لطالما كان موقف علماء الأمة أساسيًا وقياديًا عبر التاريخ وحتى عصرنا الحالي، سواء في كبح جماح السلطة وردع تغولها على حقوق الناس أم في مواجهة الاعتداء الخارجي والغزو، إذ لم يتوقف دورهم على الوعظ وإصدار الفتاوى في العبادات، بل امتد إلى اتخاذ مواقف في مختلف شؤون الحياة بما فيها السياسية، بما يعني ذلك في كثير من الأحيان مواجهة الأنظمة والتعرض للاعتقال أو حتى الاغتيال.

على أن الحكومات والسلطات، عبر التاريخ أيضًا، عملت دومًا على استقطاب علماء وفقهاء ودعاة إلى جانبها، تغدق عليهم العطايا لكسب ودهم وموقفهم، يكونون في الصف الأول في مواجهة الشعوب، فنالوا أحظيات السلطان ووجدوا مكانًا في البلاط، لكنهم خسروا دينهم ودنياهم، وبات توصيف "علماء السلطان" لصيقًا بهم كسُبة وشتيمة.

ظهر هذان الصنفان من العلماء، علماء الحق وعلماء السلطان، بصورة جلية بعد الربيع العربي، الطيف الأول انضم إلى الربيع وسقى زهوره ونافح عنه حتى قضى كثير منهم دونه، وجماعة وجدت نفسها تُسبّح بحمد الحاكم وتنافح عن المقتلة التي يتسبب بها، وارتضت لنفسها ذلك العار.

العلماء والثورات

فبعد الإطاحة بنظام بن علي في تونس وانتقال شرارة الثورات الشعبية إلى مصر وليبيا واليمن وسوريا، اختلفت آراء ومواقف العلماء والدعاء بشأن هذه الأحداث ما بين ناظر إليها على أنها حراك جماهيري شعبي غير مخطط له جاء بعد تراكمات وضغوط شديدة على عدة مستويات منها الاقتصادي والاجتماعي وكذا الديني، حيث انتشر الظلم وبلغ الاستبداد منتهاه، ما أدى إلى انفجار شعبي جارف في وجه الديكتاتوريات والطواغيت في تلك البلدان، أملًا في التغيير والعيش الكريم في ظل نظام جديد يضمن العدل والمساواة وتكافؤ الفرص.

في مقابل هذا الرأي، نظر دعاة آخرون محسوبون على السلطة إلى ما أسموه مؤامرة خارجية حاكتها الولايات المتحدة الأمريكية بالتواطؤ مع الداخل وهي الفئات الليبرالية والقوى الإسلامية وبالتحديد الإسلام السياسي المتمثل في جماعة الإخوان وما يتفرع عنها من جماعات محلية في كل بلد، لإسقاط الأنظمة العربية في إطار خطط التغيير الإقليمي المتمثل في الشرق الأوسط الجديد.

أصحاب هذا الطرح هم الشيوخ الوظيفيون الموالون للأنظمة والأعمدة التي تتكأ عليها السلطة في أكثر من دولة عربية، فمؤسسات الحكم الفاسدة تستعمل أمثال هؤلاء الشيوخ في تبرير استبدادها وجورها من خلال النص الديني (قرآن وسنة) لتغييب أذهان عامة الشعب وتهيئة عقول الرعية لقبول غطرسة الحاكم واستعلائه ودفعهم للتطبيع مع الواقع على انحطاطه، منعًا لأي حراك أو مقاومة قد تُهدد النظام، كما يعملون على تزيين حرمة الخروج على الحاكم، مستدلين بأحاديث جزئية تم اقتطاعها عن سياقها الكامل.

فمن ينظر إلى الأحكام الشرعية والنص الديني والأثر الحضاري نظرة كاملة وشاملة لجميع جوانبه وأبوابه وبعين من أراد الفهم والإدراك، سيقف حتمًا على تفصيلات وجوب طاعة الحاكم وحرمة الخروج عليه أو كذلك شروط عزله، بما يناقض تمامًا ما يتحفنا به علماء السلطان من محاججات.

