تسير الأزمة الاقتصادية السودانية بسرعة جنونية في ظل انفلات أسعار العملات الذي تشهده البلاد خلال الأيام القليلة الماضية، والذي ألقى بظلاله القاتمة على العديد من الملفات الأخرى، على رأسها التضخم والبطالة، الأمر الذي من المتوقع أن يزج بالملايين من أبناء النيل في قوائم الفقر المدقع.

شهد سوق العملة السوداني في الساعات القليلة الماضية قفزة هائلة في سعر الدولار مقارنة بالعملة الوطنية (الجنيه)، إذ اقترب سعر صرف الدولار في السوق السوداء، أمس الاثنين 31 مايو/ أيار، من حاجز الـ 500 جنيه (يبلغ سعر الدولار رسميًّا في البنك المركزي 422 جنيهًا)، بزيادة قاربت الـ 100 جنيه خلال تعاملات الأسبوع الماضي.

ويواجه الجنيه السوداني موجات متتالية من المد والجذر، منذ التعويم الجزئي للعملة المحلية في فبراير/ شباط الماضي، فيما شهد استقرارًا نسبيًّا الشهر الماضي عند متوسط 380-390 جنيهًا، لكن سرعان ما تعرض لهزات قوية في السوق السوداء التي تتكون بحسب خبراء من خليط واسع من كبار التجار وآلاف من صغار العاملين، بجانب شريحة ليست بالقليلة من المتعاملين من خارج البلاد.

أربك انفلات سعر الدولار المشهد الاقتصادي بصورة كبيرة، دفعت الشركات وكبريات المتاجر إلى تغيير سياسة البيع والشراء لديها، وهو ما كان له تبعاته الكارثية على خارطة الأسعار وطرق الدفع، ما انعكس على الحياة المعيشية لمتوسطي ومحدودي الدخل، الذين من المتوقع أن يكونوا الضحية الأكبر لتلك الفوضى.

فشل جهود ضبط الانفلات

هذا الارتفاع المفاجئ في سعر العملات الأجنبية مقابل العملة الوطنية، أثار غضب الشارع السوداني بصورة دفعت البعض إلى تحميل الحكومة المؤقتة مسؤولية تفاقم الأوضاع، لعدم اتخاذها القرارات الحاسمة فيما يتعلق ببعض الحلول المطروحة سابقًا، وعلى رأسها تغيير العملة المحلية ومحاربة المتاجرين بالعملات الأجنبية.

اتهم النشطاء على منصات التواصل الاجتماعي الحكومة كذلك بحماية الفساد، من خلال غض الطرف عن جرائم تهريب ثروات البلاد المعدنية للخارج، وعلى رأسها الذهب، لا سيما عن طريق الشركات المملوكة للقوات المسلحة، ما أسهم بشكل كبير في تفاقم الأزمة.

وضعت الحكومة السودانية بدورها خطة لمراقبة حالة الانفلات التي شهدها سوق العملة، وذلك من خلال حملة ضخمة لتوعية الناس بخطورة تلك الممارسات والتحذير من المخاطر الاقتصادية الناجمة عنها، مع ترهيبهم بالعقوبات المفروضة على كل من يتورط في تلك الجرائم التي تترواح بين الحبس والغرامة، وفق تصريحات وزير التجارة والتموين علي جدو.

الخطة التي كشف عنها الوزير، والتي شاركت فيها كافة الجهات المعنية بتلك الأزمة، من بينها: اتحاد الغرف التجارية والصناعية، جمعية حماية المستهلك، وزارة العدل، الشرطة، الجيش، الدعم السريع ووزارة التعليم العالي والجامعات؛ لم تؤتِ ثمارها وفق مصادر صحفية خاصة لـ"نون بوست"، كشفت أن عدم قراءة المشهد بصورته الكاملة وراء هذا الفشل.

يرى الصحفي السوداني محمد الفاتح، أن الأزمة لم تعد تقتصر على المتاجرين بالعملة فقط، بل تجاوزت ذلك إلى التجار وأصحاب المحال والتعاملات السوقية، ممن باتوا في حاجة ماسة إلى العملة الأجنبية من أجل الوفاء بالتزامات الاستيراد، في الوقت الذي تعاني فيه تلك العملات من ندرة وشح بسبب المضاربات عليها، ما يتطلب إعادة النظر في آليات المواجهة والتصدي.

