انتهى العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة المحاصر، ولم تنتهِ آثاره الكارثية على سكانه منذ 15 عاماً، مخلفًا آلامًا كبيرة ومآسي هائلة على أهالي الشهداء والجرحى وأصحاب البيوت المهدمة، إلى جانب حزمة كبيرة من الآثار النفسية والاجتماعية التي تضرب بالدرجة الأولى الأطفال الذين عاشوا أيامًا من جحيم الحرب والقصف وأصوات الصواريخ، بالإضافة إلى مشاهد الدماء والقتل والتدمير.

ما بين تجربة نزوح الأطفال مع عائلتهم ولجوئهم إلى مدارس الأونروا واحتمائهم بها، وما بين خسارة بيوتهم وهدمها، أو حزنهم الشديد على فقدان أحد من عائلتهم، أو من نجوا وبقوا الوحيدين تحت الأنقاض وهم على قيد الحياة، أو من فقد أحد أطرافه نتيجة الإصابة.. كلها مشاهد مؤلمة لا تفارقهم وتتداخل مع حياتهم اليومية.

وبحسب وزارة الصحة الفلسطينية فإن 69 طفلًا قتلوا في العدوان الإسرائيلي الأخير على قطاع غزة المحاصر، كما أصيب العشرات بجراح مختلفة، لكن الحديث هنا ليس عن الإصابات الجسدية المباشرة فقط، حيث يجمع مختصون نفسيون على أن مئات آلاف الأطفال في القطاع أصيبوا بآثار نفسية صعبة بدرجات مختلفة خلال العدوان الأخير، قد تغير مجرى حياتهم وتجعلهم عرضة لآثار نفسية مختلفة.

وتعرَّف هذه الآثار النفسية على أنها "اضطراب بعد الصدمة"، ما ينعكس على الأطفال بآثار صعبة أبرزها الشعور بفقدان الثقة وتراجع الشعور بالأمان والدعم العاطفي والأسري.

كما تعرِّف جمعية الطب النفسي الأميركي "الصدمة" بأنها اضطراب ضغوط ما بعد الصدمة، وذلك للدلالة على اضطراب نفسي خاص يتلو حدوث الصدمة بسبب الحرب.

وقسمت الجمعية التأثيرات النفسية للحرب على الأطفال (الصدمة) إلى قسمين، الأول هو أفكار مرتبطة بالحدث تكون آنية وقلق وخوف مستمران، والثاني هو اضطراب ضغوط ما بعد الصدمة عند الأطفال، يتمثل في إعادة الضغوط عند الطفل عن طريق اللعب المتكرر، وانخفاض رغبته في بعض الأنشطة والمهارات، بما فيها الكلام.

يجب على الأم أن تراقب أطفالها ولربما قد تظهر مجموعة من الاضطرابات المتنوعة التي يعاني منها الأطفال والمراهقون بعد معاشاتهم لتجربة العدوان.

وللتعليق على ماهية الآثار النفسية للأطفال ما بعد العدوان الإسرائيلي، وكيفية تعامل الأم مع أطفالها من أجل التخفيف عنهم، أجرى "نون بوست" حوارًا مع مجد الحمامي، المختصة والمعالجة النفسية في مركز منارة.

أعراض وآثار الصدمة النفسية

عن المشكلات والاضطرابات النفسية التي تصيب الأطفال بعد الحروب، تقول الحمامي: "يجب على الأم أن تراقب أطفالها ولربما قد تظهر مجموعة من الاضطرابات المتنوعة التي يعاني منها الأطفال والمراهقون بعد عيشهم لتجربة العدوان، مثل: اضطرابات في المزاج والشخصية أو عدم الإحساس بالذات والعالم الواقعي، والاكتئاب، وفقدان الذاكرة، وضعف التركيز الذي سيؤدي إلى مشكلات تعليمية منها تراجع التحصيل الدراسي للطفل".

وحول أعراض ضغط الصدمة النفسية للأطفال التي قد تظهر بدرجات مختلفة، وقد لا تظهر مباشرة إلا بعد أيام أو أسابيع، فتبين الحمامي مجموعة من الأعراض، أهمها: "الخوف والفزع والكوابيس الليلية، وسيطرة ذكريات ما حدث على تفكير الطفل والسؤال عن تكرار تلك التجربة، وعلامات التبول اللاإرادي، ومص الأصابع، وقد تظهر أعراض جسمية مثل الصداع، آلام في المعدة، كما يصبح الطفل متوترًا ومشتتًا ولا يطيع توجيهات والديه".

لافتة إلى أنه عند ظهور هذه الأعراض يتوجب على الأهل مراجعة الطبيب المختص، أو مراكز الدعم النفسي.

