انتهت الحرب مؤقتًا بين "إسرائيل" والمقاومة الفلسطينية في غزة، ولن يمضي وقت طويل حتى يحصي كل طرف خسائره، لكن مهما كانت خسائر المقاومة لن تقارن بالخسارات الإسرائيلية على أوجه عدة، على رأسها عودة تذكير الضمير العالمي بالقضية الفلسطينية ووضعها في المكان اللائق بها، والمد الإنساني مع أغلب شعوب العالم، بجانب تجريس الحجج الأخلاقية الإنسانية الإسرائيلية التي تساق لتبرير استهداف المدنيين الفلسطنيين في غزة وكشف زيفها وانتهازيتها. 

لعنة المبالغات 

أوقعت "إسرائيل" بنفسها في الفخ عبر المبالغة في تسويق استخدامها لأسلوب التحذير المسبق لأصحاب العمارات ‏المستهدفة التي تم تدميرها تحت زعم الإرهاب.

فقد أظهرت المكالمات الهاتفية قبل القصف التي أراد منها الجيش الإسرائيلي استعراض ملكاته الأخلاقية أنه يعلم جيدًا أرقام هواتف ‏السكان والشركات المدنية الموجودة، ما يعني أنه كان يعلم أيضًا استخدامها بشكل حصري من غير المقاتلين.

ساهم أيضًا في كشف المبالغات الإسرائيلية تدمير برج الجلاء الخاص بوسائل ‏الإعلام في غزة وضمنهم قناة الجزيرة القطرية التي لعبت دورًا بارزًا في دحض الرواية الإسرائيلية، ليتضح أن الاحتلال أقدم على هذه الجريمة بعد تعرضه لضرر بالغ من الإعلام الدولي، الذي أجهض كل جهوده في تسويق روايته الخاصة على الجماهير العربية والغربية على حد سواء. 

لم تفلح "الصعبانيات الإسرائيلية" المفتعلة في إقناع العالم بتجاهل رؤية الصواريخ التي تطلقها طائرات حربية على المباني الشاهقة وسط الأحياء السكنية، ولم تنجح في تحويل الصحفيين والإعلاميين وموظفي الإستوديوهات في العديد من المنافذ الإعلامية العالمية إلى إرهابيين حسب الرواية الإسرائيليية، يستخدمون المدنيين دروعًا لتحقيق مآرب أخرى من خلف الكاميرات.

فشلت "إسرائيل" في تسويق أدلة لوكالة أسوشيتيد برس التي دمرت لها مكتبها - يقع ضمن المنافذ الإعلامية والصحفية التي دُمرت بالكامل في برج الجلاء - لتثبت في النهاية أنها لا تخاف على المدنيين وتحذرهم من القصف بل ترفض بانتظام احترام القانون الدولي، ناهيك بالإنسانية والأعراف الأخلاقية التي تسوقها وتدّعيها باعتبارها الإطار الحاكم لمنظومتها العسكرية. 

تهافت الرواية الإسرائيلية، كشف للغرب وبالأدلة عقلية الحصار الصهيوني على وسائل الإعلام، فضح الرقابة اللصيقة التي تفرضها "إسرائيل" على غرف صناعة الأخبار للتلاعب بالتغطية الإعلامية الدولية للبلاد، وهو ما تنبهت له جمعية الصحافة الأجنبية في إسرائيل، التي أدانت بقوة قصف برج الجلاء، ورفضت كل المبررات لذلك، وأكدت أن الهجوم يظهر أنه لا توجد صحافة في مأمن من الهجمات العسكرية الإسرائيلية.

 

كان واضحًا أن إبلاغ الصحفيين وسط صراع بهذا الشكل بضرورة إخلاء أماكنهم قبل القصف بساعة واحدة فقط، يعني إرباك التغطية وتعطيلها، لذا تبارات اللجان والمنظمات المعنية بحرية الإعلام في توجيه انتقادات شرسة لـ"إسرائيل"، واعتبروها حيّلًا واضحة بأساليب قمعية وغير قانونية لإسكات الإعلام.

لجنة حماية الصحفيين عرّت الإنسانية الإسرائيلية المفرطة التي تسوقها للعالم بإذاعة تنبيه المدنيين قبل الضرب، وطالبت بدلًا من ذلك بتبرير مفصل وموثق للغارة الجوية التي تمثل انتهاكًا صارخًا للقانون الدولي، ظهر جويل سيمون المدير التنفيذي للجنة على الشاشات الغربية والمواقع الصحفية العالمية لإدانة الهجوم البربري على مبنى معروف منذ فترة طويلة من "إسرائيل" أنه يأوي وسائل الإعلام الدولية، ورأى سيمون أن الهدف الوحيد ليس حماية المدنيين، بل تعطيل تغطية المعاناة الإنسانية في غزة. 

برهن رئيس لجنة حماية الصحفيين على زيف الرواية الإسرائيلية برفض مد المهمة للصحفييين والإعلاميين ولو لـ10 دقائق فقط من أجل حماية معدات وكاميرات باهظة الثمن لنقلها إلى مكان آخر، رغم أن البرج - حسب الرواية الإسرائيلية - كان يستخدم لأنشطة مخابراتية لحماس، ولم يكن يضم مدافع أو منصات قتالية يتم الضرب منه على أهداف إسرائيلية، ما يعني أنه كان بالإمكان تأجيل الضربة حتى يتمكن الإعلام من المغادرة بأمان. 

