احتجاجات على الأوضاع المعيشية في صحار

احتجاجات على الأوضاع المعيشية في صحار

شهدت مدينة صحار العمانية (شمال غرب) اليومين الماضيين، عددًا من التظاهرات، احتجاجًا على الأوضاع المعيشية المتردية، وزيادة معدلات البطالة بين الشباب العماني خلال الآونة الأخيرة، وسط إجراءات أمنية مشددة، فيما وقعت اشتباكات بين الأمن وبعض المتظاهرين بحسب مقاطع الفيديو المنتشرة على مواقع التواصل الاجتماعي.

خرج المحتجون في عدد من المناطق والمدن المتفرقة، رافعين شعارات منددة بسياسة تسريح العمالة التي تتبعها وزارة العمل التي تتبرأ من مسؤوليتها بشأن توظيف الشباب، بحسب بعض المشاركين في تلك التظاهرات، الذين أكدوا على سلمية حراكهم والتزامهم التام بالحفاظ على أمن واستقرار السلطنة.

أثارت الأجواء قلق الكثير، سواء من بين العمانيين أنفسهم، أو المراقبين للوضع من الخارج، بشأن تكرار سيناريو 2011، ودخول السلطنة إلى نفق مظلم جديد من القمع والتنكيل وتصاعد حدة الاحتقان.

ويحدث هذا في الوقت الذي تعاني فيه البلاد من حالة ركود شديد جراء التدهور الملحوظ في أسعار النفط الذي تعتمد عليه البلاد في دعم اقتصادها، بجانب التداعيات الناجمة عن تفشي فيروس كورونا.

وتعد مشكلة البطالة واحدة من أكثر الأزمات التي تواجه السلطة العمانية، السابقة والحالية، إذ تتجاوز نسبة الـ 50% بين الشباب الذكور، والـ 70% بين الإناث، وتعد من أكبر المعدلات في منطقة الخليج والشرق الأوسط عمومًا، الأمر الذي دفع السلطنة لاتخاذ بعض السياسات لاحتواء تلك الأزمة، لكن يبدو أنها لم تعد كافية لتسكين الوضع المشتعل يومًا تلو الآخر.

أوضاع معيشية صعبة

يحيا العمانيون أوضاعًا معيشية صعبة، في ظل ما يعانيه اقتصاد الدولة من أزمات خانقة، كون الاقتصاد العماني من أكثر اقتصادات المنطقة تأثرًا بالوباء الذي كبد العالم خسائر بمئات المليارات خلال الأشهر الماضية، ما انعكس بشكل كبير على حياة الشعب اليومية.

ومن مظاهر هذا الوضع المتأزم تراجع متوسط النمو في السلطنة إلى 1% في عام 2019 و1.7% في عام 2020 وتوقعات باستمرار التراجع إلى 2.3% في عام 2021، مقارنة بالتوقعات الإيجابية السابقة التي كانت تذهب إلى زيادة الناتج المحلي الإجمالي للسلطنة بنسبة 1.3% في عام 2019 و3.2% في عام 2020 و3% في عام 2021، بحسب مؤسسة أوكسفورد إيكونوميكس.

وأمام هذا التراجع اتخذت السطنة حزمة من الإجراءات والسياسات التي سعت من خلالها إلى تحسين الأوضاع نسبيًّا وتقليل معدلات البطالة المتفاقمة، وذلك عبر توطين الوظائف، حيث دخلت قطاعات بأكملها حيز "التعمين" خلال الأعوام الثلاثة الماضية.

في الربع الأول من العام 2019 نجح القطاع الخاص في توفير قرابة 27 ألف فرصة عمل، بجانب وقف التصريح باستقدام عمالة أجنبية بشكل مؤقت في بعض المجالات، لكنها لم تكن كافية، إذ إن معظمها كان مرتبطًا بقطاعات تأثرت كثيرًا بفيروس كورونا، على رأسها قطاعات السياحة والنفط والغاز.

وبينما حرصت معظم بلدان الخليج على الالتزام بالإجراءات الاحترازية واعتماد سياسات الإغلاق خشية تفشي الفيروس، أيًّا كانت الخسائر المترتبة على ذلك، اضطرت مسقط -كغيرها من دول العالم النامي- لتخفيف تلك الإجراءات شيئًا فشيئًا هربًا من تفاقم الوضع الاقتصادي، الذي ما عاد يتحمل المزيد من تلك الإجراءات.

شبح 2011

مخاوف من شبح 2011 بدأت تخيم على الأجواء، لا سيما في ظل التطابق الكبير بين دوافع الخروج قبل عشر سنوات واليوم، هذا بخلاف ما يثار بشأن تورط أيادٍ خارجية في إحداث حالة القلق والارتباك داخل الشارع العماني.

