على عكس الجيوش العربية الأخرى، تحظى المؤسسة العسكرية في تونس بثقة الشعب لما تتميز به من انضباط وتنظيم وحياد عن الشأن العام، ولدورها الريادي في الحفاظ على الانتقال الديمقراطي الذي أعقب ثورة 14 يناير وفي تعزيز استقرار البلاد خاصة بعد التحديات الأمنية التي واجهت تونس داخليًا (العمليات الإرهابية) وخارجيًا (الأزمة الليبية).

السمعة التي اكتسبها الجيش التونسي بوقوفه إلى جانب الثائرين على نظام بن علي وانحيازه لإرادتهم ورفضه لأوامر السلطة آنذاك بوأد الحراك الشعبي وقمعه بقوة السلاح، بدأت تدريجيًا في التآكل بفعل محاولات الزج به في معترك الصراع السياسي خاصة في الفترة التي أعقبت صعود قيس سعيد إلى الحكم.

في هذا التقرير، سنأتي على تاريخ الجيش التونسي ومراحل تطوره وعلاقته بالسلطة وأهم إنجازاته، بالإضافة إلى تقييم قدراته الفنية وحدود أدواره في هذه المرحلة الحرجة، إذ تُعاني تونس من أزمات مركبة بسبب عسر الانتقال الديمقراطي والتدهور الاقتصادي وانتشار جائحة كورونا.

الجيش التونسي

أسس الجيش التونسي في 24 من يونيو/حزيران 1956 بعد ثلاثة أشهر من نيل البلاد استقلالها عن فرنسا في 20 من مارس/آذار، وفي عام 1963 خاض بعد الاستقلال معركة ضد القوات الفرنسية انتهت بإجلائها عن مدينة بنزرت الساحلية شمالي البلاد التي كانت آخر نقطة تتمركز فيها.

وتتمثل مهمة الجيش التونسي بمقتضى الدستور، في الدفاع عن الوطن وحماية النظام الجمهوري، فالفصل 18 من الدستور ينص على أن "الجيش الوطني جيش جمهوري وهو قوة عسكرية مسلحة قائمة على الانضباط، مؤلفة ومنظمة هيكليًا طبق القانون، ويضطلع بواجب الدفاع عن الوطن واستقلاله ووحدة ترابه، وهو ملزم بالحياد التام، ويدعم الجيش الوطني السلطات المدنية وفق ما يضبطه القانون".

هذه القاعدة الدستورية التي سار عليها الجيش التونسي منذ تأسيسه، جعلته جيشًا جمهوريًا بامتياز اقتصرت مهامه على معاضدة مجهود الدولة في التنمية كمد الجسور والطرقات ومقاومة التصحر (مشروع رجيم معتوق) وتأمين الحدود ومجابهة الكوارث الطبيعية (فيضانات - حرائق).

لذلك، يُمكن القول إن حصر أدوار الجيش التونسي في حماية الحدود مع الاستعانة به بشكل محدود في بعض الاضطرابات الاجتماعية التي وقعت نهاية سبعينيات ومطلع ثمانينيات القرن العشرين في عهد الرئيس الراحل الحبيب بورقيبة، كان خيارًا سياسيًا لتونس ما بعد الاستقلال.

عقود من التهميش

تاريخيًا، يعود ضعف الجيش التونسي عسكريًا وسياسيًا بالأساس إلى أسباب داخلية خاصة بالواقع التونسي وأخرى خارجية إقليمية، فالحبيب بورقيبة عمل على إفقاد الجيش التونسي لكل المقومات والقدرات التي يُمكنها تهديد سلطته وهو أمر اشتغل عليه قبل الاستقلال، إذ لعبت القوات المسلحة أدوارًا ثانويًا في الحركة الوطنية وذلك لحرمانها من شرعية المقاومة من أجل الحكم كما حصل في الجزائر.

العامل النفسي للسلطة عززته الانقلابات العسكرية في حقبة ما بعد الاستقلال (الخمسينيات) في أكثر من قطر عربي وبالتحديد في مصر عندما صعد الضباط الأحرار بقيادة جمال عبد الناصر، وهو ما دفع بورقيبة إلى إحكام قبضته على مؤسسة الجيش من خلال جملة من الإجراءات والتدابير الرامية لمنع الانقلابات، فبالإضافة إلى التمويل الضعيف مقارنة بالتعليم والصحة، وضعت السلطة التونسية ثقتها في الحرس الوطني وهي قوة شبه عسكرية لتقويض أي تواطؤ من القيادات، كما أوعز الرئيس لحزب "الدستوري الجديد" بإجراء تحريات على أول دفعة من الضباط الذين تم إرسالهم إلى الأكاديمية الفرنسية "سان سير" لضمان ولائهم للنظام، كما منع ضباط وجنود الجيش من التصويت في الانتخابات أو الانضمام إلى الأحزاب السياسية بهدف تخفيف اهتمامهم بالسياسة.

