تتحرك الدنمارك بشكل جنوني لإعادة اللاجئين إلى بلادهم، تحاول دفعهم بكل قوة للخروج إلى بلدان أخرى بحيل مبتكرة، منها قانون جديد أقر بالأمس وسيدخل حيز التنفيذ حال نجاح الدنمارك في الاتفاق مع دولة أخرى، تستقبل من يصل إلى الدنمارك بأي طريقة كانت على أراضيها. وحتى يحدث ذلك، تراهن كوبنهاغن على بعض الفزاعات لترهيب اللاجئين، حتى يعزفون طوعًا عن مجرد التفكير في الذهاب إليها.

ما بعد التمييز

أُسدل الستار على التهديدات التي أطلقتها الدنمارك طوال السنوات الماضية، ودعوتها إلى عدم استقبال اللاجئين والعمل على تنقية الدم الغربي من الغرباء، بقانون اللجوء الذي صدر ضد فكرة استقبال اللاجئين بالأساس.

تم تمرير القانون أمس في البرلمان من 70 نائبًا ونائبة، غالبيتهم من اليمين المتطرف، وأغلب بنوده تشعل حالة من القلق الدولي تجاه المصير الذي ينتظر الدنمارك، إذا ما تم الغوص أكثر من ذلك في اتباع مثل هذه الأفكار اليمينية المتطرفة، خلال التعامل مع قضايا تنال من الأهلية الأخلاقية للغرب، وتمنعهم لاحقًا من الدفاع عن لواء أفكارهم التي يعملون على تصديرها للعالم. 

بموجب القانون، تتهرب كوبنهاغن بوضوح من مسؤوليتها التي يقرها الاتحاد الأوروبي على أعضائه، إذ لا تريد تقديم أي ضمانات للاجئ لحمايته قانونيًّا، حتى لو كان معارضًا مطلوبًا للسلطات.

بدلًا من ذلك تسعى لفتح مراكز إيواء خارجية، يُرسل إليها طالبو اللجوء بعد تسجيل طلباتهم، مع الإبقاء على استثناءات نادرة مثل حالات المرض الخطير، لكن حتى هذه الاستثناءات لا تعني أن طالب اللجوء قد أصبح في أمان، بل سيمكن ترحيله في أي لحظة إلى دولة أخرى.

ولم يصدر عن الدنمارك أي تصريحات رسمية حتى الآن عن دول الشراكة الخارجية، رغم الموافقة على القانون، ولم يصدر أيضًا أي تعليق من الدول التي تجتهد الصحف المحلية في التكهن بأسماء بعضها، للدخول في شراكة مع الدنمارك للتعاون بشأن اللاجئين، على رأسهم تونس ومصر وإريتريا وأثيوبيا ورواندا.

ذهبت الدنمارك إلى ما هو أبعد، وقلبت الدفة بتحريض اليمين المتطرف الأوروبي للضغط على الأمم المتحدة والبلدان التي ينزح منها المهاجرون، لإيقاف عمليات التسلل إليهم حتى لا تلتزم بلادهم بأي قرارات ذات طابع إنساني.

ومع ذلك أكدت الصحافة الدنماركية وجود مفاوضات جدية ومتقدمة مع رواندا، ربما لأن وزير الهجرة والاندماج ماتياس تسفاي زارها في أبريل/ نيسان الماضي. إلا أن الوزير المعني لم يتحدث في تصريحات رسمية عن الدخول في أي اتفاق أو مفاوضات لإنشاء مركز دنماركي لاستقبال اللاجئين خارج البلاد، وبالتالي التكهن بأسماء بعض الدول مجرد توقعات أو بناء على ترشيحات مصادر الصحف.

غضب دولي

فجّر القانون عاصفة من الجدل عالميًّا وأوروبيًّا منذ إعلان الشروع فيه، كانت أقوى وأشد الانتقادات ضده من الأمم المتحدة التي هاجمته بقوة، وكذلك المفوضية السامية للاجئين التي اعتبرته "سباقًا نحو الهاوية".