فتاوى ضد الثورة

تاريخيًا، بدأت الفتاوى السياسية بالانتشار في عصرنا الحاليّ مع حرب الخليج عام 1991 عندما أفتى بعض الشيوخ بتحريض من حكام السعودية بجواز الاستعانة بالكافر - أي القوات الأمريكية - للوقوف في وجه النظام العراقي بقيادة صدام حسين، ثم انتقلت هذه الظاهرة تدريجيًا من الخليج إلى مصر والشام ومنطقة المغرب العربي.

مع اندلاع ثورة يناير في مصر، أنكر العديد من رجال الدين وخاصة مشايخ السلفية الخروج على نظام حسني مبارك، فقد حث شيخ الأزهر، أحمد الطيب، الشباب على التعقل، زاعمًا أن الثورة الجماهيرية تستهدف تمزيق مصر، وهو الأمر الذي رفضه المتحدث الرسمي باسم مشيخة الأزهر السفير محمد رفاعة الطهطاوي، الذي قدم استقالته وانضم إلى المعتصمين في ميدان التحرير.

أما المفتي المصري علي جمعة فحرم الخروج على المبارك واعتبر الثوار "خوارج يجب قتلهم"، في حين أفتى الداعية ياسر برهامي، بأن النزول للتظاهر فيه هلاك للنفس، وأن السلفية تستنكر دعوة الخروج عن الحاكم، لكنه عاد لاحقًا وشارك في المسار السياسي عبر حزب النور.

ومن الفتاوى التي أثارت جدلًا في مصر مع مرحلة الانتخابات التشريعية فتوى القيادي بالتيار السلفي محمود عامر، حين أصدر فتوى حرم فيها التصويت في الانتخابات البرلمانية بشكل عام، معتبرًا أن من يُصوت لصالح أحد المرشحين آثم وخائن للأمانة.

بدوره انقلب مظهر شاهين عن مواقفه الداعمة للثوار والتحول الديمقراطي في مصر بقيادة الرئيس الراحل محمد مرسي، بتأييده لتظاهرات 30 من يونيو/حزيران 2013 وانقلاب العسكري عبد الفتاح السيسي، الأمر تكرر أيضًا مع عمرو خالد ومعز مسعود ومصطفى حسني الذي أكد بعد الانقلاب أن الكلام في السياسة لغير المتخصص "خيانة".

من جهة أخرى، لا يُمكن الحديث عن رجال الدين المصريين وعلاقتهم بالفعل الثوري والسلطة دون أن نأتي على ذكر أبرزهم الذي شكلت مواقفه جدلًا واسعًا على المستوى الداخلي والخارجي لما له من تأثير، فمحمد سعيد رسلان، صاحب الفتوى الشهيرة لجنود السيسي بوجوب قتل المعارضين من أهالي كرداسة وغيرهم، يُعد من منظري التيار المدخلي الذي دافع عن ولائه لمبارك سابقًا والسيسي حاليًّا.

أما في سوريا فقد هدد مفتي الجمهورية أحمد بدر حسون الدول الغربية بإرسال انتحاريين إليها في حال تدخلها عسكريًا في سوريا، وقال في كلمة له خلال استقبال وفد لبناني: "سنعد استشهاديين هم الآن عندكم إن قصفتم سوريا أو لبنان () العين بالعين والسن بالسن".

وطيلة احتجاجات 2011، ظهر أحمد بدر الدين حسون في الإعلام عدة مرات زاعمًا أن ما يحدث في سوريا ودرعا تحديدًا تقف وراءه "أياد خارجية" من دون تحديد جهة بعينها، في مطابقة لتصريحات النظام السوري، وهو ذات الأمر الذي سار عليه الشيخ سعيد البوطي الذي خدم السلطة دون وظيفة رسمية تقلدها.

ويرى المراقبون أن إقحام رجال الدين الموالين للنظام بأنفسهم في ميدان السياسة ودفاعهم المستميت عن نظام الأسد عن طريق تصريحاتهم الدورية جعلهم شركاء في جرائم النظام على حد سواء.

في اليمن، لم يختلف الأمر كثيرًا، فقد أصدرت جمعية علماء الموالية للنظام بيانًا يُحرم الثورة على الرئيس اليمني علي عبد الله صالح وفتوى يجرمون من خلالها التظاهر والخروج على ولي الأمر بالقول أو بالفعل، كما اعتبروا "الخارجين على ولي الأمر بالسلاح في حكم البغاة".