بعد محاولة عسكريين الانقلاب على بورقيبة عام 1962 وتزايد التهديدات الداخلية والخارجية، أجبر بورقيبة على تغيير مساره وتقوية القوات المسلحة في أواخر سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، حين عرفت تونس إضرابًا وطنيًا عام 1978، وتمردًا مدعومًا من الليبيين بمحافظة قفصة في 1980، ومظاهرات الخبز الدموية العام 1983-1984، وهي الفترات التي تضاعف فيها الإنفاق العسكري أربع مرات.

حذر بورقيبة من الجيش لم يمنع من وقوع الرزايا، فابن علي الذي صعد سريعًا في سلم السلطة نفذ انقلابه الناعم في 7 من نوفمبر/تشرين الثاني 1987، معلنًا أن صعود أحد ضباط الجيش إلى منصب الرئاسة سيعزز دور المؤسسة العسكرية ما يعني أن الجيش أصبح يتمتع بدرجة عالية من التأثير.

في البدء راهن بن علي على المؤسسة العسكرية ودفع بكبار الضباط لشغل المناصب المعروفة تقليديًا بأنها مدنية، فعيَن الحبيب عمار وزيرًا للداخلية عام 1987، وعبد الحميد الشيخ وزيرًا للخارجية عام 1988 ومن ثم للداخلية في العام 1990، ومصطفى بوعزيز وزيرًا للعدل في العام 1989 ثم وزيرًا لأملاك الدولة في العام 1990، وعلي السرياطي مديرًا عامًا للأمن الوطني في العام 1991، وعددًا من ضباط الجيش الآخرين في أعلى الوظائف الأمنية.

هذه التعيينات أثارت مخاوف المؤسسات المنافسة وهي الحزب الحاكم (التجمع الدستوري) والمؤسسة الأمنية (وزارة الداخلية)، فالجيش بنظرهم يشكل تهديدًا لمصالحهم، فعملوا على إضعافه وكسر شوكة المعارضة المتمثلة في ذلك الوقت في حركة النهضة الإسلامية من خلال الترويج للمؤامرة يجهز لها الطرفان ضد النظام في مايو/أيار 1991 (قضية براكة الساحل).

الحادثة هزت ثقة بن علي في الجيش ودفعته إلى تعديل سياسته تجاه المؤسسة العسكرية من خلال اعتماده على مقاربة الولاء الجغرافي أي الساحل الذي ينتمي إليه (سوسة المنستير) وإجبار الضباط الذين عينهم وزراء سابقًا على التقاعد أو القبول بمناصب خارج البلاد كسفراء وقناصل.

وعلى مدى الفترة المتبقية من حكم بن علي، لم يتم تعيين رئيس جديد لهيئة الأركان للفروع الثلاث للقوات المسلحة وحرم الجيش من أرفع مناصبه فبن علي عمليًا كان الجنرال ووزير الدفاع، وبالإضافة إلى ذلك لم يحصل أفراد الجيش على وظيفة مدنية أو أمنية واحدة، وعانت المؤسسة العسكرية ماديًا لضعف الميزانية المخصصة لها، في مقابل ذلك أغدق عطاياه على وزارة الداخلية من أسلحة جديدة ورواتب وحوافز، وبالتالي أصبحت تونس دولة بوليسية.

الثورة ورد الاعتبار

بعد هروب بن علي إلى السعودية وانهيار نظامه البوليسي بفعل الحراك الشعبي وثورة 14 يناير، تراجع دور سلطة القوة التي أسندت عرش الديكتاتورية بسبب السمعة السيئة للشرطة وحزب التجمع الدستوري، ما أفسح المجال للجيش الذي وقف إلى جانب الثوار ورفض استهدافهم للارتقاء في المشهد.

ويُحسب لثورة الياسمين أنها نقلت إدارة الجيش من الحكم الفردي والشخصي إلى قنوات أكثر لامركزية وإلى المؤسسات، وغيرت من التراتبية القائمة على الموالاة والمحاباة وأنهت التمييز الجغرافي للقيادات الذي كان حكرًا على الساحل فصعدت أسماء من الجنوب كمحمد صالح الحامدي من قفصة ومن الشمال (بنزرت) بشير بدوي.

