فرضت صواريخ المقاومة التي انهمرت على امتداد المستعمرات الصهيونية في فلسطين المحتلة واقعًا جديدًا للصراع، بعدما أعادت تشكيل قواعد اللعبة وفق المستجدات الراهنة التي باتت فيها فصائل المقاومة رقمًا صعبًا لا يمكن تجاهله رغم المليارات التي أنفقت لأجل هذا المخطط.

وبعد 11 يومًا من المواجهات المباشرة، بين جيش يمتلك أحدث أنواع الأسلحة المتطورة، ويحتل مرتبة متقدمة في تصنيف أقوى جيوش العالم، وفصائل تعاني من تضييق الخناق وتجفيف منابع الدعم لسنوات طويلة، إذ بالنتائج النهائية تأتي على عكس ما ترسيه قواعد المنطق، بعيدًا عن لغة الأرقام المضللة في كثير من الأحيان.

أكثر من 4 آلاف و300 صاروخ فلسطيني تم رشق المستوطنات الإسرائيلية بهم، كبدت المحتل العديد من الخسائر على المستويات كافة، فيما زجت بالمستوطنين إلى الملاجئ رعبًا وهلعًا أمام صافرات الإنذار التي لم تتوقف ليل نهار، لتفرض واقعًا جديدًا لم يعتاده الإسرائيليون منذ انتفاضة عام 2000.

ما كان قبل الجمعة 21 من مايو/أيار (موعد دخول المبادرة المصرية لوقف إطلاق النار حيز التنفيذ) بالطبع لن يكون كما هو بعد هذا التاريخ، فخريطة الصراع تبدلت كثيرًا، وطرأ على معادلة التوازنات والقوى متغيرات عدة، من المرجح أنه سيكون لها تداعياتها خلال المرحلة المقبلة.

القوة.. سلاح التوازن

أيقن المقاومون منذ الوهلة الأولى لاندلاع شرارة المواجهات مع قوات الاحتلال في شهر رمضان الماضي أن القوة هي اللغة الوحيدة المفهومة عالميًا، وأن تغيير قواعد اللعبة لا يمكن أن يكون في ظل السلمية المعهودة التي يقابلها المحتل بإجراءات أكثر وحشية وانتقامية.

وضربت المقاومة بشعارات "التفاوض السلمي على طول الخط" التي رفعها الفلسطينيون على مدار عقود طويلة عرض الحائط، إيمانا منهم أن من يصر على استكمال المفاوضات مع "إسرائيل" دون تحقيق مكاسب ملموسة ميدانيًا إلا للكيان المحتل، هو شريك أساسي في التآمر على القضية التي تلقت - ولا تزال - طعنات في الظهر من الأصدقاء قبل الأعداء.

المتابع لخطاب الرئيس الأمريكي جو بايدن، ومن قبله وبعده تصريحات الجانب المصري، صاحب مبادرة وقف إطلاق النار، بالتوازي مع الاتصالات المستمرة بين المسؤولين في الدوحة وأنقرة مع أطراف الصراع، يجد أن المقاومة باتت الرقم الأكثر حضورًا في المعادلة الجديدة

ورغم الاحتفاء الإسرائيلي بمنظومة القبة الحديدية التي أسقطت قرابة 90% من صواريخ المقاومة، فإن النسبة المتبقية، 10%، نجحت في اختراق العمق الإسرائيلي، لتصل إلى المطارات المحصنة وتجبر سكان تل أبيب وعسقلان وغيرها من المدن على الهرولة إلى الملاجئ بين الساعة والأخرى.

وبينما لم يسقط أكثر من 6 قتلى من الإسرائيليين في عملية الجرف الصامد التي شنتها قوات الاحتلال على غزة في 2014 رغم استمرارها قرابة الشهرين، أسقطت صواريخ المقاومة 12 إسرائيليًا، وأصيب نحو 330 آخرين في 11 يومًا فقط، هذا بخلاف الخسائر المادية الأخرى التي تقترب من 3 مليارات دولار، ما يمثل نحو 0.5% من الناتج المحلي الإجمالي، بحسب تقديرات أولية إسرائيلية.

