كشفت منظمة "سند" الحقوقية المستقلة عن حملة اعتقالات جديدة شنتها السلطات السعودية ضمت 12 ناشطًا وناشطةً، أبرزهم الناشط عبد الله جيلان، على خلفية تغريدات لهم على مواقع التواصل الاجتماعي، دون أن تحدد موعد توقيفهم بدقة.

المنظمة في تغريدة عبر حسابها نشرت مقطعًا مصورًا لخطيبة جيلان، تشير فيه إلى انقطاع التواصل بينها وبين خطيبها منذ منتصف مايو/آيار الحاليّ، وأنها علمت بتعرض منزله للمداهمة من قوات الأمن عن طريق بعض أصدقائه، مضيفة "أنا خائفة ومذعورة ولا أعرف شيئًا عنه ولا أدري إذا كان حيًا أم ميتًا، وأنا خائفة من أن يواجه نفس مصير الصحفي جمال خاشقجي".

بعض المصادر أكدت احتجاز جيلان ورفقائه المعتقلين عند جهاز أمن الدولة السعودي منذ ليلة عيد الفطر، ومن بين الأسماء الموقوفة، الناشطة زينب ولدن والناشط أبو دحام والناشطة نازا، فيما دعت المنظمة إلى الإفراج الفوري عن المعتقلين ووقف حملات الاعتقال التعسفية التي باتت السمة الأبرز حضورًا للنظام السعودي الحاليّ.

وتواجه المملكة خلال السنوات الأخيرة انتقادات حقوقية حادة جراء سياسة الاعتقالات المستمرة بحق المعارضين والنشطاء، في الداخل والخارج، وخنق المعارضة بشتى أنواعها، الأمر الذي زاد من تشويه الصورة الخارجية للسعودية رغم المليارات التي تنفقها لتحسينها دوليًا.

حملة مستمرة

قبل أيام كشف الباحث والأكاديمي السعودي المعارض سعيد بن ناصر الغامدي اعتقال المملكة لـ13 ناشطًا خلال الآونة الأخيرة، دون تحديد هويتهم، بسبب "نشاطهم الحقوقي وتواصلهم مع نشطاء الخارج"، وهو ما يتناغم مع ما كشفته بعض المنظمات والحسابات المهتمة بالشأن الحقوقي.

في نهاية مارس/آذار الماضي أفاد حساب "معتقلي الرأي" على تويتر بارتفاع أعداد من اعتقلتهم السلطات السعودية جراء تفاعلهم مع وسم "اعتقالات_جديدة_بالسعودية" إلى 9 معتقلين، لافتًا إلى أن الممكة استغلت انشغال الرأي العام العالمي بأزمة فيروس كورونا المستجد (كوفيد 19) لتشن حملة اعتقالات جديدة بحق المعارضين.

الناشط الحقوقي السعودي يحيى عسيري أكد هذا الكلام في تصريحات لـ"الجزيرة"، لافتًا إلى أن الاعتقالات شملت إعلاميين وباحثين ونشطاء، أبرزهم الناشط الإعلامي محمد الجديعي وطالب الدكتوراه ماجد الغامدي والناشط الإعلامي المعروف منصور الرقيبة وآخرين.

وأضاف عسيري أن المملكة تلاحق كل صاحب رأي مخالف "حتى أولئك الذين كانوا معها في يوم من الأيام"، منوهًا أن السلطات الحاكمة هناك لا تريد أن تسمع أي صوت غير صوتها الرسمي فقط، وهو الأمر الذي دفع العشرات من أصحاب الرأي لمغادرة السعودية قبل الزج بهم في المعتقلات كغيرهم.

منذ قدوم ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، وتتصدر جرائم النشر عبر السوشيال ميديا قائمة الجرائم الأكثر انتشارًا وحضورًا داخل أروقة المحاكم وفي غياهب السجون والمعتقلات، إذ ترى السلطات الحاكمة أن حرية النشر والتعبير هي الخطر الأكبر الذي يهدد كيانها واستقرارها

تحذير وترهيب

وبعد ساعات من حملة الاعتقالات الأخيرة أصدرت النيابة السعودية بيانًا نشرته على حسابها على تويتر، حذرت فيه من نشر أي مواد تمس بالنظام العام، مشددة على فرض عقوبات رادعة على كل من يتورط في هذه الممارسات، تتراوح بين السجن والغرامة.

النيابة في بيانها الصادر أمس 29 من مايو/أيار حذرت من "إنتاج ما من شأنه المساس بالنظام العام أو القيم الدينية أو الآداب العامة" عبر شبكة الإنترنت، منوهة أن من شأن تلك المعلومات التي أسمتها بـ"المغلوطة" تضليل الرأي العام ومساسها بالنظام العام، محذرة من المشاركة في ذلك.

البيان أشار إلى أن العقوبات المتوقعة بحق كل من يشارك تلك المعلومات عبر منصات التواصل الاجتماعي تتضمن غرامة مالية قد تصل إلى 3 ملايين ريال والسجن لمدة تصل إلى 5 سنوات، أو بإحدى هاتين العقوبتين، فيما جاء التحذير فضفاضًا يحمل الكثير من التأويلات.