وأضاف في حديث خاص أن تسطيح الأزمة والتعامل معها على أنها مشكلة عارضة لا تتجاوز عدة أيام وتنتهي تلقائيًّا، سيزيد من صعوبة الخروج من تلك الشرنقة، خاصة أنها أزمة قديمة من أيام نظام الإنقاذ، ومتجددة في ظل السلطة الحالية، ومتوقع امتدادها مستقبلًا في ظل التمسك بالسياسات المالية والاقتصادية المتبعة، والتي لم يتغير سوى قشورها فقط مع الإبقاء على المضمون ذاته.

الفوضى التي يعاني منها سوق العملة في السودان ليست مفاجئة، إذ أُبلغ عدد من تجار العملة قبل فترة بانتعاش السوق السوداء لتلك التجارة غير المشروعة، حين تبيّن الإقبال غير المبرر على الدولار الأميركي، غير أن الحكومة لم تتخذ أية إجراءات من شأنها تطويق وتحجيم السوق الموازي، بحسب ما نشرته "وكالة الأناضول".

زيادة نسب الفقر في السودان

قفزة في الأسعار

لم ينتظر الشارع السوداني طويلًا لمراقبة تداعيات انهيار العملة الوطنية محليًّا على سوق السلع والخدمات، حيث شهدت الأسعار قفزة موازية لما شهده سوق التعاملات النقدية، تراوحت نسبتها ما بين 25-100% في بعض الأحيان، وفق شهادات مواطنين خلال اليومين الماضيين.

وكانت السلع الضرورية اليومية هي الأكثر نسبة في زيادة أسعارها، حيث ارتفع سعر كيلو السكر من 250 جنيهًا إلى أكثر من 300 جنيه، فيما قفز سعر كيلو العدس من 400 جنيه إلى 500 جنيه ويزيد في بعض المتاجر، هذا بخلاف أسعار الخبز التي قفزت بنسبة أكثر من 50%.

 

رغم قبوع ما يقارب 77% من تعداد السودانيين البالغ 30 مليون تحت خط الفقر (عدم تجاوز دخل الفرد الـ 1.25 دولار يوميًّا)، بحسب تقديرات البنك الدولي، فإن هذا العدد مرشح للزيادة في حال استمر الوضع على ما هو عليه.

ومن المتوقع أن تنعكس تلك الفوضى في سوق العملات على معدلات التضخم التي تشهد هي الأخرى زيادة غير مسبوقة، حيث بلغت 363.14% في أبريل/ نيسان الماضي، هذا في الوقت الذي تعاني فيه البلاد من تراكم ديون أجنبية تجاوزت حاجز الـ 50 مليار دولار.

سيكون لانهيار العملة المحلية أمام الأجنبية ارتداداته السلبية على خارطة التجارة والاستثمار في البلاد، إذ تشير التقديرات إلى احتمالية لجوء الكثير من أصحاب رؤوس الأموال إلى تقليل النفقات قدر الإمكان، إما بتقليل عدد العمالة وإما بتضييق حجم ومستوى المشاريع، وفي كثير من الأحيان غلق مؤسسات بأكلمها، ما يمكن أن يزيد من نسب البطالة التي تجاوزت 32.1% من حجم القوى العاملة في البلاد البالغة نحو 25 مليون شخص.

سيقود تفاقم الوضع الناجم عن ارتفاع الأسعار حتمًا إلى قطيعة بين السلطة الانتقالية والشعب، الذي انتفض سابقًا ضد أنظمة حاكمة كانت تتخذ من زيادة الأسعار والرسوم والضرائب نهجًا لها، هذا ما أشار إليه الصحفي السوداني المتخصص في الاقتصاد عبد الله رزق، الذي أشار إلى أن الأمر "لا يتعلق بالوعي بتجارب الماضي، وعظاته، حيث أدت مثل هذه الإجراءات إلى إشعال ثورتين، أطاحتا بحكم النميري، وحكم البشير على التوالي، وإنما يتعلق أيضًا بعدم الاستجابة لتطلعات الجماهير التي صنعت التغيير، في المرتين".

