لا تزال العلاقة بين الدين والسلطة، خاصة في عالمنا العربي والإسلامي، تمثل إشكالية قائمة منذ قرون إلى أيامنا هذه، فالأسئلة تلقي بثقلها مع الأحداث والمستجدات فتثار النقاشات من جديد حول ماهية الروابط بين العالم والسلطان، وما إذا كانت تقتصر على التنازع والجفاء والاستغلال.

سيحاول الملف الجديد لـ"نون بوست" علماء وسلاطين فهم العلاقة الترابطية بينهما وتأثيرها على بنية المجتمعات ثقافيًّا وسياسيًّا، وسيقدم فهمًا تحليليًّا لجدلية الدين والحكم ودورهما في المجتمع المعاصر، وذلك دون تغليفه بمنظور علماني ماركسي ينظر إلى الدين من حيث هو أداة في علاقات قوى الإنتاج التي تستخدم للتلاعب بالشعوب أو من زاوية دينية تقليدية ترفض التجديد، وهي منزع تسلط من نوع آخر.

الملف سيوازن في تقاريره بين المؤسستين من أجل تفكيك العلاقة لفهم متطور يخدم سعي الروح البشرية إلى الانعتاق من القيود والنضال ضد الظلم والاستبداد، ويؤصل لإدراك ووعي متطورَين بضرورة تحديد أدوارهما ومجالات فعلهما.

الدين والحكم

تؤكد المأثورات وكتابات السابقين في هذا المجال أن العلاقة بين العالم والسلطان مرت بعدة منعرجات ما بين التنازع والتعاون والجفاء، إلا أن الحقيقة التي أدركتها الشعوب كما النخب أنه بصلاحهم (العلماء والأمراء) تصلح أحوال الرعية وبفسادهم يفسد الناس.

تاريخيًّا، نشأت العلاقة بين العلماء والسلاطين بعد حقبة الخلفاء الراشدين الأربعة، وتحديدًا في فترة الخليفة الخامس عمر بن عبد العزيز الذي بدأ ولايته على الحجاز بتأسيس مجلس للشورى، سماه "مجلس فقهاء المدينة العشرة"، وأيضًا من خلال نصح وإشارة العالم رجاء بن حيوة على الخليفة سليمان بن عبد الملك بتولية ابن عبد العزيز من بعده.

 

هذه الصورة الواقعية تُدلل أن العلاقة بين الدين والسياسة كانت تصالحية تكاملية لأبعد الحدود، حيث عمل رجال الدين والفقهاء على نصح الحكام سياسيًّا ودفعهم لإقامة العدل اجتماعيًّا واقتصاديًّا بين الناس (الرعية)، فلم يكن العلماء يرومون من خلال وظائفهم الدخول في صراع على المُلك أو طلبًا للسلطة، بل كانوا يرومون حمل الناس على السير وفق الشرع عبر البيان والنصح وإحقاق الحق، فالعالِم منوط بعهدته وظيفتين، الأولى معرفية تقوم على بيان أحكام الشرع، والثانية أخلاقية تقوم على اتخاذ الموقف الواجب.

وكان العلماء يسيرون على قاعدة "الفقهاء أمناء الرسل، فإذا رأيتم الفقهاء قد ركنوا إلى السلاطين فاتهموهم"، ولذلك كانوا يتملصون من تقلد مناصب القضاء والمستشارين لما فيه من الاحتكاك بالسلطان، ويرون أن القرب من دوائر الحكم والدخول في بطانة الحاكم خطر يهدد علمهم وثقة الناس فيهم.

خلّدت ذاكرة التاريخ الإسلامي استجابات كبيرة من حكام المسلمين لعلمائهم، ومحافظة رجال الدين على الخيط الرفيع الذي يربطهم بالسلطة، وعلى استقلاليتهم المعرفية والمادية، حيث حافظ عامة العلماء عبر التاريخ على استقلالهم معرفيًّا (من خلال المدارس والمناهج) وماديًّا (عبر الأوقاف والأحباس الخاصة والعامة)، وحين تعرض فقهاء الأحكام السلطانية لمسائل السلطة فإنما كان يحركهم هاجس الحفاظ على وحدة الجماعة المسلمة ووحدة دار الإسلام، وكانوا يقومون بموازناتهم على هذا الأساس.

تغيرت هذه العلاقة مع مرور الوقت، ووصلت إلى حد الجفاء والتنازع فضيّق الحكام على العلماء واستهدفت آلة استبدادهم الفقهاء ورجال الدين، فأخمدوا أصواتهم ولاحقوهم بسبب عقيدتهم وأفكارهم، حيث سُجن الإمام أحمد وعذب وجلد في زمن المعتصم بالله الذي ناصر المعتزلة وأعلى من شأنهم.

 

ويمكن القول إن زمن الخلافة العباسية والأموية فتن العلماء ورجال الدين، فمنهم من صمد أمام إغراءات الملوك والسلاطين، ومنهم من سقط إما خوفًا من بطشهم وإما طمعًا في عطاياهم، وبرز في تلك الفترة مواقف لعلماء قالوا كلمة حق في وجه السلطان منهم سفيان الثوري والأئمة الأربعة بمواقفهم الجريئة من حكام عصورهم، والتي تظهر هيبة العلماء وانحيازهم إلى دينهم وأمتهم.

