تتفاوض الولايات المتحدة الأميركية للخروج من أفغانستان منذ سنوات؛ تصل إلى مستويات معقولة من الاتفاقات ثم تحدث انتكاسة تعيد الكرّة من جديد، ويبقى العالم يتابع أدق تفاصيل محاولة واشنطن المستميتة للخروج من المستنقع الأفغاني، لكن لا يلتفت أحد إلى الحالة التي وصل إليها الاقتصاد الأفغاني، الذي ستغادره أميركا وهو يقف على عتبات مستويات مرعبة من الدمار.‏

خطة انسحاب أميركا

بدأت الولايات المتحدة رسميًّا في الأول من مايو/ أيار الحالي سحب آخر جنودها من أفغانستان، في محاولة لإنهاء حرب استمرت 20 عامًا دون أن تحقق فيها واشنطن أي نجاح يذكر، بل على العكس تسيطر طالبان الآن أكثر من أي وقت مضى، ونزعت اعترافًا دوليًّا بقوتها وقدرتها على السيطرة مجتمعيًّا وسياسيًّا وعسكريًّا في البلاد.

من المقرر الآن أن يكتمل الانسحاب الأميركي بقرار من الرئيس جو بايدن في سبتمبر/ أيلول القادم، بعد 20 عامًا من غزو البلاد في أعقاب هجمات الحادي عشر من سبتمبر.

ويبدو واضحًا أن الانسحاب يجري دون خطة واضحة لمستقبل التواجد الأميركي في أفغانستان بعد سبتمبر/ أيلول. وليست الولايات المتحدة وحدها بل الناتو -شركاء أميركا- أيضًا خططهم غير واضحة، على الرغم من تحرك البعض لسحب قواته بالفعل وخفض أعدادهم تحسبًا لانسحاب الولايات المتحدة.

يعود تدخل الولايات المتحدة في أفغانستان إلى ما قبل أحداث عام 2001، حيث تعاملت الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي مع التعقيدات الأمنية بالمنطقة ​​بالشراكة مع الحكومة الأفغانية.

كانت أميركا تعلم جيدًا أن هذه البقعة من العالم محفوفة بالمخاطر، وبإمكانها تدمير استقرار القارة الآسيوية بأكملها، بسبب موقعها الذي يقبع عند مفترق طرق مهم بين أجزاء مختلفة من القارة، ولهذا غزت عدة قوى عظمى أفغانستان في الماضي.

لكن المثير للتأمل أن كل قوة كبرى أقدمت على غزو الأفغان، كانت تتركهم في حالة من الفوضى لا مثيل لها، غزا البريطانيون أفغانستان عدة مرات في القرن التاسع عشر ظاهريًّا لدرء تدخل روسيا الإمبريالية وتركوها محطمة تمامًا.

كما حاولت روسيا نفسها -الاتحاد السوفيتي-، وكان هدف السوفيت المعلن أيضًا من حرب دامت 10 سنوات هو "دعم الحكومة الأفغانية الصديقة للاتحاد السوفيتي"، لكنه في النهاية عندما فشل في تحقيق أهدافه ومصالحه، اتّبع أسلوب الأرض المحروقة لتدمير البلد كليًّا. 

استخدم السوفيت ضد شعب يستخدم تكتيكات بدائية في المعارك، مقاتلات متعددة المهام، وقاذفات القنابل، وطائرات هجومية، وقوات أرضية، وقوات خاصة لتدمير البنى التحتية والقرى والمنازل ومدخرات الدولة من المحاصيل وغيرها.

إلّا أن كل ذلك لم يفلح في انتزاع انتصار عسكري يناسب عدم تكافؤ النيران بين الجانبين، بل وضعهم الأفغانُ في أعنف اختبار ممكن، وانتهت التجربة بإسقاط الاتحاد السوفيتي وتفكيك القطب الثاني للعالم، وعلى أساس ذلك تشكل نظام دولي جديد، يحكم قبضته على العالم حتى الآن. 

الوضع الأمني والاقتصادي

تترك أميركا أفغانستان وهي واحدة من أفقر البلدان في العالم، حيث نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي حوالي 500 دولار، ويواجه السكان بطالة وسوء ظروف صحية وضعف في البنية التحتية الأساسية -الصحة والمياه والكهرباء- بجانب انعدام الأمن.

وزادت جراء ذلك هجرة الأفغان إلى الدول الغربية بشكل كبير في السنوات الأخيرة، خاصة من القوى العاملة المؤهلة، والكوادر التي تملك قدرات استثنائية في البلاد، ما يشكل خطرًا كبيرًا على التنمية طويلة الأجل في أفغانستان. 

صورة

في المقابل، انخفضت التحويلات من المغتربين الأفغان بسبب تداعيات فيروس كورونا، وهو السبب نفسه الذي دعا الحكومة إلى تعزيز الإنفاق العام للتخفيف من آثار الوباء، ما أدى إلى زيادة الدين العام 7.8% من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2020 مقابل 6.1% في العام السابق، وتسبب أيضًا في عجز كبير بالحساب التجاري وانخفض ​​إلى 1.8 مليار دولار أميركي مقابل 2.2 مليار دولار أميركي في العام السابق.

