عرضت شاشة "الجزيرة" عبر برنامجها "ما خفي أعظم"، ويقدمه الإعلامي تامر المسحال، الذي بُث الأحد 6 يونيو/ حزيران 2021، تسجيلًا صوتيًّا لأحد الجنود الإسرائيليين الأسرى لدى حركة المقاومة الإسلامية "حماس" منذ 2014 في قطاع غزة المحاصر.

وناشد الجندي -الذي تم إخفاء اسمه في التسجيل- الحكومة الإسرائيلية بالإسراع لاستعادة أسراها لدى كتائب الشهيد عز الدين القسام (الجناح العسكري لحماس)، قائلًا: "إنني أموت كل يوم من جديد، وآمل أن أكون عما قريب في حضن عائلتي"، متسائلًا: هل يفرّق زعماء الدولة بين الجنود الأسرى؟ وهل يتحدثون عنهم ويعملون على إطلاق سراحهم؟".

أعادت هذه الحلقة التي أثارت أصداء كبيرة، في الداخل الفلسطيني وخارجه، ملف الأسرى لطاولة النقاش مرة أخرى، لكن هذه المرة وفق قواعد وتغيرات لافتة في معادلة القوى، فرضتها المقاومة خلال الحرب الأخيرة على غزة، التي أعادت الزخم مرة أخرى للقضية الفلسطينية.

وتحتفظ كتائب القسام بـ 4 أسرى إسرائيليين، منذ حرب 2014، بينهم جنديان نظاميان، وآخران عسكريان سابقان مسرّحان من الخدمة، لكنهما دخلا قطاع غزة المحاصر في ظروف غير واضحة، فيما لم تفصح حماس عن مصير هؤلاء الأسرى ولا وضعهم الصحي، رغم ادعاء حكومة الاحتلال أن الجنديَّين قُتلا وأن الحركة لا تحتفظ سوى برفاتهما فقط.

تطور نوعي

وفي مقابلة حصرية مع نائب قائد أركان كتائب القسام، مروان عيسى، كشف عن امتلاك الحركة أوراق مساومة لإنجاز "صفقة تبادل مشرفة للأسرى"، لافتًا إلى أن هذا الملف (ملف الأسرى) هو الأهم في الوقت الحالي لدى المقاومة لإيقاف معاناتهم، مؤكدًا استمرار "وحدة الظل" في العمل على المحافظة على الأسرى الذين بيدها.

شهد اللقاء تطورًا نوعيًّا غير مسبوق في إدارة هذا الملف من قبل حماس، فلأول مرة يتم بث صوت مجند أسير لدى الحركة، هذا التسجيل يتزامن مع أصوات في الداخل والخارج تشكك في الانتصارات التي حققتها المقاومة خلال الحرب الأخيرة.

الأمر لم يتوقف عند حاجز المجند الأسير حاليًّا لدى القسام، بل عرض اللقاء لقطات حصرية لأول مرة لعملية أسر الجندي جلعاد شاليط، الذي أسرته المقاومة في 5 يونيو/ حزيران 2006، هذا بخلاف بعض الوثائق الخاصة بعملية المفاوضات من أجل عملية تبادل الأسرى مقابل الإفراج عن شاليط.

كشفت المقابلة المتلفزة النقاب عن تفاصيل عملية الأسر، التي نفذت خلف "خطوط العدو" وقام بها 7 مقاتلين من الكتائب ولجان المقاومة الشعبية وجيش الإسلام، حيث قُتل حينها جنديان إسرائيليان، في حين أُسر الجندي الثالث، شاليط.

كما استعرضت الحلقة بعضًا من حديث رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق، إيهود أولمرت، عن الثمن الذي وصفه بـ"الباهظ جدًّا" الذي دفعته دولة الاحتلال، مقابل تحرير الجنود المختطفين لدى المقاومة.

اعترف أولمرت في شهادته بصعوبة عملية التفاوض مع حماس، كاشفًا عن أن بعض الرؤساء العرب عرضوا مساعدتهم في إنجاز صفقة التبادل، مختتمًا حديثه بالاعتقاد بأن أي حكومة إسرائيلية قادمة، "لن تدفع ما دفعه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو من أجل الإفراج عن شاليط، عام 2011، مقابل الإفراج عن 1027 فلسطينيًّا".