جاء رد فعل المقاومة وصمودها القوي صادمًا لـ"إسرائيل" وحلفائها في المنطقة، وهو الصمود الذي أصاب العواصم المهرولة للتطبيع مع الكيان المحتل مؤخرًا بحالة من الخرس السياسي، فغاب نضال الشعب الفلسطيني عن إعلام تلك الدول، فيما اكتفت البيانات الرمزية الصادرة عنها لحفظ ماء الوجه بلغة دبلوماسية باهتة، خالية من أي معاني الدعم والتأييد لحقوق الشعب الفلسطيني التاريخية، ومساوية بين الضحية والجلاد في خطاب واحد.

قواعد اللعبة تتغير

المتابع لخطاب الرئيس الأمريكي جو بايدن، ومن قبله وبعده تصريحات الجانب المصري، صاحب مبادرة وقف إطلاق النار، بالتوازي مع الاتصالات المستمرة بين المسؤولين في الدوحة وأنقرة مع أطراف الصراع، يجد أن المقاومة باتت الرقم الأكثر حضورًا في المعادلة الجديدة.

في السابق كانت السلطة الفلسطينية ممثلة في شخص الرئيس محمود عباس أبو مازن، قبلة الاتصالات الخارجية ومساعي التهدئة والوساطة، حين كانت الاعتداءات الإسرائيلية أشبه بنزهة خلوية، في مأمن تمامًا من أي استهداف أو مقاومة.

لكن اليوم تغيرت الأوضاع بصورة كبيرة، فالمقاومة عمليًا هي المتحدث باسم الفلسطينيين، والفصائل هي الجهة المنوط بها اتخاذ القرار، فيما اكتفى دور السلطة بالإقرار النظري لما تم اتخاذه من قرارات، بصفتها السياسية وليس العملية، وهو التغير الأول الذي طرأ على المعادلة.

توهم الإسرائيليون بدعم غير مسبوق من إدارة ترامب الراحلة أن القضية الفلسطينية يمكن تصفيتها عبر صفقات تجارية يتم إبرامها مع بعض الكيانات العربية في محاولة لقتل روح الصمود والمقاومة بالبطيئ

أما التغير الثاني فيتمثل في إقصاء العديد من الأنظمة التي كانت تصدر نفسها "الداعم الأبرز للشعب الفلسطيني"، على رأسها النظام الإماراتي، الذي انسحب - كرهًا - من المشهد بصورة كبيرة، بعد سقوط القناع المزيف إثر إبرامه اتفاق أبراهام مع دولة الاحتلال.

الأمر ينطبق كذلك على البحرين والسودان، فيما اتسم الموقف السعودي بالغموض، إذ جاء متأخرًا كالعادة، فيما خلا من اللغة الحادة التي كانت سمة السنوات السابقة، قبل تولي ولي العهد محمد بن سلمان، مقاليد الأمور في المملكة، هذا بخلاف التغطية الإعلامية المثيرة للجدل والاستفهام لا سيما "قناة العربية" التي أثارت، بمعالجتها للحرب وكواليسها، الريبة والشك في نفوس الكثير من المتابعين.

ورغم الجهود المضنية التي بذلتها بعض البلدان الخليجية الحليفة لـ"إسرائيل" لإبعاد قطر وتركيا وإيران عن المشهد الفلسطيني، تارة بالضغط على الشعب العربي المحتل عبر المال، وأخرى بالابتزاز السياسي، فإن النجاح الذي تحقق مؤخرًا أعاد الأمور إلى طبيعتها، وهو ما تترجمه الجهود التركية القطرية المبذولة بجانب الجهود المصرية، للوصول إلى التهدئة.