أما حديثًا، فرض انهيار الخلافة العثمانية وتفككها ونشأة ما سمي بالدولة القومية تأثيرًا بالغًا على ملامح العلاقة الجديدة بين العلماء والحكام، خاصة أن أغلب هذه الدول التي قامت عقب خروج الاستعمار (الفرنسي والإنجليزي) ورثت تركة المحتل الثقافية والسياسية، واستعارت الأنموذج الغربي للمؤسسات وهياكل الدولة.

هذا النمط المستورد شكّل تهديدًا لوجود المؤسسة الدينية التقليدية ولأدوار العلماء التي عرفتها المجتمعات الإسلامية لقرون، حيث عملت الدولة الحديثة على استقطاب واستعمال فئة الفقهاء الذين طالما استأثروا تاريخيًّا بوظيفة التشريع، كما سيطرت على الأوقاف التي شكّلت مصدرًا مهمًّا في استقلالهم، وألغت التعليم الديني (الزيتونة في تونس).

 في خدمة السلطة

قامت عملية هندسة المجتمعات الجديدة على هدم العلاقة بين الفقه الإسلامي ومنظومة الخلافة، حيث تقاسم العلماء والحكام الأدوار ضمن دائرتي وحدة الأمة والشريعة وفصل الدين عن الدولة، على اعتبار أن الكيانات السياسية الناشئة في ظل هذه الدول (الأحزاب) كانت مناهضة للدين أو متجاوزة ومهمشة له، وهو ما أفرز صنفَين من العلماء، الأول انخرط في المنظومة الجديدة وتحت سقف الدولة وارتضى أن يكون موظفًا، والآخر سعى لتغيير السلطة بوسائل مختلفة.

ومن هنا نشأ الاختلاف بين نوعية العلماء، أحدهم أصّل للحركات الإسلامية التي تتبنى الاحتجاج وخطب التغيير، والآخر يمثله التقليديون الذين لا يرفضون الانخراط في الشأن العام (الصوفية)، والنوع الثالث يقوده فقهاء الدولة الذين يعبّرون عن مصالح السلطة وسياساتها.

من المؤكد أن الجمهوريات العربية التي تخلصت من الاستعمار لم تعرف الديمقراطية على الطريقة الغربية، حيث صعدت إلى الحكم أنظمة جديدة عملت منذ الوهلة الأولى على تركيز سلطتها الشمولية مستغلة العلماء والفقهاء لاكتساب الشرعية ولإخضاع الناس قسرًا وتطويعهم، لذلك أنتجت خطابًا يوائم المرحلة ونوازعها وسياساتها وأسست لمفهوم "الإسلام الرسمي".

استغلت هذه السلطة الجديدة كل ما من شأنه أن يديم سيطرتها ويعزز هيمنتها على الدولة ومؤسساتها والمجتمع، فاستعملت الدين وأهله من أجل تحقيق أطماعها ومآربها، وطوعت النصوص الشرعية من أجل شرعنة أفعالها وتصرفاتها عبر فتاوى معلبة وعلى القياس.

وفي سياق متصل، عملت الدول العربية على اختلاف أنظمة حكمها على صناعة إسلامها الخاص ورجال دينها على مقاسها خدمة لأجندتها، فيصنع هؤلاء بدورهم فتاوى وأحكامًا ونصوصًا مقدسة هدفها تأصيل رؤى الحاكم وترويج ما تريده السلطة، فمثل هؤلاء الشيوخ أفتوا بجواز الاستعانة بالتحالف الدولي "الصليبي" لغزو العراق، وهم ذاتهم أباحوا للحكام بجواز قتل كل من خرج في ثورات الربيع العربي، واستحلال الدماء، ومساندة انقلاب عبد الفتاح السيسي على السلطة الشرعية في مصر.

 

الصورة لم تقف عند هذا الحد، فالحصار الذي ضرب على أهل قطاع غزة المحاصر كان بفتوى، وقتل العراقيين والسوريين بأيادٍ أميركية وروسية كان بنص حرّفه عالم دين، وإجرام اللواء المتقاعد خليفة حفتر في حق الليبيين كان بدوره بغطاء ديني من المداخلة.

في مقابل ذلك، ورغم الاستثناءات القليلة لعلماء عرب ومسلمين قالوا كلمة الحق أمام سلاطينهم وحكامهم، على غرار ابن عاشور والخضر حسين وغيرهم من الفقهاء الذين خلدهم التاريخ، فإن الربيع العربي الذي حمل أولى ملامح التغيير عجز عن إرساء علاقة جديدة بين الدين والدولة قوامها التكامل، حيث تواصل السلطات مساعيها لإنتاج رجال دينها من أجل إعادة ضبط الحقل الديني داخل بلدانها، قصد استخدامه من جديد في تركيز سلطانها وتعزيز حكمها.

يبدو أن إعادة قراءة تاريخ الدين والسلطة بات أمرًا ملحًّا في ظل التحولات الاجتماعية والثقافية في المنطقة العربية والإسلامية، وفي ظل السقوط المدوي للعلماء وتأخرهم عن الاستحقاقات الأساسية للشعوب وانحرافهم عن أداء الأمانة (ورثة الأنبياء) بتشريعهم للظلم والاستبداد والجور، وعلى العلماء والفقهاء أن يدركوا جيدًا أنه كلما زحفوا نحو أبواب الملوك صحت الجماهير من أفيون الدين في نسخته الرسمية.