ولعل ما دفع البعض للذهاب إلى هذا السيناريو -غير المؤكد- اقتراب مناطق الاحتجاج (صحار) من الحدود الإماراتية، كونها أول مدينة رئيسية يدخل إليها سكان السلطنة بعد عبور الحدود من الجارة الخليجية.

وقد خرجت قبل عشر سنوات العديد من التظاهرات للمطالبة بتحسين الأوضاع المعيشية، فيما تصدى السلطان الراحل، قابوس بن سعيد، لهم بفرق الأمن المسلحة، ما تسبب في وقوع اشتباكات واعتقالات وتضاربت الأنباء بشأن سقوط عدد من القتلى في تلك المواجهات.

الفوضى التي خيمت على الأجواء حينها والتعامل الأمني المشدد مع المتظاهرين، رغم شعارات السلمية التي رفعت وقتها، دفعت المتظاهرين لتغيير استراتيجية المواجهة، فبات حرق مراكز التسوق التجاري وبعض البنايات هو رد الفعل الانتقامي على تعنت الشرطة معهم.

ومع تصاعد الأحداث اضطر السلطان الراحل إلى تخفيف منسوب التوتر، وتجنب التصعيد لا سيما بعدما تجاوزت الاشتباكات خطوطها الحمراء، ما دفعه لتوفير 50 ألف وظيفة جديدة في القطاع العام، وأوعز بصرف 150 ريالًا (نحو 390 دولارًا) شهريًّا للعاطلين عن العمل.

ما أشبه الليلة بالبارحة.. فالتوتر الحدودي مع الإمارات على أشده، بسبب عدة اتهامات للجارة الخليجية بالتجسس الاستخباراتي على السلطنة، ومحاولة زعزعة الاستقرار بها، هذا بخلاف زيادة منسوب الاحتقان الشعبي جراء معدلات البطالة المتفاقمة وتراجع المستوى المعيشي، الأمر الذي يضع السلطان هيثم بن طارق، الذي تولى السلطة في يناير/ كانون الثاني 2020، في أول اختبار حقيقي له.

الوافدون.. كبش الفداء

معظم الحلول التي قدمها المحتجون ومعهم الخبراء والسياسيون العمانيون للخروج من هذه الأزمة تذهب في اتجاه واحد، استبدال العمالة الأجنبية بالوطنية، وهي السياسة التي ثبت فشلها طيلة السنوات الماضية، في ظل عدم تأهيل الغالبية العظمى من الكوادر العمانية للقيام بهذا الدور مرة واحدة.

حتى الشعارات التي رفعها الغاضبون طيلة فعالياتهم الاحتجاجية منذ عام 2011 وحتى اليوم، تؤكد على هذا الحل كخيار أساسي لتخفيف حدة التوتر والاحتقان، ورغم إرساء السلطنة لبعض السياسات المتعلقة بتعمين قطاعات بعينها، إلا أن ذلك لم يحقق الهدف المطلوب، الأمر الذي دفع السلطات العمانية إلى السير بخطوات تدريجية في هذا المسار.

ومع كل فاعلية احتجاجية ينظمها الشباب العماني، يضع الوافدون في السلطنة أيديهم على قلوبهم خشية أن يكونوا "كبش الفداء" المحتمل لامتصاص الغضب الشعبي، في ظل الوضعية الاقتصادية المتأزمة التي تعاني منها البلاد، والتي يصعب معها تلبية احتياجات الغاضبين دون ضحايا.

ويمثل الوافدون أكثر من 40% من إجمالي سكان السلطنة الذين يبلغ عددهم قرابة 4.6 مليون نسمة، فيما تذهب بعض التقديرات إلى وجود 1.8 مليون عامل أجنبي في السلطنة، وهو ما يصعّب من مهمة الإطاحة بهذا الرقم، نظرًا إلى ما يمكن أن يترتب عليه من هزة اقتصادية واجتماعية لا تتحملها البلاد في الوقت الراهن.

ورغم تسريح نسبة كبيرة من الوافدين، خلال العام الأخير تحديدًا، فضلًا عن اضطرار الكثير منهم لمغادرة البلاد نتيجة الضغوط التي مورست عليهم، سواء بتقليل الرواتب والأجور أو زيادة ضغط العمل، وفضلًا عن تعرضهم للابتزاز بين الحين والآخر، إلا أن الأزمة تتصاعد عكس ما كان يتوقع البعض، وهو ما تكشفه أرقام البطالة المتزايدة.

أزمة جديدة تواجهها السلطنة، لكنها هذه المرة من الداخل، وهي مخاوف من تكرار سيناريو 2011، مقابل طفرة واضحة في منسوب الاحتقان الشعبي جراء الأوضاع المتردية، يرافقها مخاوف مئات الآلاف من الوافدين بشأن مستقبلهم الوظيفي، فهل تنجح السطات الحاكمة في احتواء المشهد قبل الخروج عن السيطرة؟