على خلاف العلماء الذين تزينوا بالعلم والمعرفة لمداهنة السلاطين والتقرب منهم من أجل بلوغ المكانة والوجاهة الدنيوية، ولم يخرج منجزهم الفعلي عن المديح والإطراء أو تطويع النصوص القرآنية والأحاديث النبوية وتفصيلها على قياس الحكام، يزخر تاريخ الأمة برجال خلدوا أسماءهم بمواقفهم أكثر من مؤلفاتهم وتصنيفاتهم.

مثل هؤلاء العلماء لعبوا دورًا محوريًّا زمن الأزمات والمخاطر التي هددت الأمة الإسلامية، فإلى جانب صدعهم بالحق في وجه السلاطين والحكام، ورفضهم للظلم والجور والاستبداد، قاوموا وحشية الاحتلال وبربريته، فكانوا في الصفوف الأولى يحشدون الناس ويتقدمونهم في دفاع عن المقدسات والأرض والعرض منذ الدولة العباسية واجتياح المغول إلى الاستعمار في شكله الحديث.

محمد الخضر حسين

يُعد الشيخ محمد الخضر حسين من أبرز العلماء المسلمين، الذين نصروا الدين بغزارة علمهم وآثارهم وبصدوعهم بالحق دفاعًا عن الإسلام، ففضلًا عن إرثه العلمي طبعت مواقفه التاريخية المشرفة الفترة القصيرة التي تولى فيها مشيخة الأزهر في مصر.

 

ولد الخضر حسين في 16 أغسطس/ آب 1876م الموافق 26 رجب 1293هـ في نفطة الواقعة في الجنوب التونسي، في بيئة متدينة ومحافظة متشبثة بالأصول وتعاليم الإسلام، وتعلم القرآن حفظًا وتفسيرًا على يد أمه حليمة السعدية بنت الشيخ مصطفى بن عزوز.

 في عام 1889 انتقل إلى العاصمة تونس، والتحق بجامع الزيتونة المعمور أين كان خاله المكي بن عزوز شيخًا ومدرسًا، ففتح له أبواب العلماء الذين تتلمذ على أيديهم وتأثر بهم من أمثال العلامة سالم بوحاجب، الذي يعتبر رمزًا من رموز الإصلاح والتجديد في البلاد.

لذلك يذهب بعض الأكاديميين إلى أن مسيرة الخضر حسين العلمية والعملية تأثرت بالأسماء التي عاصرها، وتلقى العلوم منها في ذلك العصر، فالشيخ بدا وفيًّا لخاله ومعلمه الأول المكي بن عزوز، الذي أنتج شخصية الخضر وساهم في نحتها، وكذلك للطاهر بن عاشور الذي جمعت بينهما الدراسة في جامع الزيتونة.

تكللت مسيرة الخضر العلمية بالنجاح فحصل على شهادة التطويع من الزيتونة، وأصبح من المحاضرين والأوجه العلمية المعروفة بتونس فعيّن أستاذًا بالمدرسة الصادقية، ثم انتقل إلى الجزائر التي كانت أولى محطاته الخارجية، فاستغل المنابر لدعوة الناس إلى الوحدة والتحرك لنيل الحرية من الاستعمار الفرنسي الغاشم.

بعد رحلة الجزائر القصيرة زمنيًّا، عاد حسين إلى تونس التي شهدت حراكًا فكريًّا بقدوم محمد عبده، فأنشأ في عام 1904 مجلة "السعادة العظمى"، وهي أول مجلة ناطقة باللغة العربية، وكان يكتب أغلب مقالاتها التي حملت انتقادًا لاذعًا لشيوخ التقليد ودعوةً لإبقاء باب الاجتهاد والتجديد مفتوحًا.

