يزخر التاريخ المعاصر بالعديد من الصفحات ناصعة البياض، التي استطاع فيها المسلمون أن يلقنوا جيوش خصومهم دروسًا قاسية في فنون القتال والمواجهة، أطاحوا فيها بعروش عشرات الإمبراطوريات ومرغوا أنوف الجبابرة في التراب، في وقت كانت الحملة على الإسلام والمسلمين على أشدها.

الحرب العالمية الأولى (28 يوليو/ تموز 1914-11 نوفمبر/ تشرين الثاني 1918) كانت آخر صفحة في سجل هذا التاريخ المشرف الذي سطرته الإمبراطورية العثمانية على مدار ما يقرب من 600 عام، ورغم أن تلك الحرب حملت شهادة وفاة الخلافة العثمانية، إلا أنها شهدت في الوقت ذاته واحدًا من أهم الانتصارات العسكرية في تاريخ الحروب العثمانية-الأوروبية الممتدة لمئات السنين، حين أذل العثمانيون جيوش البريطانيين وحاصروهم قرابة 4 أشهر ونصف حتى استسلموا صاغرين.

تلك المعركة التي عُرفت في التاريخ البريطاني باسم "معركة الكوت"، نسبة إلى مدينة الكوت العراقية (180 كيلومترًا جنوب بغداد)، ووضعت سمعة الإمبراطورية البريطانية على المحك، وأعادت هيبة الجيش العثماني الذي ظل لعقود طويلة كابوسًا يؤرق مضاجع الأوروبيين.. فماذا نعرف عن معركة الكوت، أو كما يطلق عليها أيضًا "كوت العمارة"؟

البداية.. خسائر بالجملة في صفوف العثمانيين

وجدت الدولة العثمانية نفسها مضطرة للدخول في الحرب العالمية الأولى دون سابق إنذار، وقد جاءت المشاركة متأخرة نسبيًّا، تحديدًا في 29 أكتوبر/ تشرين الأول 1914، أي بعد حوالي 3 أشهر من قيامها بين قطبي الحلفاء (يضم ألمانيا والنمسا وبلغاريا) ودول المركز (روسيا وبريطانيا وفرنسا وإيطاليا واليابان وصربيا ورومانيا وبلجيكا واليونان والبرتغال والجبل الأسود)، في 28 يوليو/ تموز 1914.

كان الجيش العثماني يقاتل إلى جانب الحلفاء، وخاض حروبًا طاحنة على العديد من الجبهات: فلسطين، روسيا، العراق ومضيق الدردنيل، ونظرًا إلى أن العثمانيين لم يكونوا على أهبة الاستعداد لدخول حرب بهذا الحجم، فقد تكبدوا خسائر بالجملة، ففي معركة واحدة فقط مع الروس فقدوا قرابة 90 ألف جندي.

رغم الهزيمة الأولية بداية الحرب، إلا أن العثمانيين وبما لديهم من خبرات هائلة في المعارك والمواجهات على مدار عدة سنوات، سرعان ما استعادوا قوتهم مرة أخرى، بعد أن وصلت إليهم الإمدادات، وبدؤوا في ترتيب صفوف الجيش وتسليحه بالقوة والعتاد المناسبَين للمعارك القادمة.

في تلك الأثناء، وتحديدًا في نوفمبر/ تشرين الثاني 1915، كانت القوات البريطانية تخوض معارك شرسة في العراق، التي كانت حينها تحت سيطرة الدولة العثمانية، واستطاع البريطانيون بالفعل إحكام قبضتهم على مدينة البصرة، بقيادة الجنرال الشهير تشارلز فير فيريرز تاونسند (1861-1924).

ووجد العثمانيون حينها الفرصة لاستعادة ثقتهم بأنفسهم مرة أخرى وتعويض الخسائر التي تكبدوها سابقًا، وفي المقابل ارتأى الجيش البريطاني أن يطوق جيش الخلافة العثمانية وأن يقضي عليه للأبد.

على أبواب الكوت

الانتصار الذي حققه البريطانيون في البصرة أغراهم للزحف إلى بغداد، لكن في الطريق كان الجيش العثماني لهم بالمرصاد، حيث نشبت مواجهات دامية عند مدينة سلمان باك (جنوب شرق بغداد).

كانت القوات العثمانية في ذاك الوقت تحت قيادة نور الدين باشا (1873-1932)، الذي كان يدعى "الضابط الملتحي"، لأنه الوحيد الذي كان ملتحيًا في صفوف ضباط التحرير التركي خلال حرب الاستقلال، بجانب القائد الميداني خليل باشا.

وبعد مواجهات دامية تكبد الجيش البريطاني خسائر بالجملة، حيث فقد قرابة ثلث جنوده، الأمر الذي دفعه للهرب والانسحاب ناحية مدينة الكوت، وهنا وجد القائد العثماني الطريق ممهدًا لفرض حصار مشدد في تلك المنطقة سهلة الحصار، وتضييق الخناق.

الحصار بدأ صبيحة يوم 7 ديسمبر/ كانون الأول 1915، حينها أرسل القائد العثماني رسالة إلى الجنرال البريطاني تاونسند يدعوه فيها إلى الاستسلام، قبل اقتحام المدينة، لكن البريطانيين لم يجيبوا على الرسالة، لترد القوات العثمانية بدكّ حصون البريطانيين وتدمير معظم مرتكزاتهم العسكرية... وهنا تبدأ المعركة.