كما برز في اليمن رجال دين يُدافعون عن السلطة كيحيى بن علي الحجوري، الذي شدد على وجوب طاعة ولي الأمر، ووقف موقفًا صارمًا ضد الثورة اليمنية في فبراير/شباط 2011، كما هاجم مَن يطالبون بتنحي علي عبد الله صالح من العلماء والمتظاهرين.

أما السعودية التي عرفت هي الأخرى في 2011 دعوات للتظاهر والاحتجاج تأثرًا بالحراك المصري والتونسي والليبي في كل من جدة ومحافظة الإحساء والقطيف، فحركت السلطة أجهزتها الدينية كهيئة كبار العلماء التي أصدرت بيانًا في 6 من مارس/آذار 2011 تحرم فيه الاحتجاجات، جاء فيه أن "الإصلاح والنصيحة في السعودية لا تكون بالمظاهرات والوسائل والأساليب التي تثير الفتن وتفرق الجماعة وهذا ما قرره علماء هذه البلاد قديمًا وحديثًا من تحريمها والتحذير منها".

موضوعيًا، فإن النظام السعودي لم ينجح في تطويق شرارة الاحتجاجات والاضطرابات باعتماده المقاربة الأمنية وحزمة من الإجراءات الاقتصادية العاجلة فقط، فقد أحسن ترويض الرموز الدينية التي دافعت عن السلطة مستخدمةً لغة مختلفة عما تعودت عليه في السابق.

هؤلاء الدعاة كان خطابهم سياسيًا بامتياز ألبسوه حُللًا مختلفة مزجت بين المفاهيم الدينية والطائفية، وركزت على مصطلحات تخدم السلطة وتساهم في تعمية الجماهير فكريًا وثقافيًا كالتكفير والإرهاب والرجعية، فكان شغلها الشاغل إدانة كل ما هو فعل ثوري سواء كان إنتاج فكري أم حركة فعل واقعية.

ويُمكن القول إن الاعتقالات الأخيرة التي نفذها ابن سلمان للعلماء والدعاة البارزين المعروفين بمواقفهم وفتاواهم المنحازة للحق وبوقفهم بجانب حراك الجماهير في العالم العربي كالداعية سلمان العودة وعبد العزيز الطريفي، تُدلل على أن النظام السعودي يراهن على رجال دين آخرين لترقيع الباطل وتزيين الواقع والتطبيل لإنجازاته الوهمية.

استنتاجات

القراءة الأولية لمسار ثورات الربيع العربي تُوحي بأن الدول التي عرفت انخراطًا كامل للشيوخ ورجال الدين في الشأن السياسي عرفت انتكاسات في تحولها السياسي، فبعد أن شاركت شخصيات دينية في مصر بفتاويها في سقوط حكم مرسي انتصارًا لعسكر السيسي، عاد رجال الدين إلى مؤسساتهم فلم يسمع لهم خطابًا ورأيًا في الإعدامات أو الانتهاكات، ما يعني أن مهمتهم انتهت بعودة الديكتاتورية في انتظار تكليفهم بتجديد الخطاب الديني بما يخدم أجندته السياسية.

في ليبيا، فإن الأمر لم يستقر إلى الآن؛ فتيار المدخلي الذي يُعرف بالموالاة لولي الأمر وعدم الخروج عن طوعه ما زال يشد عضد خليفة حفتر رغم أن الليبيين اختاروا سلطة تُمثلهم تمهيدًا لانتخابات تُنهي المرحلة الانتقالية، وهو ما يُوحي بأن المداخلة اختاروا الديكتاتورية المتمثلة في اللواء المتقاعد الذي يُعد حجر عثرة أمام الاستقرار.

بالمحصلة، يُمكن القول إن الفراغ الديمقراطي في أكثر من قطر عربي، باستثناء تونس ربما، قد عملت الأنظمة على ملئه بشيخ يفتي لشد عضد الديكتاتوريات المستحكمة، وأن الربيع العربي وثورات الجماهير على هناتها كشفت زيف علماء السلاطين ودورهم الخطير والمثبط في أكثر مرحلة حاسمة من تاريخ الأمة، وقد ساعد موقف علماء الحق ومواقفهم المشرفة في إظهار ذلك الزيف والدور الخطير من خلال بث الوعي والمناصرة الحاسمة للشعوب بالكلمة والموقف بل وحتى بالاشتباك المباشر.