تواصل التحركات الاحتجاجية في الجزائر

تواصل التحركات الاحتجاجية في الجزائر

حاولت السلطات الجزائرية السيطرة مرارًا وتكرارًا على الحراك الشعبي المتواصل في البلاد منذ أكثر من سنتين بطرق مختلفة لكن دون فائدة تذكر، وها هي الآن تلجأ إلى خطاب "المؤامرة" و"العمالة للخارج" في وصفها للتحركات الحاصلة في البلاد من قبل نشطاء الحراك المطالبين برحيل النظام، أو احتجاجات العمال المطالبين بتحسين ظروف العيش، علّها تتمكن من تخفيف الضغط ضدها.

المؤامرة والعمالة للخارج

طغى حديث "المؤامرة" و"العمالة للخارج" على خطاب النظام في الجزائر خلال الفترة الأخيرة، وذلك في تفسيرها لما يجري في البلاد من احتجاجات وإضرابات، حيث قال رئيس المجلس الوطني لحقوق الإنسان (هيئة دستورية تتبع الرئيس) بوزيد لزهاري، إن بلاده تتعرّض لمؤامرة خارجية.

كما قال لزهاري خلال اجتماع مع هيئة وسيط الجمهورية إن "الجزائر تتعرض إلى مؤامرة قوية جدًّا من الخارج"، مضيفًا أن "هناك عناصر من لندن وباريس يقومون ببث السموم والكذب عبر الإنترنت، وهناك أزلام داخل الوطن تابعون لهم، وصلوا إلى حد القول بأنه هناك مناطق محررة ديمقراطيًّا في الوطن على غرار المقابر، وممنوع على أزلام النظام الدخول إليها".

وقبل ذلك كان رئيس الحكومة عبد العزيز جراد قد اتهم النقابات العمالية التي شنت سلسلة إضرابات في قطاعات مختلفة، كالصحة والتعليم والبريد والنقل، "بالسعي لاستغلال الحقوق النقابية لتعكير المناخ السياسي، وخدمة لأهداف واضحة، وإن كانت غير معلنة، ترمي إلى تعكير مناخ التغيير".

رغم الحراك الذي أطاح ببوتفليقة والعديد من رموز نظامه، بقيت هذه المصطلحات في الواجهة يلجأ إليها النظام كلّما وجد نفسه في مأزق.

بدورها وصفت وزارة الداخلية الحركة الاحتجاجية التي قام بها أعوان الدفاع المدني الأحد الماضي، بأنها "مفتعلة ومدفوعة من أطراف عدة لها حقد على الجزائر وبأجندات مغرضة"، وذهبت الداخلية الجزائرية إلى حد وصف الحركة الاحتجاجية بأنها "مدبّرة".

بالتزامن مع ذلك، نشرت مجلة الجيش، المتحدثة باسم وزارة الدفاع وهيئة الأركان، افتتاحية تحت عنوان "وسقطت الأقنعة"، حملت اتهامات صريحة لمن وصفتهم بـ"الأطراف التخريبية المسؤولة عن تحريض عمال وموظفي بعض القطاعات على شن إضرابات ظاهرها المطالبة بالحقوق وباطنها إفشال الانتخابات التشريعية وإدخال البلاد في متاهات هي في غنى عنها".

افتتاحية المجلة الناطقة باسم المؤسسة العسكرية بالجزائر، أكّدت أن "تلك الأطراف والجهات التي كانت تحضّر لتفجيرات ضد المواطنين وجهان لعملة واحدة غايتهم تركيع الجزائر باستخدام كل الطرق واستغلال كل الوسائل وتنفيذ عدة خطط تخريبية تهدف لتهييج الشارع وتعميم الفوضى".

وأشارت مجلة الجيش أن تلك الأطراف لجأت إلى "استخدام أساليب وخطط خلق ندرة في السلع ورفع الأسعار والحث على الإضرابات والإساءة والقذف في حق مؤسسات الدولة وقواتها الأمنية"، وأوضحت المجلة أن الجيش يدعم المشروع السياسي للرئيس عبد المجيد تبون "لبناء الجزائر الجديدة، والعملية متواصلة رغم أنف الأعداء الذين أخطؤوا في تقدير حجمهم الحقيقي وأفرطوا في التعاظم".

ضرب التحركات الشعبية

يرى الإعلامي الجزائري رياض المعزوزي أن سلطة بلاده أفلست في إيجاد بديل قد يحتوي الحراك، رغم أنها نجحت في تنظيم الانتخابات الرئاسية واستفتاء الدستور وهي على أبواب الانتخابات التشريعية الآن، لذلك أحيت كلام المؤامرة والتدخل الخارجي وغيرها من أجل الترخيص لاستعمال حلول كالعنف وفض الشارع وإنهاء المسيرات.