كما دفعت الحكومات ما بعد الثورة إلى تعديل موازنة وزارة الدفاع ودعمها من خلال إعادة الهيكلة وتعزيز قدراتها على المستوى التسليح والتدريب، وفتح المجال أمام الضباط المتقاعدين للنشاط في المجتمع المدني عبر الجمعيات والمنظمات مستفيدة من زخم الحرية النقابية، بما عزز انخراطهم في الدفاع عن المؤسسة على اعتبار أنهم جماعة ضغط جديدة.

وطوال السنوات التي أعقبت التحول السياسي في تونس، زادت قوة الجيش كمًا وكيفًا في خطوة لتصحيح الخلل التاريخي، وهي خطوات اتخذتها السلطات لمجابهة التحديات الأمنية داخليًا وخارجيًا، وكانت بالتنسيق مع الأطراف الفاعلة الدولية التي حرصت على دعم الجيش التونسي وفق المبادئ الديمقراطية.

المتابع لتطور المؤسسة العسكرية في تونس، سيلاحظ حتمًا النمو السريع لميزانية وزارة الدفاع على حساب الوزارات الأخرى خاصة بين 2011 و2016، إذ زادت 21% بمعدل سنوي، وحدث تطور في قيمة صفقات السلاح والعقود الدفاعية بشكل مطرد خاصة مع أمريكا، ففي عهد الرئيس محمد المرزوقي، وقعت تونس في 2014 عقدين عسكريين لشراء سيارات جيب وشاحنات ثقيلة، ومع وصول الباجي قائد السبسي لمنصبه في 2015، وقعت تونس عشرة عقود إضافية لشراء طائرات هليكوبتر من طراز (بلاك هوك) وناقلات جند مدرعة وصواريخ (هيلفاير)، وذلك بالإضافة مع عقود مع دول أخرى من بينها تركيا لتزويدها بطائرات مسيرة.

كما دخل العسكر التونسي مرحلة جديدة بفتحه خط تصنيع حربي، نجح من خلاله في تصنيع أول زورق دورية في أغسطس/آب 2015، وأطلقت عليه اسمًا رمزيًا "استقلال"، وأول عربة مصفحة مضادة للألغام، بالإضافة إلى رجل آلي مسلح مختص في القتال والتمشيط والاستطلاع وكشف الألغام، ومنظومة لمتابعة التشكيلات العسكرية على الميدان في المهمات القتالية.

العسكر والسياسة

قد يبدو الشعب التونسي في الظاهر متعاطفًا مع المؤسسة العسكرية التي ظُلمت هي الأخرى طيلة حكم بورقيبة وبن علي، وممتنًا لها لوقوفها إلى الجانب الثورة في مواجهة القمع البوليسي والحزبي ولجهودها في صون أمن من مخاطر الإرهاب، وللشهداء الذين قدمتهم في سبيل مناعة البلاد، إلا أنه لن يرضى أن يتخطى الجيش الخطوط الحمراء.

فمنذ يناير/كانون الثاني 2011 إلى اليوم، تكررت مساعي إدخال الجيش في اللعبة السياسية، وجاءت آخر المحاولات من الرئيس التونسي قيس سعيد الذي يراهن على هذه المؤسسة لإقصاء خصومه السياسيين.

سعيد أثار الجدل في مناسبات عدة بزياراته المتكررة لقوات الجيش وتصريحاته الموجهة للسياسيين من داخل الثكنات العسكرية وحديثه عن الدور المحوري في الحفاظ على الشرعية في وجه المؤامرات الداخلية وما أسماه البؤس السياسي، الأمر الذي اعتبره كثيرون استقواءً بالمؤسسة العسكرية ومحاولةً للزج بها في معارك السياسة، وإشارةً عن وجود رغبة لديه في تحويل وجهة الجيش من الثكنات وحماية الحدود إلى التدخل في الشأن العام والقطاعات المدنية، في ظل أزمة سياسية واقتصادية خانقة وتحركات اجتماعية.

الأمر لم يقف عند الرئيس، فالحزام السياسي لسعيد (التيار وحركة الشعب) عملا على دفع الرئيس لتفعيل الفصل 80 من الدستور الذي يُعطي الرئيس الحق في اتخاذ تدابير للحالة الاستثنائية، فقد طالب محمد عبو بنشر الجيش وفرض الإقامة الجبرية على بعض السياسيين، فيما دعا مستشار الأمن القومي السابق للرئيس الأسبق الباجي قائد السبسي، الأميرال كمال العكروت، إلى التحرك وأسماها معركة تحرير الوطن.