صدمة إسرائيلية

أربك التسجيل المنسوب للمجند الأسير حسابات الإسرائيليين بصورة كبيرة، وأحدث حالة من الانقسام، بين مرجّح لصحة التسجيل ومشكك فيه، فيما سارعت المؤسسة الأمنية في "إسرائيل" للتعقيب بالقول: "يفحص جهاز الدفاع تسجيلًا صوتيًّا منسوبًا إلى أسير حرب إسرائيلي، بثته "الجزيرة" نقلًا عن حماس، بدعوى أنه يعود لأحد المواطنين الإسرائيليين المحتجزين في غزة".

منسق شؤون الأسرى والمفقودين في ديوان رئاسة الوزراء الإسرائيلية، يرون بلوم، يعلق على هذا التسجيل، بقوله إن حركة حماس في ضائقة بعد "الضربات القاصمة" التي تلقتها في الحملة العسكرية الأخيرة، وتحاول القيام بـ"عملية تلاعب رخيصة ومفضوحة"، مدعيًا أن بلاده على دراية بحالة الجنديَّين هدار غولدين وأورون شاؤول، الذي أشار إلى أنهما قُتلا خلال حرب 2014.

كما ادعى دراية المؤسسة الأمنية الإسرائيلية بـ"حالة المدنيين أفراهام منغيستو وهشام السيد، اللذين عبرا الحدود وهما على قيد الحياة، وستواصل دولة "إسرائيل" العمل بتصميم ومسؤولية لاستعادة أبنائها العسكريين والمدنيين"، فيما أشار معلقون إسرائيليون إلى أن التسجيل الذي بثته القسام يعود للأسير الإسرائيلي من أصل إثيوبي أفراهام منغيستو.

التسجيل الموثق بالصوت، والوثائق التي بثتها الكتائب على شاشة "الجزيرة"، فنّدت بشكل كامل الأكاذيب الإسرائيلية بشأن تعذيب شاليط، مقارنة بما يحدث مع الأسرى الفلسطينيين في سجون الاحتلال، كما إنه هدم جدران الانتصار المزيف التي بنتها الآلة الدعائية الإعلامية في "إسرائيل" طيلة الأيام الماضية، في محاولة لمناهضة أي تأثير سلبي محتمل للإنجازات التي حققتها المقاومة، والتي وصلت إلى حد تحديد ساعات الاختباء في الملاجئ والخروج منها.

حرب نفسية

تمارس المقاومة حربًا نفسية مكتملة الأسلحة ضد دولة الاحتلال، فالرسائل التي بعثت بها من خلال التسريبات والمعلومات المعروضة، لا شك أن صداها سيمتد إلى الشارع الإسرائيلي، الذي استقر في يقينه أن بلاده ستدفع ثمن الاعتداءات المتكررة بحق الشعب الفلسطيني غاليًا جدًّا.

المقاومة التي كانت بالأمس تواجه حصارًا غير مسبوق، من الداخل والخارج، كشفت اليوم أنها تمتلك أرضية معلوماتية استخباراتية مذهلة، هذا بجانب ما تحققه من خطوات واثقة فيما يتعلق بمنظومة الدعاية والإعلام، والتي حققت طفرة كبيرة في الإمكانات والتأثير.

التسجيل الذي لم يتعدَّ بضع ثوان ربما، يتجاوز صداه وتأثيره النفسي عشرات الصواريخ التي تطلقها المقاومة على المستوطنات الإسرائيلية، وفق ما ذكر الناشط سعد اكريم الذي غرد قائلًا: "تسجيل صوتي لجندي أسير صهيوني يساوي قصف حيفا وتل أبيب ورامون في رشقة واحدة".

الناشط الفلسطيني حيدر المصدر، الباحث في مجال الإعلام السياسي والدعاية، مشيدًا بالتطور الذي شهدته الآلة الإعلامية للمقاومة، قال: "سأترك الحديث عن تداعيات ما أعلن خلال البرنامج على مجتمع العدو وساسته للمتخصصين في شأنه، وسأقول فيما يتعلق باختصاصي وبكل ثقة، إن الإعلام لدى المقاومة بات وسيلة تتجاوز الإخبار باتجاه التشكيل والتلاعب والضغط والتمرير وحتى التفاوض. هذا تطور تشغيلي مصحوب بفهم منهجي ومفاهيمي لأفضل السبل وأنجعها في مجالَي استغلاله وتوظيفه".