كيفية تقديم المساعدة وتفريغ صدمات الأطفال

للتغلب على هذه الأعراض، ترى الحمامي أن كل هذه المظاهر قد تكون استجابة طبيعية لما حدث، ويجب على الأم أن تسأل طفلها، خاصة الذي عمره أقل من 7 سنوات، بماذا يشعر وما هو الألم المصاحب له، وملاحظة نبرة صوته وحركات جسده من أجل تقديم الدعم اللازم، خوفًا من أن تحدث تأثيرات طويلة الأمد.

وتؤكد الحمامي على ضروه اتباع عدة إجراءات وتدابير لاستعادة السيطرة على عواطف وسلوك الطفل، وأهم إجراء في تفريغ صدمات الأطفال هو تقبّل الوالدين للاضطراب الذي يحصل للطفل، لأن هذا طبيعي في هذه المرحلة.

وتستطيع الأمهات تقديم المساعدة لأبنائهن من خلال عدة تمارين سهلة يقومون بها في البيت، مثل: سرد القصص، تمارين التنفس والتأمل والتخيل لأشياء جميلة يحبونها، إطلاق التعبير عما يجول في خاطرهم، تمرين الرسم والتلوين والصور وتشكيل الصلصال، وكلها بمساعدة الأم وعدم ترك الطفل لوحده من دون مساعدة، كي ينسى ما حدث.

أما الإجراء الثاني، تقول الحمامي، يجب إبعاد الأطفال عن مشاهدة القنوات التلفزيونية التي تعرض مشاهد الحروب والقصف، وتزيد من قلقهم وخوفهم، لذلك تقع على عاتق الأهل مسؤولية التحكم فيما يقوم أطفالهم بمشاهدته.

نحن في ظرف استثنائي صعب، لذلك أطلقوا العنان لأطفالكم واسمحوا لهم بالنوم معكم أو إذا طلب منكم أن ينام بين إخوانه أو في أحضان أمه.

وعن أكثر المشاكل التي تواجه أطفال قطاع غزة المحاصر ما بعد العدوان الإسرائيلي، تقول الحمامي: "أكثرها المتعلقة بالنوم حيث يخاف الأطفال أن يناموا ليستيقظوا على أصوات القصف والطائرات، بالإضافة إلى المشاكل المرتبطة بالخوف، والخوف من الظلام، ومن النوم وحدهم في غرفهم خوفًا من أن يتكرر القصف مرة ثانية، والخوف من الأصوات المرتفعة التي تشبه صوت القصف والصراخ، والخوف من الحركات المفاجأة".

ومن أجل التغلب على هذه المشكلات النفسية ومساعدة الأطفال على تخطي حاجز الخوف، تضيف الحمامي: "نحن في ظرف استثنائي صعب، لذلك أطلقوا العنان لأطفالكم واسمحوا لهم النوم معكم، أو إذا طلب منكم أن ينام بين إخوانه أو في أحضان أمه، وأعطوهم الأمان من خلال معانقة الأم لأطفالها وملامسة أجسادهم، وإذا كان هناك طفل أمه استشهدت يجب أن يعوضه الكبار والأقارب باحتضانه والعطف عليه. وإعطاؤهم فرصة للتعبير عن مشاعرهم وانفعالاتهم وعدم الرفض أو قمع رغبات الطفل".

الأطفال أكثر الفئات تضررًا

تقول منظمة اليونيسف في تقرير لها إن نحو 72 ألف فلسطيني في قطاع غزة المحاصر، نزحوا نتيجة القصف الإسرائيلي ونصفهم من الأطفال. ووفقًا لصندوق الطوارئ التابع للأمم المتحدة، كان واحدًا من كل ثلاثة أطفال في غزة بحاجة إلى دعم نفسي قبل التصعيد الأخير، ومن المتوقع الآن أن يزداد عدد الأطفال الذين تظهر عليهم أعراض الضيق النفسي والاجتماعي.

وأضافت الوكالة التابعة للأمم المتحدة أن "ما يقدر بنحو 250 ألف طفل يحتاجون إلى خدمات الصحة العقلية والحماية، وضرورة تقديم الدعم اللازم".

وبحسب وزارة الصحة الفلسطينية، قتل 69 طفلًا في العدوان الإسرائيلي الأخير على قطاع غزة المحاصر، كما أصيب العشرات بجراح مباشرة بعضهم بترت أطرافهم. كما جرى تدمير مئات المنازل ما أجبر آلاف الأطفال على فقدان بيوتهم وغرفهم وذكرياتهم، ما دفعهم للجوء إلى المدارس في ظروف صعبة للغاية، وباتوا اليوم من دون منازل.

يضاف إلى ذلك، أن العدوان الإسرائيلي الأخير استهدف العديد من مقرات المنظمات المحلية والدولية التي كانت معنية بتقديم الخدمات التعليمية والترفيهية، وخدمات العلاج والدعم النفسي للأطفال في قطاع غزة المحاصر، وقالت منظمات دولية إن أطفالًا كانوا يتلقون فيها علاجًا نفسيًّا ودعمًا اجتماعيًّا، قتلوا أو أصيبوا في العدوان الإسرائيلي الأخير.