السفير الإماراتي في أثناء تلقيه البركة من الحاخام اليهودي شلومو كوهين

لا يختلف أحد على أن الانتهاكات الإسرائيلية الأخيرة بحق الفلسطينيين في القدس وغزة وضعت الأنظمة العربية في حرج شديد، رغم بيانات الإدانة الصادرة عن تلك الحكومات، التي تأتي في معظمها من باب "حفظ ماء الوجه" بعيدًا عن أي تحركات ميدانية فعالة من شأنها أن توقف الوحشية الإسرائيلية.

وإن كان الحرج حال معظم تلك الأنظمة فإن حرج الدول المطبعة حديثًا مع الكيان المحتل أقوى وأشد، خاصة في ظل ما كانت تروج له بأن خطوة التطبيع إنما جاءت لحماية الفلسطينيين، ولمنع ضم "إسرائيل" باقي أراضيهم، وهي الشعارات التي أسقطها المحتل بالقاضية في الحرب الأخيرة.

وبينما تعاني الدول المهرولة للتقارب مع "إسرائيل" مؤخرًا من انتقادات شعبية لاذعة، إزاء مواقفها المتخاذلة لنصرة القضية الفلسطينية، إذ بالإمارات - عراب التطبيع في المنطقة خلال السنوات الأخيرة - تسارع الخطى لتعزيز العلاقات مع تل أبيب، تزامنًا مع تصاعد الانتهاكات الإسرائيلية في مدينة القدس المحتلة وقطاع غزة.

ومنذ منتصف سبتمبر/أيلول 2020 وقعت كل من الإمارات والبحرين والمغرب والسودان اتفاقات تطبيع مع دولة الاحتلال، وهي الخطوة التي أثارت غضب الشارع العربي، في الوقت الذي ادعت فيه تلك الدول أن الدفاع عن حقوق الشعب الفلسطيني الدافع الأبرز لهذا التحرك.

الإمارات وتسارع قطار التطبيع

في تقرير لوكالة "الأناضول" رصد أبرز مظاهر التقارب بين الإمارات و"إسرائيل" في الوقت الذي كانت تشن فيه القوات المحتلة هجماتها الوحشية على قطاع غزة، التي أسفرت عن سقوط 290 شهيدًا بينهم 69 طفلًا و40 سيدةً و17 مسنًا، وأكثر من 8900 مصاب، فضلًا عن تشرد مئات الأسر التي هدمت منازلها.

التقرير رصد عددًا من اللقاءات والفعاليات التي جمعت بين ممثلي الدولتين منذ 16 من أبريل/نيسان الماضي، بعد 3 أيام فقط من انفجار الأوضاع في فلسطين إثر الاعتداءات الإسرائيلية في القدس، وحتى مطلع يونيو/حزيران الحاليّ، التي تنوعت بين اجتماعات سياسية واتفاقات اقتصادية وبروتوكولات تعاون ثقافي وعلمي.

البداية كانت لقاءً رباعيًا في قبرص جمع وزير الخارجية الإسرائيلي جابي أشكنازي، ونظيريه القبرصي واليوناني، بمشاركة وزير الإمارات للشؤون الخارجية أنور قرقاش، في الـ16 من أبريل/نيسان الماضي، وبعده بخمسة أيام فقط استقبل وزير الخارجية الإماراتي عبد الله بن زايد، مبعوث وزير خارجية "إسرائيل" الخاص لدول الخليج زفي حيفتس، حيث تباحثا سبل التعاون.

وفي الـ31 من مايو/أيار الماضي، كانت الزيارة المثيرة للجدل للسفير الإماراتي لدى "إسرائيل"، محمد آل خاجة، لمقر الزعيم الروحي لحركة "شاس" الدينية الحاخام شلومو كوهين، في مدينة القدس المحتلة، وهو اللقاء الذي شهد حصول السفير الإماراتي على "مباركة الكهنة" من الحاخام الذي تلقى هدية من آل خاجة تعكس العلاقات الودية بينهما.

وبينما كان القصف على مدينة غزة على أشده، كانت شركة "مجموعة 42" الإماراتية، توقع اتفاقًا مع شركة "رفائيل" للصناعات الدفاعية الإسرائيلية (حكومية)، لإقامة مشروع مشترك، وذلك في 19 من أبريل/نيسان، وبعد 7 أيام فقط من هذا الاتفاق، وقّعت شركة "ديليك كيدوحيم" صاحبة الامتياز في حقل تمار البحري الإسرائيلي للغاز الطبيعي، مذكرة تفاهم مع شركة "مبادلة" للبترول الدولية، التي تتخذ من أبو ظبي مقرًا لها.