اتهمت المؤسسات الدولية حكومة الدنمارك باستغلال حالة الطوارئ العالمية، سواء بسبب فيروس كورونا أو استمرار مناطق النزاعات، لا سيما سوريا، لتصدير الإحباط للعالم ودفع المزيد من ضحايا الحروب والنزاعات إلى مستقبل محفوف بالمخاطر.

طرحت المفوضية على وجه التحديد أسباب موضوعية وأخلاقية لرفض القانون الدنماركي، الذي يلزم الحكومة بالسعى إلى نقل التزامات اللجوء والحماية الدولية إلى دول أخرى، إذ يعتبر مثل هذا التصرف في الأعراف الدولية تهرب من المسؤولية، كما إنه يعارض نص وروح اتفاقية اللاجئين لعام 1951، ويخالف أيضًا الميثاق العالمي للاجئين الذي ينص على تقاسم مسؤولية حماية اللاجئين بشكل أكثر إنصافًا.

تطرف دنماركي 

لم تلتفت كوبنهاغن لأية اعتراضات، وزعمت أنها تملك العديد من الأسباب والدوافع منها المحافظة على الموارد، وضمان سلامة الجبهة الداخلية، والتخفيف من آثار الوباء، ووقف عمليات النزوح العشوائي إليها، إذ تزعم أن المهاجرين يسببون أزمة خطيرة لأوروبا، وتتهم كل من يرفض هذه التبريرات بممارسة الابتزاز ضدهم.

ذهبت الدنمارك إلى ما هو أبعد، وقلبت الدفة بتحريض اليمين المتطرف الأوروبي للضغط على الأمم المتحدة والبلدان التي ينزح منها المهاجرون، لإيقاف عمليات التسلل إليهم حتى لا تلتزم بلادهم بأي قرارات ذات طابع إنساني، على حساب عناوين براقة لليمين مثل "ضمان الأمن الأوروبي أولًا".

لا تكترث الدولة التي ترفع لواء الشعارات الأوروبية، بأن مثل هذا القانون يعني هدم واحد من أهم أساسات الثقافة الغربية "العولمة"، التي اخترعتها أوروبا وروجت لها في العالم، على اعتبار أنها تعظّم وتقوّي من لحمة الترابط بين الأمم.

تثبت الدنمارك أنه عند تعارض العولمة مع المصالح الغربية، بدا واضحًا أن هناك من يستعد ليس فقط للتنازل عنها، بل هدمها إن لزم الأمر، وسنّ تعريفات جديدة لمعنى الحدود الطبيعية والجغرافية في الشؤون الدولية، والعبور غير القانوني، وكل ذلك من أجل الحفاظ على امتيازات أوروبا التي لا تتوافق مع خلفيات المهاجرين الثفافية والدينية والاجتماعية.

في هذا القاموس الدنماركي الجديد للعالم، الديمقراطية ليست أولوية، بل التفاهم مع الديكتاتوريات أهم وأبقى، والحفاظ عليها لأقصى درجة ممكنة، باعتبارها من أدوات صد المهاجرين النافذة، حتى لو على حساب القيم الأوروبية التي كانت ترفَع دائمًا سواء بقصد الإصلاح أو التدخل في شؤون الدول.

ملاحقة اللاجئين.. لماذا؟ 

يمكن القول إن قانون اللجوء المثير للجدل، ليس أكثر من مجرد حلقة في سلسلة طويلة من التطرف، إذ تسعى الدنمارك منذ سنوات إلى عمل تصفية عرقية وتخفيض نسبة الأشخاص من أصل غير غربي في تركيبة السكان إلى أقل من 30%، وبإقرار القانون ستعمل على تنفيذ ذلك المخطط في غضون 10 سنوات. 
 

صورة

منذ مايو/ أيار 2018، والدنمارك تتبع إجراءات تقييدية للغاية، إذ قدمت خلال السنوات الثلاث الماضية حوالي 70 تعديلًا متعلقًا بالهجرة، جميعها تهدف إلى تشديد القيود وخفض معدل الاعتراف باللجوء إلى حد كبير، فقد نصت التعديلات على احتجاز أكبر عدد ممكن من اللاجئين ممن توصفهم بـ"الفاشلين"، إذ تشترط السلطات للحصول على تصريح إقامة دائم، العمل بدوام كامل لفترة معينة من الزمن.