وفرت هذه اللقطة أدلة إضافية على إدمان العقلية الإسرائيلية دفن الروايات الأخرى، فكما يحدث في فلسطين من تهويد ومحاولات لا تنفد لطمس التاريخ الحقيقي للأرض المحتلة، حاولت "إسرائيل" قطع الطريق على الإعلاميين والصحفيين في الاحتفاظ بآلاف الساعات من مقاطع الفيديو والصور التي توثق ما يحدث على أرض الواقع. 

أثبتت "إسرائيل" التهمة على نفسها، فكانت قبل يوم واحد فقط من التفجير تتهم الصحفيين بالتضليل ونشر معلومات مضللة - تبين لاحقًا أن مصدرها الجيش الإسرائيلي - بإعلانه شن غزو بري لقطاع غزة ثم تراجع سريعًا، ليتضح أنه لم يكن تضليلًا إعلاميًا بل خدعة إستراتيجية من الشاباك والموساد للإيقاع بمقاتلي حماس في مصيدة التمركز بأماكن واضحة تمكن "إسرائيل" من اصطيادهم بالضربات الجوية.

إعادة الإعمار.. الكارت الرابح لـ"إسرائيل"

في كل صراع تحاول "إسرائيل" إشعال حرب أخلاقية على هامش الأحداث حتى تبدو دائمًا الأكثر حرصًا على الأرواح والممتلكات، لكن هذه المرة لم يسعفها الوقت لإنتاج روايات أخلاقية متقنة تبرر هدم البنى التحتية وتدميرها بشكل يُصعب الحياة على الأبرياء، بدا واضحًا للخبراء وغرف الأخبار الدولية ومن يعلمون خبايا التكتيات الإسرائيلية، أن لغة الإنسانيات المفرطة خلال الصراع لم تعد تنطلي على أحد.

هدمت "إسرائيل" العمارات السكنية بأكبر قدر ممكن واستهدفت محطات الكهرباء وغيرها من مظاهر مقومات الحياة خلال الصراع حتى تضع بعد انتهاء الحرب ملف إعادة الإعمار ضمن كروت المساومة، فتفرض شروطها وتجرد المقاومة من نشوة المبارزة، فما نجحت فيه بميادين القتال، ليس مطلوبًا على مائدة المفاوضات، حتى فتح ثغرات ونقاط ضعف تخرج بها منتصرة ـ دون التزامات ـ كما كانت تفعل دائمًا عقب كل صراع. 

الوجه الحقيقي 

مع تجريد "إسرائيل" من إنسانياتها المفرطة، لن يكون أمامها أي مفر من العودة إلى جماعات الضغط الموالية لها، بجانب أنصارها من الساسة الغربيين والأمريكين الذين تباروا في الخروج خلال الأيام القليلة الماضية لقلب المواجهة، ونقل "إسرائيل" من الدفاع للهجوم وتبرير وشرعنة استخدامها للعنف باعتباره من حق الدفاع عن النفس استعدادًا لما هو قادم، فالقتال انتهى لكن ينتظر الجميع قتالًا من نوع آخر خلال الفترات القادمة. 

يظهر كبار رجال الساسة، على رأسهم الرئيس الأمريكي، ووزير خارجيته أنتوني بلينكين الذي لم يكتف بوسائل الإعلام الأمريكية، وخرج على الشاشات الأوروبية يبرر حق "إسرائيل" في استخدام القوة، لكن عبر لغة دبلوماسية ناعمة تناسب التقدميين وأنصار سردية الحزب الديمقراطي. 

قال بلينكين عبر قناة TV2 النرويجية: "نؤمن بقوة بأن لإسرائيل الحق في الدفاع عن نفسها، ولا يوجد تكافؤ بينها وبين حماس، لكن أعتقد أن إسرائيل تتحمل عبئًا إضافيًا كدولة ديمقراطية لفعل كل ما في وسعها لتجنب وقوع إصابات في صفوف المدنيين، وخاصة الأطفال، وبالطبع التأكد من عدم تعرض الصحفيين والعاملين في المجال الطبي للأذى، وتحسين حياة الفلسطينيين بطريقة مادية، إذ يجب أن يكون لدى الناس أمل في مستقبل أفضل، ونحن جميعًا بحاجة إلى العمل على ذلك".

الخيارات السياسية للمقاومة 

يجب اللعب على نفس المساحة، إعادة تدوير ما سجلته كاميرات وكالة أسوشيتيد برس ووسائل الإعلام الأخرى التي كانت متمركزة على قمة برج الجلاء، وأذاعت صورًا حية للقصف الإسرائيلي المكثف للأحياء المدنية في غزة، والحديث عن حقيقة الضربات الإسرائيلية على غزة، التي لم تكن خطوة دفاعية بالمرة، بل جزء من هجوم شامل على حقوق الفلسطينيين بدأ بمخطط لإخراجهم من منازلهم في حي الشيخ جراح. 

ي

كما يجب الاستمرار في تسويق عمليات الإخلاء غير القانونية التي لا يجرمها القانون الدولي فحسب، بل والأسس الأخلاقية في أي عرف إنساني، فمن يلقي باللوم في أعمال العنف على المقاومة بزعم عدم التكافؤ، لم يتبع أي أسس أخلاقية لإدانة المستوطنين الإسرائيليين ولم يعتبرهم إرهابيين أيضًا مع أنهم كذلك.

وتجاهل هذا التكافؤ عندما يتعلق الأمر بانتقاد أو إدانة "إسرائيل"، يجب التركيز عليه بشدة مع المفاوضيين الدوليين خلال الفترات القادمة، فهو ليس أقل أهمية من كل ما حدث خلال الأيام الماضية!