ارتفاع معدلات التضخم في السودان

الملايين إلى خط الفقر

قدم نشطاء على مواقع التواصل الاجتماعي حلولًا عاجلة للقضاء على هذه الظاهرة، التي باتت تهدد الاقتصاد الوطني برمته، من بينها ضرورة فرض مظلة تشريعية وتنفيذية لإنهاء ظاهرة الدولرة، من خلال اعتماد العملة الوطنية كعملة رسمية وحيدة لإنهاء أي عقود بيع أو شراء أو غيرها من عقود الخدمات الأخرى، مع اعتبار أن التعامل بأي عملات أجنبية مخالف للقانون وغير معتد به.

كما طالبوا كذلك بضرورة فرض طوق مشدد من الرقابة على المتاجرين بالعملة في السوق، لا سيما بعد زيادة ظاهرة تخزين الدولار من قبل بعض المضاربين، من أجل تعطيش السوق ومن ثم بيعه بأسعار مضاعفة في السوق الموازي، ما يخلق نوعًا من المضاربة تنعكس بالسلب على العملة المحلية ومن ثم منظومة الاقتصاد بأكمله.

تأتي تلك التحذيرات تجنبًا للزج بالملايين من أبناء الطبقة المتوسطة والمحدودة في مستنقع الفقر، فرغم قبوع ما يقارب 77% من تعداد السودانيين البالغ 30 مليون تحت خط الفقر (عدم تجاوز دخل الفرد الـ 1.25 دولار يوميًّا)، بحسب تقديرات البنك الدولي، فإن هذا العدد مرشح للزيادة حال استمر الوضع على ما هو عليه.

 

من الواضح أن الجهود التي تبذلها السلطة الانتقالية في السودان للخروج من المأزق الاقتصادي الحالي، والتي توجت بإسقاط نسبة كبيرة من الديون الخارجية، وإنهاء حالة العزلة المالية الدولية التي استمرت لسنوات طويلة، لم تعد كافية للعبور إلى برّ الأمان.

الخبير الاقتصادي عادل خلف الله، رئيس اللجنة الاقتصادية بتحالف قوى الحرية والتغيير (الائتلاف الحاكم)، يعتبر أن خطوة تحرير سعر الصرف التي اتخذها البنك المركزي السوداني قبل 4 أشهر، هي السبب الأبرز وراء تفاقم الوضع الحالي، لافتًا إلى أن "الحكومة لم تكشف عن أي احتياطات لاتخاذ القرار، وإن هناك إصرارًا على الرضوخ لطلبات البنك الدولي حسب برنامج المراقبة".

يرى رئيس اللجنة الاقتصادية بالائتلاف الحاكم أن "أخطر ما في هذه السياسات هو الارتفاع الكبير الذي سيمتد إلى أسعار السلع المحلية والمستوردة لمستويات قياسية، ما يعني زيادة الفقر كمًّا ونوعًا، كما ستدخل قطاعات كبيرة دائرة الفقر، فضلًا عن زيادة البطالة وقلة الإيرادات الجمركية والضريبية بزيادة التهرب الضريبي"، بحسب تصريحاته لـ"الجزيرة".

التحذير ذاته أطلقه الخبير المالي هيثم فتحي، الذي أشار إلى أن تحرير سعر الصرف "لن يغيّر واقع شح العملات الأجنبية، كما لن يغيّر شيئًا بالنسبة إلى المصارف"، مبررًا ذلك بأن العملات الأجنبية لن تتوفر سوى في السوق السوداء فقط، ما يبقي الوضع كما هو.

كما نوّه في تصريحات له أن "نظام تثبيت سعر الصرف هو سياسة يمكن للدول النامية اتباعها لفترة وجيزة بهدف استقطاب رؤوس الأموال وخلق الثقة، ولكن هذه السياسة المستمرة منذ العام 2011 أدت إلى تضخم القطاع العام وزيادة الإنفاق العام، ووضع السياسة النقدية في خدمة السياسة المالية".

من الواضح أن الجهود التي تبذلها السلطة الانتقالية في السودان للخروج من المأزق الاقتصادي الحالي، والتي توجت بإسقاط نسبة كبيرة من الديون الخارجية، وإنهاء حالة العزلة المالية الدولية التي استمرت لسنوات طويلة، لم تعد كافية للعبور إلى برّ الأمان في ظل الأزمات المتتالية التي تشهدها البلاد على عدة مستويات، والتي تتطلب خططًا سريعة للحلحلة قبل تفاقم الوضع والخروج عن السيطرة.