وفق المعزوزي، فإن "لكل دولة أعداء يترصّدون بها من الداخل والخارج، وهذه القضية تحاربها الدبلوماسية بحنكة سياسية والجهات الأمنية المختصة فيما يقتضي به القانون في إطار محاربة الجوسسة، والتدخل في الشأن السيادي، وهنا تكمن فطنة تلك المؤسسات، لكن أن تلتصق المؤامرة والأيادي الخارجية بكل شيء، حتى في نقص بعض المواد الاستهلاكية، والاحتجاجات القطاعية، فهذا غير مقبول".

 

يضيف الإعلامي الجزائري في حديثه لـ"نون بوست": "العصابة في عهد الرئيس المستقيل عبد العزيز بوتفليقة، كانت تستعمل عبارات التدخل الأجنبي والمؤامرة على وحدة البلد والعمالة كوقود للتحكم في الأوضاع وإرهاب الشعب، وهو الأمر نفسه الذي يعمل به النظام حاليًّا".

رغم الحراك الذي أطاح ببوتفليقة والعديد من رموز نظامه، بقيت هذه المصطلحات في الواجهة يلجأ إليها النظام كلّما وجد نفسه في مأزق، لأن السلطة وفق رياض المعزوزي "بدل أن تواجه الشعب بحلول لتحسين الأوضاع وإثبات نية التغيير الحقيقي اقتصاديًّا واجتماعيًّا تلبي بها مطالب الشعب، تلجأ للحل الأسهل وهو التشكيك في وطنية الجزائريين".

ويعتقد محدّثنا أن "الشعب الجزائري أصبح أكثر فطنة من كل هذا بدليل مواصلته للحراك والإضرابات رغم كل تلك التصرفات، فالحكومة الحالية أثبتت فشلها وتلك التصريحات دليل ذلك، وبات أحيانًا الوزير أو المستشار لا يزن حتى ما يقول بسبب التخبط في الفشل".

استدعاء خطاب العمالة للخارج والمؤامرة من شأنه أن يزيد من حدة التباين بين النظام الجزائري الساعي لإحكام سيطرته على البلاد.

يرى رياض المعزوزي أن العودة إلى خطاب المؤامرة والأيادي الأجنبية، مجرّد "سمفونية ميتة وعلى السلطة التقرب أكثر من الشعب ومطالب الحراك لتحقيق التقارب وإيجاد الحلول، عوض الإصرار على مواصلة القمع والتضييق على الناس".

ما مصير الحوار؟

في خضم هذه التطورات، أمر الرئيس عبد المجيد تبون خلال اجتماع لمجلس الوزراء الأحد الماضي ببدء "حوار" مع الشركاء الاجتماعيين، بهدف تحسين الأوضاع المهنية والاجتماعية لمنتسبي قطاعي التعليم والصحة، وفق ما جاء في بيان رسمي.

لكن تحركات السلطة وخطابها يبدو متناقضًا مع قرار تبون في خصوص الحوار، إذ أعلنت الداخلية الجزائرية أول أمس الاثنين، توقيف 230 عونًا من الدفاع المدني، ومباشرة إجراءات المتابعة القضائية ضدهم وشطبهم من العمل، بعد قيادتهم لمظاهرة باتجاه مقر المديرية العامة في أعالي العاصمة الجزائرية، قبل أن تتصدى لهم قوات الشرطة. 

يقول الناشط السياسي سمير بن العربي تعقيبًا على دعوة الرئيس للحوار: "إن عبد المجيد تبون منذ تنصيبه في قصر المرادية لم تكن له أي نية حقيقية في حوار حقيقي جدي و بنّاء دون إقصاء يفضي إلى حل سياسي يشارك فيه الجميع، بل كانت كلها لقاءات تشاورية شكلية لإضفاء الشرعية على الرئيس".

 

يضيف بن العربي في حديثه لـ"نون بوست": "تكررت اللقاءات مرة أخرى في سنة 2021 لكن دون مخرجات ملموسة، فالمستفيد الأول والأخير فيها هو النظام الذي فرض دستورًا غير توافقي ويصر على الذهاب إلى انتخابات تشريعية يتحكم هو في تنظيمها من دعوة الهيئة الناخبة إلى إعلان النتائج".

ويوضّح محدّثنا أن "ما جاءت به افتتاحية مجلة الجيش في اتهام كل من يخالف النظام مساره بالمؤامرة والعمالة للخارج هو دليل مستمر على فشل النظام في تسيير شؤون البلد سياسيًّا واقتصاديًّا وعدم امتلاكه لأي برنامج أو مشروع بناء للدولة، وهو ما جعله يلجأ إلى القمع لكل الأطراف والقطاعات العمالية التي تطالب بحقوقها".

استدعاء خطاب العمالة للخارج والمؤامرة من شأنه أن يزيد من حدة التباين بين النظام الجزائري الساعي لإحكام سيطرته على البلاد مهما كلّفه الأمر، والشعب الذي يتوق للحرية وإقامة دولة قوامها القانون والمؤسسات.