الأمر ذاته أكد عليه الإعلامي راجي الهمص، الذي قال في تغريدة له "#ما_خفي_أعظم يكشف صورًا من معركة إساءة الوجه للعدو بضربات استخباراتية وعسكرية تعمل من خلالها المقاومة على كسر شوكة الاحتلال وإذابة صورة سادت لعقود أن جيشه لا يقهر، مزيد من نقاط النصر تسجله المقاومة في معركة الوعي والإرادة مع احتلال لا بد زائل والواجب المقوم في الضفة عرفت فالزم".

التسجيل أعاد لأذهان الفلسطينيين والإسرائليين على حد سواء، العبارة الغامضة التي أطلقها رئيس حركة حماس بقطاع غزة المحاصر، يحيى السنوار، في ختام زيارة رئيس جهاز المخابرات المصرية عباس كامل إلى القطاع، في 31 مايو/ أيار الماضي، حين قال: "سجلوا الرقم 1111 على المقاومة وحركة حماس وكتائب القسام".

أثارت العبارة وقتها العديد من التساؤلات المشوبة بالترقب بشأن ما تحمله من دلالات، فيما ذهب الكاتب المختص في شؤون فصائل المقاومة الدكتور ثابت العمور، إلى أن التفسير الأقرب للمنطق أن هذا الرقم له علاقة بصفقة تبادل محتملة وقريبة، وأن حماس لن تقبل بأقل من هذا العدد من الأسرى من أجل إنجاز صفقة.

وأضاف أن التصريح يحمل رسالة للوسطاء بأن حماس مستعدة لإنجاز صفقة سريعة، "لكن في إطار لن يقل عن الرقم الذي أعلنه على الملأ وقطع به وعدًا على المقاومة".

دروس في فنّ التفاوض

التطور النوعي في إدارة ملف الأسرى، وتوقيتات استخدام أوراق الضغط المستخدمة، وآليات الكشف عنها بسياسة "التنقيط" وفق الظرفية السياسية والعسكرية الميدانية، كلها مخرجات كشفت عنها استراتيجية تعامل حماس مع هذا الملف خلال السنوات الأخيرة.

ففي الوقت الذي تخلت فيه عن الحركة الكثير من القوى الداعمة لها إقليميًّا، لعدة أسباب، هذا بجانب استثارة الخلافات والانقسامات بين الحين والآخر مع السلطة الفلسطينية، لإضعاف المقاومة وإشغالها عن القضية الأم، كانت حماس تسير بخطى ثابتة نحو تحقيق ما تريد، مهما كان مستوى قوة الأدوات التي بحوزتها.

الحرب الأخيرة التي شهدتها غزة، كشفت النقاب عن القدرات الحقيقية للمقاومة، والتي كانت بعيدة عن خيال حتى الداعمين لها، وهي القدرات التي لم تقتصر على الجانب العسكري والقتالي فقط، بل أضيف إلى ذلك القدرة الهائلة على التفاوض والخروج بأكبر قدر من المكاسب في ماراثونات الصفقات طويلة النفس.

الكاتب المصري أحمد إبراهيم، الباحث المتخصص في الشأن العربي، يرى أن المقاومة استطاعت أن تحدث فارقًا في علم المفاوضات وعقد الصفقات، مطالبًا بضرورة أن تقدّم حماس دورات تدريبية للقادة العرب في فن التفاوض، متسائلًا: لماذا لا تفتح مدرسة لتعليم الساسة فن السياسة؟

الباحث المصري على صفحته على فيسبوك، كتب يقول: "يومًا بعد الآخر.. تقدم "حماس" دروسًا في التكتيك والمناورة والتفاوض، وتلقن العدو الدرس تلو الآخر، لماذا لا نتعلم منها كيف ندير معاركنا، ومتى يكون للمعلومة قيمة، ثمن للصورة، وثمن للصوت، وثمن للأسير، إنها مدرسة في إبرام الصفقات، وجني المكاسب لصالح قضيتها، بينما آخرون يفقدون الورقة بعد الأخرى، حتى صاروا يتسولون المصالحة، وينتظرون عفوًا من قاتلهم".

وفي الأخير.. يمكن القول إن حماس نجحت في تحقيق العديد من المكاسب والانتصارات السياسية الرمزية والميدانية في ملف الأسرى، حتى قبل البدء فيه بصورة رسمية، فالإدارة الواعية لهذا الملف تشكل أكثر من 50% من الجهد المطلوب لتحقيق الأهداف المنشودة، لتثبت المقاومة يومًا تلو الآخر أنها رقم صعب في المعادلة، وغصة في حلق دولة الاحتلال مهما كانت الضغوط والتحديات.