صفقة القرن.. شهادة وفاة رسمية

توهم الإسرائيليون بدعم غير مسبوق من إدارة ترامب الراحلة أن القضية الفلسطينية يمكن تصفيتها عبر صفقات تجارية يتم إبرامها مع بعض الكيانات العربية في محاولة لقتل روح الصمود والمقاومة بالبطيئ، لذا كانت الهرولة نحو التطبيع مع المحتل والإسراع لتنفيذ ما أطلق عليه إعلاميًا "صفقة القرن".

إيمان واشنطن بهشاشة العديد من النظم العربية الحاكمة ومساعي حكامها لإمداد بقائهم فوق كراسي الحكم أطول فترة ممكنة، كان المدخل الأوسع لإقناع تلك النظم بالانخراط في قافلة التقارب مع "إسرائيل" بزعم تعزيز المكاسب المشتركة والتصدي للتمدد الإيراني الذي تم تصديره على أنه العدو الأخطر والوحيد الذي يهدد الوجود العربي في المنطقة.

ونجحت الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة في تحقيق إنجازات كبيرة في هذا الشأن، كانت عاملًا مهمًا في توسيع رقعة استيطانها وتعزيز نفوذها على حساب الفلسطينيين، فكانت اتفاقية أوسلو وأنابوليس وغيرهما من الاتفاقيات التي هدفت إلى تصفية القضية من باب الحلحلة.

الفلسطينيون بما ظهروا عليه من توحد وتكاتف، بما فيهم عرب 48، وما حققوه من انتصارات، رمزية وميدانية، والخسائر التي أوقعوها في صفوف المحتل، والدعم الشعبي الذي فاق كل التصورات، كتبوا شهادة وفاة رسمية لصفقة القرن واتفاق أبراهام الذي أصبح لا يساوي ثمن الحبر الذي كتب به

الأيام الـ11 الأخيرة كانت مفصلية في تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي، وبعيدًا عن لغة الأرقام المضللة التي يلجأ إليها البعض للتقليل من نجاحات المقاومة لحساب الانتصار الصهيوني المزعوم، فإن الوضع ميدانيًا يحسب لفصائل المقاومة بصورة لا يمكن مقارنتها بالادعاءات التي يرفعها الصهاينة، اليهود منهم والعرب، عن نتائج تلك المواجهات.

كسر الغرور الإسرائيلي وإسقاط ادعاءات التفوق العسكري وحالة الرعب التي باتت تسيطر على شوارع تل أبيب وعسقلان وغيرها، بجانب استعادة المقاومة عافيتها مرة أخرى لتصبح الرقم الأبرز حضورًا في المشهد الآن، بخلاف عودة الزخم الإعلامي والشعبي، المحلي والإقليمي والدولي، للقضية بعد تغييب دام طويلًا، كل هذه المكاسب لا ينكرها عاقل أو مبصر.

وعليه يمكن القول إن الفلسطينيين بما ظهروا عليه من توحد وتكاتف، بما فيهم عرب 48، وما حققوه من انتصارات، رمزية وميدانية، والخسائر التي أوقعوها في صفوف المحتل، والدعم الشعبي الذي فاق كل التصورات، كتبوا شهادة وفاة رسمية لصفقة القرن واتفاق أبراهام الذي أصبح لا يساوي ثمن الحبر الذي كتب به، فضلًا عن الميارات التي أنفقت لأجل الوصول إلى تلك النقطة، على أمل أن تكون الضربة القاضية للقضية الفلسطينية.

وفي الأخير.. من المتوقع أن تسعى بعض القوى الإقليمية والدولية لحرمان المقاومة من حصد ثمار صمودها في الحرب الأخيرة، والعمل على تقليل الانتصارات التي حققتها على حساب القوة الإسرائيلية الغاشمة، لكن الفلسطينيين قرأوا الدرس جيدًا هذه المرة، واستطاعوا تغيير قواعد اللعبة وفق أجندتهم الخاصة، ليلقوا بالكرة في ملعب الدول الداعمة لفلسطين، قضية وشعبًا، وهو ما ستظهره الأيام القادمة.