انتقل الشيخ الخضر بعد ذلك لمدينة بنزرت الساحلية، فتولى الإفتاء والتدريس والقضاء على مضض، فقد دفعه إلى ذلك العلامة محمد الطاهر بن عاشور الذي أقنعه بالقبول واشتد عليه فيه، فلم يطل فيها المكوث ليعود إلى تونس بعد بضعة أشهر قدّم فيها دروسًا شرعية وأدبية، واتخذ من منبر الجامع وسيلة للمناداة بالحرية والمطالبة بالانعتاق من قيود الجهل والاحتلال، فالشيخ، بحسب مدير المعهد العالي لأصول الدين بتونس منير رويس، "كان يرى أن الحرية ليست مستحدثة في فرنسا، بل نادى بها الإسلام قديمًا وطالب بها".

الهجرة والتحوّل

بعد رفعه لشعار التحرر ومطالب التغيير الجذري، سواء على المستوى الديني أو الاجتماعي أو السياسي، ساءت العلاقة بينه وبين أعوان الاحتلال الفرنسي، فاستدعاه القنصل العام لفرنسا في تونس وعرض عليه العمل في المحكمة الفرنسية فنأى بنفسه عن ذلك، فتم فصله بعد ذلك من عمله وشدد الاستعمار من مراقبته فاضطر إلى الهجرة مكرهًا.

 

مكث في إسطنبول بعض الوقت ثم عاد إلى تونس عن طريق نابولي الإيطالية، ولكن كانت الأوضاع لا تزال معقّدة، فهاجر مرة أخرى إلى دمشق وعمل مدرسًا في المدرسة السلطانية عام 1912، ثم سافر مرة أخرى إلى إسطنبول أين أوفده وزير الحربية أنور باشا إلى برلين لمدة 9 أشهر، ولكنه عاد إلى دمشق إلّا أن حاكمها أحمد جمال باشا اعتقله سنة 1917 لمدة 6 أشهر بتهمة التآمر على الدولة، ليعود إثر الإفراج عنه إلى إسطنبول لمرة أخرى وظل متنقلًا في الأثناء بينها وبين دمشق.

وحينما وقعت سوريا أسيرة للاحتلال الفرنسي، اضطر الشيخ لمغادرة دمشق متوجهًا نحو القاهرة، خاصة أن السلطات الفرنسية كانت قد أصدرت على الشيخ حكمًا غيابيًّا بالإعدام أثناء إقامته في ألمانيا، بتهمة التحريض على الثّورة ضد المستعمر الفرنسي في البلاد العربية.

في عام 1920 حزم الشيخ أمتعته وحل بمصر باحثًا عما تخبئه له الأيام، تردد على الأزهر كثيرًا وحاول الالتحاق بهيئاته العلمية، وقد تحقق له ذلك بعد لقائه بأحمد تيمور باشا، فتوسط له ورفع من شأنه حتى أصبح من طاقم هيئة التدريس في الأزهر.

في تلك الفترة، ساهم الخضر في إنشاء جمعية الشبان المسلمين عام 1928، وأنشأ أيضًا جمعية الهداية الإسلامية وكونت مكتبته الخاصة نواة لمكتبة هذه الجمعية، وقد أصدر مجلة من اسمها، كما تولى أيضًا تحرير مجلة "نور الإسلام"، والتي تعرف بمجلة "الأزهر" اليوم، وذلك عام 1931، ثم ترأس تحرير مجلة "لواء الإسلام" عام 1946، بالموازاة مع تدريسه بكلية أصول الدين، إضافة إلى أنه يعد من الجيل المؤسس لمجمع اللغة العربية بالقاهرة عام 1932.

على صعيد ذي صلة، شكلت زيارة القاهرة منعرجًا حاسمًا في تشكّل شخصية الخضر حسين، فبحكم عوامل عديدة أهمها التنوع الثقافي وصراع الأفكار الذي تعيشه مصر آنذاك، أصبح الشيخ ينظر إلى الأمور السياسية نظرة جديدة تقوم على استمرارية الحكم ومركزيته (الخلافة)، فبحسب الأستاذ بجامعة الزيتونة الدكتور علي الصولي: "عندما خرج بدأ فكره السياسي يتوسع، وكان يرى أن الملاذ الوحيد لعزة الإسلام هو الخلافة".