حصار الكوت

حاصر العثمانيون البريطانيين قرابة 4 أشهر ونصف، منعوا عنهم كافة خطوط الإمدادات، التموينية والعسكرية، حتى وصل الجنود البريطانيين إلى حالة مذرية من الجوع والعطش، فيما تفشت فيهم الأمراض، وبدؤوا في السقوط واحدًا تلو الآخر، بل وصل الأمر إلى نفاد كافة الأخشاب والأوتاد نظرًا إلى استخدامها في التدفئة، حتى قتلهم البرد.

حينها أصدر القائد البريطاني قرارًا نص على أنه "من يُلقَ عليه القبض متلبسًا بجريمة سرقة وتدٍ سوف ينفذ فيه حكم الإعدام"، وذلك بحسب الوثائق العسكرية الموجودة في أرشيف رئاسة الأركان التركية التي نشرتها "وكالة الأناضول".

وأمام هذه الحالة طلب تاونسند من القائد العسكري العثماني خليل باشا التوسط لدى نور الدين باشا، من أجل نقله وجنوده لتلقي العلاج في إسطنبول بعدما ساءت أوضاعهم الصحية والجسدية، وذكر في برقية بعث بها للقائد العثماني: "الجوع يجبرنا على ترك السلاح، لذا فإنني بناء على عهدكم بأن جنودنا الأبطال سيحلون ضيوفًا مكرمين لديكم، أعلم جنابكم العالي باستعدادي لتسليم جنودي لكم".

كما عرض عليه "زيارة الجرحى، حيث أنكم ستشاهدون من بترت أقدامهم وأيديهم، أو من حل به الهزال والمرض جراء الجوع، ولا أعتقد أنكم ستأخذونهم كأسرى حرب، وأعرض نقلهم إلى الهند بدل ذلك"، مضيفًا: "نحن مستعدون لتسليم كوت العمارة، عقب الاستجابة لشروطنا، وتسريع عملية نقل المؤن".

حاول الجيش البريطاني جاهدًا التخلص من قبضة العثمانيين وإنهاء حصارهم بشتى السبل، فشن غارات بين الحين والآخر لكنها باءت بالفشل، ثم حاول استعادة قواه مرة أخرى عبر تزويده بالمؤن من أوروبا، لكن سرعان ما كانت تسقط في نهر دجلة.

وصل العجز الذي أحل بقيادة جيش البريطانيين أن عرضوا رشوة على القائد العثماني، قدرت بنحو 2 مليون جنيه إسترليني، من أجل فك الحصار وتهريبهم لأوروبا، لكن نور الدين باشا رفض هذا العرض وأصر على استمرار الحصار حتى الاستسلام الكامل، وفق ما أشارت الموسوعة البريطانية.

ويعد هذا الحصار هو الأطول زمنًا في مسيرة المعارك الحربية على مدار مئات السنين، إذ اكتفى الجيش العثماني بنظيره البريطاني وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة عسكريًّا، حيث فشلت كافة الحيل والمناورات التي قام بها من أجل فك هذا الحصار، الذي كانت له تداعياته السلبية على صورة الجيش البريطاني أوروبيًّا.

استسلام مذلّ

لم يجد البريطانيون بدًّا أمام الحصار العثماني المشدد سوى الاستسلام ورفع الراية البيضاء، لكنه استسلام مذل جاء بعد أن كاد جنود البريطانيين أن يهلكوا جوعًا وعطشًا ومرضًا وبردًا.

وعن حالة الإذلال التي كان عليها هذا الاستسلام، يصف المؤرخ البريطاني جيمس موريس معركة الكوت بأنها "الاستسلام الأكثر إذلالًا في التاريخ العسكري البريطاني".

قائد العثمانيين خليل باشا في تعليقه على المعركة، عقب استسلام الجيش البريطاني في 29 أبريل/ نيسان 1916، قال: "إن التاريخ سيواجه صعوبة في إيجاد كلمات لتسجيل هذا الحادث"، معلنًا: "إن ثبات العثمانيين كسر عناد البريطانيين، فكان النصر الأول في جناق قلعة، والثاني هنا"، وفقًا للوثائق العسكرية المنشورة.

خليل باشا في رسالة بعث بها إلى الجيش السادس العثماني بعد الاستسلام المذل للبريطانيين، قال فيها: "سقط 350 ضابطًا و10 آلاف جندي من جيشنا، شهداء في الكوت، إلا أن المعركة أفضت في النهاية إلى استسلام 13 جنرالًا و481 ضابطًا، و13 ألفًا و300 جنديًّا من الجيش البريطاني، كما انسحبت القوات التي كانت تحاول إنقاذ الجيش البريطاني، بعد أن سقط منها 30 ألف قتيل".

أما قائد الفيلق العثماني الـ 18، العقيد كاظم قره بكر، فعلق على المعركة في خطاب مكتوب قال فيه: "فلنحمد الله الذي وهبنا نصرًا، لم يشهده تاريخنا منذ 200 عام (...) هذه هي المرة الأولى التي تدخل فيها الحربية التركية التاريخ البريطاني".

وهكذا تعد معركة الكوت واحدة من أكثر المعارك سيئة السمعة بالنسبة إلى البريطانيين، لما تعرضوا له فيها من هزيمة على كافة المسارات، كسرت عنادهم وأطاحت بغرورهم ومرغت كبريائهم في تراب العراق، وعليه تظل رقمًا مهمًّا في تفسير الخصومة التاريخية والعداء الممنهج الذي تكنه أوروبا لتركيا، امتداد الإمبراطورية العثمانية التي تذكرهم بهزائم الماضي ونكساته وذكرياته الأليمة.