوري، يرى أن الجهود الدبلوماسية العمانية ليست جديدة، إنما تعود إلى اندلاع الأزمة اليمنية التي انطلقت قبل نحو 6 سنوات، لكن العامين الماضيين ارتفعت وتيرة تلك الجهود، عندما زار نائب وزير الدفاع السعودي والتقى بالسلطان قابوس في نهاية 2019.

وأضاف الجهوري أن الحراك العماني هو استكمال للجهود التي بذلتها الكويت والأمم المتحدة، لافتًا إلى أن السياسة العمانية في التعاطي مع كل الملفات الإقليمية تتميز بفلسفة معينة، فهي لا تفرض نفسها على أي ملفات إلا حين يطلب منها،لافتًا إلى أن الأمم المتحدة وإدارة الرئيس الأمريكي جو بايدن طلبتا من مسقط أداء دور الوساطة لإنهاء هذا الملف الذي بات يمثل صداعًا للجميع، بحسب تصريحاته لقناة "فرانس 24".

وأكد الباحث العماني أن التواصل البناء بين السلطنة والحوثيين من جانب، والسعوديين من جانب آخر، عمّق منسوب الثقة في قدرتها على القيام بهذا الدور، الأمر الذي زاد من مصداقية أطراف النزاع أو المؤسسات الدولية في قدرات مسقط الدبلوماسية رغم الاتهامات التي تعرضت لها في السابق.

يمكن القول إن الدبلوماسية العمانية، بما تتمتع به من مؤهلات، تمتلك القدرة على إحداث الفارق في هذا الملف، إن توافرت الإرادة السياسية لدى طرفي النزاع، وهو ما يجعل المهمة صعبة أمام المفاوض الوسيط وإن لم تكن مستحيلة في ظل الرغبة الأمريكية في طي هذه الصفحة التي باتت "وصمة عار" في جبين الجميع.

ويتوقف نجاح مسقط من عدمه في حلحلة الأزمة اليمنية على قدرتها على إقناع الرياض وطهران بالتخلي عن الملف اليمني كورقة ضغط يمكن توظيفها في صراع النفوذ بين القوتين إقليميًا - خاصة في ظل الظرفية السياسية والتاريخية التي ربما تدفع الطرفين للتراجع خطوة للخلف في هذا الملف تحديدًا - فهل ينجح العمانيون في هذا الاختبار من خلال الجهود الدبلوماسية المبذولة؟ هذا ما ستجيب عنه الأيام القادمة.