كلمة حق ومواقف

إضافة إلى موقفه من الاستعمار الفرنسي لتونس وانتهاكاته، رفض الشيخ خطط الاحتواء التي كان ينتهجها المحتل، ورفض مقترحه ليكون عضوًا في المحكمة المختلطة التي يكون فيها قضاة مسلمون وأجانب، وسبب ذلك أن المحكمة لا تحتكم إلى الشرع وهي في ظل الاستعمار وإنما تخدم مصالحه وأجندته.

كما عُرف الخضر بمبادئه التي لم يحد عنها حيث خاض المعارك الفكرية والأدبية التي عرفتها مصر خلال النصف الأول من القرن العشرين وانتدب نفسه للدفاع عن الإسلام، ففي عام 1925 ألّف الشيخ الأزهري علي عبد الرازق كتابًا أثار جدلاً واسعًا في الأوساط العلمية والسياسية سماه "الإسلام وأصول الحكم"، فكان رد الخضر حسين بمؤلف يحمل عنوانًا "نقض الإسلام وأصول الحكم".

بعد صدور الكتاب، اعتُمد الشيخ عضوًا في هيئة كبار العلماء، ثم ارتقى إمامًا أكبرًا للأزهر بعد قيام ثورة الضباط الأحرار، لكن علاقته مع الحكام الجدد لمصر وقادة الدولة الوطنية الوظيفية لم تكن على ما يرام، حيث رفض الخضر الاستجابة لضغوط جمال عبد الناصر لإصدار فتوى تعتبر الإخوان المسلمين كفارًا أو خوارج أو بغاة.

الشيخ خضر حسين قال حينها: "معاذ الله أن أختم حياتي بهذه الفتوى وأضع دماءهم في رقبتي، معاذ الله أن أقول على الدعاة بغاة"، وأضاف: "وإني أشهد أن الإخوان دعوة ربانية عرفتهم ميادين البذل والعطاء والجهاد والتضحية، لم يخونوا ولم يغدروا بما عرفت عنهم وها أنا ذا أعلن استقالتي من كل منصب يحول بيني وبين إرضاء ربي".

 

وفي مصر أيضًا كان له موقف آخر مشرف حين طلب أحد أعضاء مجلس الثورة مساواة الجنسين في الميراث، ولما علم الشيخ بذلك أنذرهم إن لم يتراجعوا عن هذا فسيلبس كفنه، ويدعو الشعب إلى زلزلة الحكومة والقيام عليها لاعتدائها على حكم من أحكام الله، فكف ذلك العضو عما نواه من تغيير حكم الله تعالى.

مؤلفاته وأثره

في سنة 1958 بعد اعتزاله في بيته، ودّع العلامة الشيخ الخضر حسين الحياة تاركًا وراءه إرثًا من العلم يتمثل في مؤلفات نفيسة ومقالات قيّمة، منها:

  • "رسائل الإصلاح"، في ثلاثة مجلدات أبرز فيها منهجه في الدعوة الإسلامية ووسائل النهوض بالعالم الإسلامي.
  • "الخيال في الشعر العربي".
  • "القياس في اللغة العربية".
  • "خواطر الحياة" (ديوان شعر).
  • "نقض كتاب الإسلام وأصول الحكم".
  • "نقض كتاب في الشعر الجاهلي" وذلك ردًا على أطروحة الأديب طه حسين التي اعتبر الشعر الجاهلي مختلقًا ومنحولًا.
  • "آداب الحرب في الإسلام".
  • أبحاث ومقالات عديدة نشرها في مجلة "الأزهر" (نور الإسلام) و"لواء الإسلام" و"الهداية الإسلامية".
  • "تعليقات على كتاب الموافقات للشاطبي".

بالمحصلة، لم تسؤ أحوال الأمة بسبب النوازل والأحداث التي عرفتها فقط، فالعلماء ورجال الدين كانوا جزءًا من محنتها، خانوا الأمانة وضيعوا الرسالة وانشغلوا بطلب المناصب عبر تدبيج الفتاوي وتفصيلها على مقاس الحكام، وبالتالي كانوا أداة لتكبيل أيادي الشعوب ورهن حاضرها ومستقبلها لأهواء الساسة والسلاطين، الذين عملوا بدورهم على ضرب ما تبقّى من استقلال المؤسسة الدينية (الأوقاف).