لم تراعِ الدنمارك أزمة فيروس كورونا، التي تجعل من هذه الشروط شبه مستحيلة، بعد أن فقد الكثير من الراغبين في الحصول على إقامة دائمة وظائفهم، بسبب إجراءات التباعد الاجتماعي. 

كما رفضت الدنمارك دعوة مفوض حقوق الإنسان في مجلس أوروبا للإفراج عن المهاجرين وطالبي اللجوء المحتجزين بسبب الأزمة، بل زادت الحكومة في تطرفها ودشنت ما أسمته وكالة سفر العودة، الذي يهدف إلى زيادة عمليات ترحيل الأشخاص الذين يفتقرون إلى تأشيرات وتصاريح إقامة سارية.

وتعتمد كوبنهاغن على مركز احتجاز رئيسي معروف باسم مركز احتجاز إلبييك، التابع لإدارة السجون والمراقبة، لكن مؤخرًا وبعد التعديلات على قوانين اللجوء، قامت بتجهيز مرافق أخرى لاحتجاز المهاجرين أو طالبي اللجوء، على رأسهم سجن أبينرا، ونيكوبينج فالستر.

تهدف السلطات من كل هذه الإجراءات دفع عائلات المهاجرين للانتقال من المناطق الحضرية إلى أجزاء بعيدة عند حدود البلاد، بحجة تأمين حياة الدنماركيين والغربيين وأحفادهم من ما يسمى بالمجتمعات الموازية، وهو مصطلح تستخدمه الحكومات الأوروبية اليمينية بشكل متزايد، لوصف المناطق التي ترى أنها تفتقر إلى الاندماج مع المجتمع الغربي.

سنّت الدنمارك قرارات عنصرية مثل نقل اللاجئ فورًا إلى أماكن نائية، في حال لم يتيسر ترحيله، إذا رفض الالتزام بتصاريح الإقامة أو محددات الثقافة الغربية في أسلوب وطريقة الحياة، وتصنف كل من يعارضها من المهاجرين مجرمًا يجب إبعاده على أقل تقدير إلى جزيرة نائية.

وجدت الدنمارك حصائد تصرفاتها، ونجحت في تحقيق أهدافها بتراجعها في أولويات المهاجرين، إذ شهد عدد طلبات اللجوء المقدمة للبلاد انخفاضًا إلى نسب تاريخية لم تحدث منذ عام 1998.

صورة

تقول البيانات الرسمية إنه في العام الماضي لم يتقدم للجوء للدنمارك إلا 1547 شخصًا فقط، واعترفت بذلك رئيسة الوزراء مته فريدريكسن، بل تباهت بهذه النتيجة أمام البرلمان واعتبرته انخفاضًا تاريخيًّا في عدد طالبي اللجوء، وأكدت أن هدفها ألّا يأتي أصلًا أي طالب لجوء على الإطلاق إلى الدنمارك.  

حرائق أخرى 

رغم وجود معارضة من بعض الدول الأوروبية للطريقة التي تتبعها الدنمارك في معالجة مثل هذا الملف، إلا أن كوبنهاغن نجحت في تصدير إجراءات قسرية في التعامل مع المهاجرين وغير الغربيين.

كانت أيضًا أحد أهم أسباب تجميد اتفاقية الاتحاد الأوروبي الجديدة بشأن الهجرة لفترات طويلة، بعد أن حاولت المفوضية الأوروبية تمرير قانون يلزم كل بلد أوروبي بحصص محددة من اللاجئيين.

تراجع إقبال المهاجرين على الدنمارك يبدو أنه لعب برأس مسؤولي إيطاليا واليونان ومالطا، ومعهم العديد من دول أوروبا الشرقية مثل المجر وبولندا وجمهورية التشيك وسلوفاكيا، وجعلهم يعارضون بوضوح المشاركة في أية آلية تضامن إنساني تجبرهم على قبول المهاجرين.

ويثبت إقبال كل هذه الدول على إجراءات عنصرية في التعامل مع قضية إنسانية بهذا التعقيد، أن أوروبا مرتبطة بتراثها الأبيض أكثر من أي شيء آخر، لا أخلاق ولا ديمقراطية ولا أحفاد مهاجرين.