ومع بداية مايو/أيار الماضي وقعت بورصة دبي للذهب والسلع اتفاقًا يتيح للشركات الإسرائيلية التداول على منصة "دبي للسلع"، وفي الـ6 من الشهر ذاته تم الكشف عن إطلاق منصة إعلامية عربية عبرية داخل "إسرائيل"، يرأس تحريرها الصحفي الإماراتي محمود العوضي، كأول خليجي يرأس وسيلة إعلام إسرائيلية، فيما يمولها رجال أعمال إسرائيليون.

التعاون تجاوز البعد الاقتصادي إلى الجانب العلمي والثقافي، فقد اتفق البلدان على إطلاق برامج لتبادل البعثات الطلابية في مجال التعليم، وذلك خلال الاجتماع الذي شارك فيه السفير الإماراتي بوزير التعليم الإسرائيلي، وذلك في الـ31 من الشهر الماضي.

وفي مطلع الشهر الحاليّ عقد مسؤولون من البلدين اجتماعات مكثفة، تطرقت لبحث سبل التعاون المشترك، أسفرت في النهاية عن الاتفاق على فتح إدارة التجارة الخارجية التابعة لوزارة الاقتصاد والصناعة الإسرائيلية مكتبًا اقتصاديًا جديدًا لها في أبو ظبي خلال صيف العام الحاليّ.

كشف المستور

كثير من المراقبين يرون أن الحرب الأخيرة على غزة أسقطت الكثير من الأقنعة وكانت بمثابة ورقة التوت التي عرت العديد من الأنظمة التي كانت تتشدق بالقضية الفلسطينية وتتاجر بها لتحقيق مكاسب سياسية واقتصادية، محلية ودولية، وتلميع صورتها عربيًا وإقليميًا.

الموقف الإماراتي تحديدًا من تلك الحرب كان مريبًا ومثيرًا للشك لكنه في الوقت ذاته لم يكن مستغربًا، إذ جاء متماشيًا بصورة كبيرة مع التغيرات التي شهدتها وجهات أبناء زايد في المنطقة منذ خلافة والدهم، ويعكس حالة البرغماتية التي باتت عليها السياسة الخارجية الإماراتية في الفترة الأخيرة.

كما أشرنا سالفًا فإن المطبعين مع "إسرائيل" وجدوا أنفسهم في موقف بالغ الحرج أمام شعوبهم، خاصة في ظل فشلهم في تقديم مبررات مقنعة لتقاربهم مع دولة الاحتلال التي لم تراع صورة الحلفاء الجدد أمام الرأي العام في بلدانهم، وهو ما دفع بعض تلك الحكومات إلى السماح بمتنفس ولو بسيط للتعبير عن حالة الاستنكار لما تمارسه قوات الاحتلال، وهو ما ظهر جليًا في التظاهرات التي خرجت في المغرب والسودان على سبيل المثال.

محلل الشؤون الأمنية بشبكة "بي بي سي" فرانك جاردنر، علق على تلك الوضعية في تقرير له قائلًا "بعدما أخبرت تلك الحكومات شعوبها بفوائد التعاون مع إسرائيل في مجالات التجارة والسياحة والبحوث الطبية والاقتصاد الأخضر والتنمية العلمية، تجد نفسها الآن في وضع محرج مجازيًا، إذ تظهر لقطات تليفزيونية على مدار 24 ساعة قصف إسرائيل لغزة، وتهديد الفلسطينيين بإجلائهم من منازلهم في القدس الشرقية واقتحام الشرطة مؤخرًا لحرم المسجد الأقصى في القدس".

لكن بات من الواضح أن الحالة الإماراتية كانت الاستثناء الأكثر فجاجةً، إذ واصلت الدولة الخليجية مساعيها نحو تعزيز التقارب مع دولة الاحتلال غير مبالية بدماء الفلسطينيين المراقة بفعل القوة الغاشمة الإسرائيلية التي ربما تكون خزائن الإمارات أحد روافد تعزيزها في الفترة الأخيرة بفضل الاتفاقيات الاقتصادية المبرمة بين البلدين.

وبينما يذهب بعض المتفائلين إلى احتمالية أن تقود تلك الانتهاكات الدول المطبعة لإعادة النظر في اتفاق "أبراهام" الذي شوه صورتها داخليًا، فالوضع مع الإمارات ربما يكون مستبعدًا، حتى إن خرجت عنها بيانات استنكارية نسبيًا، وهي البيانات التي تأتي لرفع العتب لا أكثر، ولا تحمل أي مؤشر لتغير في العلاقات الحميمية مع دولة الاحتلال التي يراها أبناء زايد ترسًا مهمًا - لا يمكن الاستغناء عنه - في عجلة نفوذها الإقليمي.