متقاعدو الجيش أطلقوا بدورهم مبادرة على شكل رسالة مفتوحة وجهوها إلى الرئيس قيس سعيد، لـ"إعادة البلاد إلى المسار الصحيح وتجنيبها ما لا يحمد عقباه"، وورد فيها أنها "دعوة الأمل الأخير"، وهي خطوة لاقت استنكارًا من بعض السياسيين، فوصفها الأمين العام لـ"الحزب الجمهوري" عصام الشابي بأنها اصطفاف سياسي تنذر بالخطر.

 

حدود أدوار الجيش

من الطبيعي أن تخشى القوى الديمقراطية في تونس من تنامي نفوذ الجيش ومن مساعي استقطابه في المسار الانتقالي الهش، إلا أن هذه المخاوف على ما يبدو غير مستندة إلى معطيات موضوعية دقيقة ومنها الآتي ذكره:

  • الجيش التونسي لا يحوز القوة التي تمكنه من مسك البلاد سياسيًا وأمنيًا وعسكريًا.
  • وجود قيادات عسكرية بالجيش ترفض بشكل صارم دخول الجيش المعترك السياسي.
  • الجيش التونسي يفتقد إلى التجربة والتاريخ السياسيين والإيديولوجيا.
  • العسكر التونسي ليست له تركيبة تقليدية هو مبني على معايير أكاديمية وليس على أساس ديني أو عرقي أو جهوي أو طائفي.
  • هذا الجيش كمؤسسة لم يطور مصالح تجارية عميقة من شأنها أن تربطه بالغرف الخلفية والدوائر السياسية كما في مصر.

من جهة أخرى، فإن خطوة الانتقال من مرحلة التطويع إلى الحياد ثم الانخراط في الفعل السياسي بالنسبة للجيش التونسي، ما زالت عمليًا بعيدة المنال، فالمؤسسة لم تصغ طيلة فترة ما بعد الثورة سياسة جديدة تؤسس لعقيدة مهنية وتعيد هيكلة إدارتها وفق مقتضيات المرحلة، وذلك بسبب استنزاف جهودها في أولويات مكافحة الإرهاب وحماية الحدود ورفع مستوى الاحترافية والاستعداد العسكري.

التجربة أثبتت أن الجيش التونسي لا يميل إلى الانقلابات ولا يعطي أذنًا لهذه الدعوات، ويُمكن القول إن الثورة التونسية مرت بأحلك فتراتها في 2013، حيث عرفت عمليات إرهابية واغتيالات سياسية كادت تعصف بالمسار الانتقالي برمته، لكن الجيش التونسي ثبت على مبادئه ورفض الانصياع للأحزاب التي دعت إلى الانقلاب على الشرعية على طريقة السيسي في مصر.

تقنيًا، من المستبعد أن ينقلب الجيش التونسي على الانتقال الديمقراطي، فبالإضافة إلى عقيدته الجمهورية، فالعسكر الذي انخرط الآن ميدانيًا بموجب قانون التسخير الناجم عن عجز المؤسسات المدنية التي لم تعد قادرة على مواجهة جائحة كورونا ولا على استكمال المشاريع التنموية والصحية، لا يمتلك المقومات الكافية سواء على المستوى البشري أم اللوجستي لبسط سيطرته على البلاد.

كما أن تونس التي تعرف أزمة اقتصادية خانقة لن تتحمل أعباء إعادة "الانتشار العسكري"، ويعني المصطلح إعادة تموضع القوات لتحقيق هدف معين بناء على تحديات ميدانية أو أمنية أو معطيات إستراتيجية أو تكتيكية، وقد تكون عملية إعادة الانتشار كلية أو جزئية.

بالمحصلة، يبقى الجيش التونسي الاستثناء العربي الوحيد في البلدان التي هبت فيها رياح التغيير، بانحيازه لإرادة الشعب ووقوفه في وجه ماكينة الاستبداد البوليسية والحزبية، إلا أن تعففه عن السلطة التي تتصارع حولها قوى السياسة والمال وأصحاب الأجندات الخارجية قد لا يدوم طويلًا، خاصة في ظل الدعوات المثبطة التي تعمل على تلويث مشهد الانتقال السياسي وتزيين أنظمة الحذاء العسكري.