لم يكن هذا الترهيب هو الأول من نوعه، إذ سبق للأجهزة النيابية والقضائية السعودية أن حذرت سابقًا من المساس بأمن واستقرار المملكة من خلال تعريض صورتها للتشويه، سواء على المستوى الداخلي أم الخارجي، في إشارة إلى المنشورات الصادرة عن المعارضين التي تكشف القمع والتنكيل وتضييق الخناق عليهم بشتى السبل.

ومنذ قدوم ولي العهد، الأمير محمد بن سلمان، وتتصدر جرائم النشر عبر السوشيال ميديا قائمة الجرائم الأكثر انتشارًا وحضورًا داخل أروقة المحاكم وفي غياهب السجون والمعتقلات، إذ ترى السلطات الحاكمة أن حرية النشر والتعبير هي الخطر الأكبر الذي يهدد كيانها واستقرارها.

اشتداد القمع

الانتقادات التي تعرض لها ابن سلمان جراء انتهاكاته الحقوقية المتواصلة ودوره المحوري في تشويه صورة بلاده في المحافل الحقوقية الدولية، دفعته لاتخاذ حزمة من الإجراءات التي سعى من خلالها لتجميل تلك الصورة الملطخة بدماء المعارضين، مخصصًا لذلك ميزانية مفتوحة من خزانة المملكة.

وتضمنت حملة تجميل الصورة صدور بعض القوانين المتعلقة بحقوق المرأة والسماح بقيادة السيارة وحضور المباريات الكروية في الملاعب الرياضية، هذا بجانب السماح لها بالسفر دون مرافق، بجانب فتح الباب على مصراعيه أمام الترفيه ودور السينما، وتقويض صلاحية هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتقليم أظافر العلماء واستئناسهم، والزج بالثقات منهم في السجون والمعتقلات.

إلا أن تلك الإجراءات الظاهرية لم تنطل على المنظمات الحقوقية التي لم تقتنع بها، معتبرة أنها حملة علاقات عامة ممنهجة أكثر منها تغيير في العقيدة السياسية التي تحكم البلاد، تهدف في المقام الأول إلى حصول ولي العهد على مباركة الغرب لخلافة والده على العرش بعدما بات هذا الحلم مهددًا بسبب انتهاكاته المستمرة.

"لا يمكن للسعودية تحسين صورتها الدولية طالما أنها تُضايق منتقديها، وتعتقلهم، وتعذبهم حتى يُذعنوا أو تجعلهم يفرون إلى الخارج".. مايكل بَيْج، نائب مدير الشرق الأوسط في هيومن رايتس ووتش

"هيومن رايتس ووتش" في تقرير لها في الـ23 من الشهر الحاليّ أشارت إلى "استمرار قمع السلطات السعودية للمعارضين، ونشطاء حقوق الإنسان والمنتقدين المستقلين بنفس الشدة رغم إطلاق سراح بعض النشطاء البارزين في أوائل 2021"، فيما قال مايكل بَيْج، نائب مدير الشرق الأوسط في المنظمة: "إفراج السعودية عن عدد من النشطاء البارزين لا يُشير إلى تخفيف القمع عندما تنطق محكمة قضايا الإرهاب في البلاد بأحكام بالسجن لمدة 20 عامًا بسبب انتقادات سلمية. قد تكون السلطات السعودية أفرجت عن بضعة أشخاص لتخفيف الضغط الدولي، لكن موقفها تجاه المعارضين لا يزال على حاله".

المنظمة استعرضت العديد من حالات الاعتقالات والتعذيب التي طالت نشطاء خلال الآونة الأخيرة، منوهة إلى مواصلة السلطات السعودية استهداف ومضايقة المعارضين وأسرهم باستخدام أساليب متنوعة، بما في ذلك فرض وتجديد منع السفر التعسفي، والاحتجاز التعسفي لأفراد أسرهم بطرق ترقى إلى العقاب الجماعي.

واختتمت المنظمة تقريرها بتأكيد نائب مدير الشرق الأوسط فشل المملكة في معالجة التشوهات التي طالت صورتها الخارجية في ظل الاستمرار على ذات السياسات والانتهاكات قائلًا: "لا يمكن للسعودية تحسين صورتها الدولية طالما أنها تُضايق منتقديها، وتعتقلهم، وتعذبهم حتى يُذعنوا أو تجعلهم يفرون إلى الخارج".

وفي الأخير فإن المليارات التي تنفقها المملكة لتجميل الصورة المشوهة سرعان ما تتبخر في الهواء مع أول حالة اعتقال بحق النشطاء بسبب آرائهم على منصات التواصل الاجتماعي، لتؤكد السلطات الحاكمة رفضها الكامل لأي صوت يغرد خارج السرب، مؤكدة أن السجن والمعتقل مكان كل من يفكر أن يعارض ولو من باب المصلحة الوطنية.