أثارت تصريحات المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، خلال اتصال هاتفي مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، بشأن دعم ما أسمته "حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها خلال المواجهات مع المقاومة الفلسطينية" الكثير من الجدل لدى الشارع العربي.

التصريحات ليست الأولى من نوعها، كما أن الدعم الألماني لـ"إسرائيل" لم يتوقف يومًا منذ تأسيس العلاقات الدبلوماسية بينهما في 12 مايو/ أيار 1965، وإن تدرج في نوعه وأدواته، بين إمداد بالسلاح المتطور، مرورًا بالدعم السياسي في المحافل الدولية، وصولًا إلى غض الطرف عن الانتهاكات ضد الإنسانية التي تمارسها قوات الاحتلال بحق الفلسطينيين.

وبعيدًا عن توظيف العواطف في تقييم الموقف الألماني حيال القضية الفلسطينية، فإن الكثير من المحددات ترسم بصورة واضحة ملامح السياسة الخارجية للألمان تجاه حليفهم الإسرائيلي، التي تتمحور في معظمها في "الدعم والتأييد" على طول الخط، وإن أبدت برلين، بين الحين والآخر، تحفظات دبلوماسية على الممارسات الإسرائيلية، من باب حفظ ماء الوجه أمام المجتمع الدولي.

عقدة الذنب

لا تزال عقدة الذنب التي يعاني منها الألمان تجاه اليهود منذ المحرقة الشهيرة "الهولوكوست" (1941-1945) المرجعية الأساسية في الدعم المتواصل لـ"إسرائيل"، رغم مرور أكثر من 75 عامًا على تلك الواقعة التي تزعم "إسرائيل" أنه راح ضحيتها قرابة 6 ملايين يهودي أوروبي على يد النظام النازي لأدولف هتلر والمتعاونين معه.

خلال مشاركته في الاحتفال بمرور 50 عامًا على العلاقات بين البلدين، في العاصمة برلين عام 2015، أكد الرئيس الألماني يواخيم جواك أن بلاده لن تسمح مطلقًا بأي مظاهر للّاسامية، مجدِّدًا دعمه الكامل للإسرائيليين، الذي زعم أنه ليس بسبب ديون تاريخية يسددها أحفاد القتلة لأحفاد الضحايا، لكنه الدعم المنطلق من "علاقة عميقة تقوم على قيم ومصالح مشتركة مقابل تهديدات تواجه العالم الحر".

هذا الرأي أكده الخبير بالشؤون الدولية شلومو شبيرا، الذي أرجع الدعم الألماني، العلني والسري، لـ"إسرائيل"، إلى محاولة الدولة الأوروبية "التعويض عن جرائمها بحق اليهود، فهي ما زالت تعاني من عقدة الذنب"، معتبرًا أن صفقة الأسلحة التي قدمها الألمان للإسرائيليين في 2015 وكانت عبارة عن 4 سفن حربية ألمانية إضافة إلى 4 غواصات، هي صورة أخرى من صور التعاون العسكري بين البلدين منذ عقود.

رئيس الكنيست الإسرائيلي الأسبق أفراهام بورغ، يذهب إلى التفسير ذاته، مشيرًا إلى أن "ألمانيا ما زالت عالقة بعقدة الذنب في علاقاتها مع اليهود وإسرائيل، وأن إسرائيل تستثمر المحرقة لأغراض سياسية، ومصممة على التمسك بثوب الضحية".

رغم التصريحات المعسولة التي طالما رددتها ميركل قبيل توليها هذا المنصب بشأن حقوق الفلسطينيين التاريخية، فإن الأمر سرعان ما تبخر مع أول عام لها في حكم البلاد، وهو ما اتضح خلال الحرب الشعواء التي شنتها القوات المحلتة في لبنان صيف 2006، وعلى قطاع غزة المحاصر في شتاء 2008.

محددات السياسة الألمانية تجاه "إسرائيل"

منذ نهاية الحرب العالمية الثانية مرت السياسة الخارجية الألمانية تجاه "إسرائيل" واليهود عمومًا بثلاث محطات أساسية، الأولى تلك التي تعلي من المصالح الألمانية بعيدًا عن أي اعتبارات أخرى، وهي المرحلة التي شهدت فيها العلاقات بين الطرفين موجات عدائية متتالية.