تأثير هذه الأرقام، تحدّث عنها حديثًا صادمًا المفتش العام الأميركي المسؤول عن إعادة إعمار أفغانستان، وأكد أن مستوى الفقر في أفغانستان عام 2020 بلغ حدودًا قاسية، وارتفع من 55% في عام 2019 إلى 72% في عام 2020.

كما ارتفع معدل البطالة إلى 38% مقارنة بـ 24% عام 2019، ويواجه الآن أكثر من 11 مليون شخص -حوالي 30% من سكان أفغانستان البالغ عددهم 38 مليون نسمة-، حالة خطيرة من انعدام الأمن الغذائي، وباتوا على حافة المجاعة. 

يحدث ذلك في ظل انهيار الصناعة الوطنية بشكل شبه كامل، وعلى أثر ذلك انخفضت صادرات البلاد إلى باكستان -الشريك التجاري الأول لأفغانستان- بنحو 57% مقارنة بمنتصف عام 2019، بينما انخفضت وارداتها من باكستان أيضًا بنحو 44%، وبالتالي الخروج الأميركي والبلاد على هذه الحالة سيجعلها في حاجة عاجلة إلى 6 مليارات دولار، بحسب تقديرات برنامج الأمم المتحدة الإنمائي. 

هذه المليارات حال توفرها سيتم ضخها في شكل منح دولية على مدى السنوات الخمس المقبلة، لتعويض خسائر البلاد من فيروس كورونا، فضلًا عن صيانة شبكة الأمان الاجتماعي المحطمة بشكل شبه تام، ومواجهة الفساد المستشرى في المؤسسات المالية والسياسية، وإيجاد هياكل مساءلة قوية. 

تضامن المجتمع الدولي

لكن المليارات العاجلة لن يتم إتاحتها بهذه السهولة، إذا عرفنا أن المجتمع الدولي عقد مؤتمرًا في جنيف نوفمبر/ تشرين الثاني 2020، لبحث مستقبل البلاد من عام 2021 وحتى عام 2024 -فترة ما بعد انسحاب أمريكا-.

بدا المؤتمر وكأنه يقضي على أفغانستان ولا يمد العون لها كما هو معلن، إذ ربط بين الدعم وما أسماه التزام الحكومة بإحراز تقدم متسارع في جهود مكافحة الفساد والحد من الفقر، ودفع محادثات السلام الجارية. 

المثير أن البنك الدولي نفسه، أعلن تخوفه من اشتراطات المؤتمر، وتوقع عدم ضخ الأموال الإضافية المتفق عليها في جنيف، بل توقع أن ينخفض الدعم الخارجي للشعب الأفغاني بنحو 20% عن ما كان يتم دفعه خلال تواجد الجيش الأميركي في البلاد من شركاء وحلفاء الولايات المتحدة، حيث تم ضخ 15.2 مليار دولار أميركي في ميزانية أفغانستان خلال الفترة 2016-2020.

هذا يعني أن البلاد ستواجه تحديات هائلة، قد تفضي إلى كارثة بسبب الصراعات السياسية والعسكرية المتوقع اندلاعها بين الجبهات المختلفة، بعد انسحاب أميركا واستمرار انعدام الأمن، وانهيار مؤسسات الدولة التي لها شراكات اقتصادية مع مؤسسات المجتمع الدولي.

صورة

شروط كهذه تبدو وكأن المجتمع الدولي ينفض يديه بعد خروج أميركا من أفغانستان، إذ يعرف جيدًا أن طالبان لن تتنازل عن شن هجمات شرسة على المواقع الحكومية، التي تحشد لها قوات تتكتل الآن على أطرف عدة مدن استراتيجية في البلاد، انتظارًا للخروج الأميركي، ولا توجد أي مؤشرات واضحة على نجاح أي من المحاولات اليائسة لإيجاد طريق سريع للسلام.

تصريحات قادة طالبان توضح أنهم يعيشون نشوة النصر على الولايات المتحدة، وبالتالي لا حاجة إلى اتفاقات إن كان بإمكانهم تحقيق نصر ساحق على القوات الحكومية، وإعادة الحكم الطالباني مرة آخرى على كامل التراب الأفغاني، خاصة أنهم لا يثقون بأميركا ويعتقدون أنها تفاوضهم في الوقت الذي تقدم فيه كل الدعم للحكومة الأفغانية وتحاول توسيع صلاحياتها وتقوي من تحالفاتها على الأرض، لتنقض عليهم في الوقت المناسب.   

يمكن القول أن أميركا ستترك الأفغان في حالة اضطراب غير مسبوقة، ويبدو واضحًا أن إعادة الإعمار بعد الحرب عملية شاقة للغاية، ومرهونة باستقرار الوضع الداخلي أولًا، وهي معادلة لم تنجح فيها القوات الأميركية بكل إمكاناتها طوال عقدين من الزمان، الأمر الذي سيؤثر حتمًا على الوضع الأمني ​​العام في البلاد، وسيؤثر بالتبعية على الأمن القومي للدول المجاورة.