ومع قدوم غيرهارد شرودر (تولى منصب مستشار ألمانيا في الفترة 1998-2005)، تغيرت السياسة الخارجية بصورة نسبية، فكان يعطي الأولوية للمصالح الألمانية الأوروبية، بعيدًا عن العلاقات مع أميركا وحلفائها تحديدًا. وهو ما انعكس بطبيعة الحال على العلاقات مع "إسرائيل" التي كانت تتسم بالتوازن إلى حد ما، لكن ذلك لا يعني التخلي عنها كما كان يتوقع البعض حينها.

وحين تولت أنجيلا ميركل منصب مستشار ألمانيا عام 2005، بدأت في وضع نموذج جديد لمنظومة العلاقات الخارجية والتحالفات، فكان التقارب مع أميركا على رأس الأولويات، كذلك الإعلان صراحة عن الدعم المطلق والكامل للدولة اليهودية على حساب القضية الفلسطينية.

ورغم التصريحات المعسولة التي طالما رددتها ميركل قبيل توليها هذا المنصب بشأن حقوق الفلسطينيين التاريخية، فإن الأمر سرعان ما تبخر مع أول عام لها في حكم البلاد. وهو ما اتضح خلال الحرب الشعواء التي شنتها القوات المحتلة في لبنان صيف 2006، وعلى قطاع غزة المحاصر في شتاء 2008، حيث التأييد الكامل لتلك الضربات بجانب الدعم السياسي في المحافل الدولية.

وبينما كان يحاول الائتلاف المسيحي الاشتراكي الذي يحكم ألمانيا إحداث حالة من التوازن في العلاقات مع طرفي الصراع العربي الإسرائيلي (المسيحيون يميليون إلى "إسرائيل" بصورة كاملة فيما يحاول الاشتراكيون تدشين علاقات جيدة مع العرب)، عبّرت ميركل بشكل صريح عن تضامنها الكامل مع تل أبيب، مؤكدة على الالتزام التاريخي للساسة الألمان بالدفاع عن "حق إسرائيل في الوجود" ودون شروط.

التعويل على موقف ألماني مغاير، يناصر الفلسطينيين على حساب الإسرائيليين، مضيعة للوقت، كونه يصطدم بعشرات التحديات والعراقيل التاريخية والجيوسياسية التي ترسخت في أذهان العقلية الألمانية على مدار 7 عقود كاملة.

وعليه يمكن القول إن السياسة الخارجية الألمانية تجاه الشرق الأوسط باتت محاطة بعاملين رئيسيين، الأول هو العامل المستقل الخاص بالعلاقات مع "إسرائيل"، وهو العامل الذي يتحكم فيه المحدد التاريخي، أو بالأحرى الأخلاقي كما يحب الساسة الألمان تسميته.

أما العامل الثاني، فهو العامل التابع، ويتعلق بالمصالح الاقتصادية مع الدول العربية، وهو عامل براغماتي بحت، لكنه في ظل ما تتمتع به ألمانيا من قوة اقتصادية كبيرة لا يمكن أن يؤثر بالشكل المحوري في صناعة القرار الألماني أو تغيير السياسة الخارجية تجاه القضية الفلسطينية بصفة عامة.

المتابع لمنسوب ومسارات العلاقات الألمانية الإسرائيلية خلال العقود الثلاث الأخيرة، يجد أنها تضمنت حزمة من التفريعات التي شملت كل مجالات الحياة: سياسة واقتصاد وثقافة وأمن ومجتمع، ومن ثم توطدت تلك العلاقات حتى بات إحداث ثقوب داخل جدرانها أمرًا غاية في الصعوبة.

وفي المحصلة فإن التعويل على موقف ألماني مغاير، يناصر الفلسطينيين على حساب الإسرائيليين، مضيعة للوقت، كونه يصطدم بعشرات التحديات والعراقيل التاريخية والجيوسياسية التي ترسخت في أذهان العقلية الألمانية على مدار 7 عقود كاملة.