عندما يقرر المقدسي أن يبني بيتًا جديدًا أو يرمم سقفًا أو يوسع بيته، فإن الرحلة تأخذ منعطفات صعبة، فالأمر ليس باليسير أو الهين، هذه الرحلة تكلفه في أحيانٍ كثيرةٍ شقاء عمره. 

تلاحق الصعوبات المواطن في القدس من المرحلة الأولى أي لحظة قرار البناء، إذ يتوجب عليه بدايةً إصدار تراخيص عالية التكلفة، تقدر بأنها أعلى من تكلفة بناء البيت نفسه، عدا عن التعقيدات الكبيرة وشبه التعجيزية في عملية إصدار التراخيص التي تأخذ أحيانًا كثيرةً 10 سنوات.

تحدثنا مع رجائي طلال عطية، من العيساوية شرق القدس، الذي أجبره الاحتلال على هدم منزله قبل 3 شهور، فقال: "إلى هذا اليوم تردني إشعارات وزيارات متكررة من البلدية تجبرني على الهدم الكامل للجدران، مع أنني هدمت السقف ولم تعد هناك أي ملامح للبيت"، قضت الأوامر أن يهدم الطابق الثالث الذي بناه لأولاده المتزوجين، بعد أن ضاق عليهم البيت، إذ تتكون عائلته من 25 فردًا، غالبيتهم من الأطفال.

وعند سؤاله عن مراحل البناء دون ترخيص والهدم قال: "المشكلة الكبيرة التي تواجه المقدسي التكلفة العالية للرخصة، في أقل أحوالها تتراوح أسعار الرخص بين 600 ألف شيكل إلى 700 ألف شيكل أي نحو 200 ألف دولار أمريكي، وتكلفة مكاتب المهندسين مرتفعة"، يضيف "حتى الآن بسد الدين إلي علي.. دين البنا.. إلي صار ركام".

وعن سؤاله عن الغرامات المفروضة على أصحاب البيوت المهددة بالهدم قال عطيّة: "بالعادة تعطي البلدية مهلة 21 يومًا، إذا لم يتم الهدم الذاتي للبناء في المهلة المحددة تفرض البلدية الغرامات، بالاتفاق مع الشرطة الإسرائيلية ومعهم الجرافات، ويبدأون عملية الهدم التي يدفع تكاليفها المواطن، تبلغ تكاليف الهدم 250 ألف شيكل أي ما يعادل 80 ألف دولار، لذلك يلجأ المقدسي إلى الهدم الذاتي تفاديًا للغرامات الكبيرة، بمساعدة الأهل والجيران وبمعدات بسيطة يهدمون البيت".

حي البستان.. حي كامل مهدد بالإزالة والهدم! 

جددت سلطات الاحتلال الإسرائيلي إخطارات الهدم لثلاث عشرة عائلة فلسطينية في حي البستان ببلدة سلوان جنوب القدس، من بين 100 عائلة مخطرة مسبقًا ومهددة بهدم منازلها منذ عدة سنوات.

قال رئيس لجنة الدفاع عن أراضي بلدة سلوان فخري أبو ذياب، إن طواقم  بلدية الاحتلال في القدس سلَمت بلاغات بتجديد إخطارات هدم منازل تعود لـ13 عائلة مقدسية تسكن (حي البستان) بسلوان خلال 21 يومًا، كما هددت بلدية الاحتلال بهدم المنازل بشكل جماعي بعد انقضاء المهلة المحددة، ليس هذا فقط، بل فرض غرامات على أصحاب البيوت حتى يتم دفع تكاليف الهدم.

سياسات تعجيزية تجبر المقدسيين على البناء دون ترخيص!

تفرض بلدية الاحتلال على المقدسي الذي يتقدم بطلب الحصول على رخصة، قيودًا تعتبر تعجيزية، تبدأ بشرط حيازة المتقدم بالطلب لشهادة تسجيل ملكية الأرض المعروفة بـ"الطابو"، على الرغم من علمها بندرة عدد الأراضي المسجلة بالطابو، وبعدها تنتقل التعجيزات إلى التكاليف والرسوم ذات الأرقام الفلكية التي يصل أقلها إلى 30 ألف دولار، فبحسب دراسة أجراها مركز أبحاث الأراضي التابع لجمعية الدراسات العربية فإن نسبة الرخص إلى عدد الطلبات المقدمة هي 5% فقط في أحسن الأحوال، إذًا هذه الظروف مجتمعة تجبر الفلسطيني على البناء دون ترخيص، فلا يوجد من يفضل أن يكون العراء مأواه.

ويرى أبو دياب أن الاحتلال يستخدم سياسات الهدم والإخلاء وغيرها، من أجل حسم الموضوع الديموغرافي في القدس، وتبعات هذه السياسات ستكون التشريد، فالاحتلال يسعى لفرض وجود أقلية فلسطينية في القدس، لذلك يدعي أننا كفلسطينيين نبني دون تراخيص وبشكل غير قانوني.

مواطن يهدم بيته بيده في البلدة القديمة في القدس - المصدر: شبكة قدس

إن الهدم الجماعي والتهديد به ليس سياسيةً جديدةً ينتهجها الاحتلال، فقبل نحو عامين تم هدم ما يقارب 87 بيتًا في منطقة صور باهر في يوم واحد، وفي قلنديا أيضًا هدم نحو 30 بيتًا دفعة واحدة، وسواء كان الأمر بالهدم الذاتي أم الجماعي، فإن "إسرائيل" تضاعف تسليم إخطارات هدم البيوت في الفترة الأخيرة، وهذا ما نشهده في حي سلوان حتى تفرض واقعًا ديموغرافيًا جديدًا بغض النظر عن المسوغات الوهمية التي تضعها، فيضطر المقدسيون إلى هدم منازلهم بأنفسهم، هربًا من دفع الغرامات المالية وأجرة هدم بلدية الاحتلال التي تصل إلى عشرات آلاف الشواكل.

ووفقًا لآخر تقرير قدمه مركز عبد الله الحوراني للدراسات والتوثيق جاء فيه: "هدمت قوات الاحتلال الإسرائيلي خلال مايو/آيار الماضي 59 منشأةً، شملت 15 منزلًا، من بينها خمسة منازل هدمها أصحابها ذاتيًا، تجنبًا لدفع غرامات مالية ضخمة، في بلدتي سلوان وجبل المكبر بمدينة القدس المحتلة".

"إنك تهد حلمك إلي بنيته"

بعد أن يبني المقدسي منزله، تبدأ سلسلة من الملاحقات من بلدية الاحتلال، وفور تلقي العائلة إنذارًا بالهدم، تتبدد الأحلام، ويبدأ الخوف يسيطر على أفراد العائلة، ففي أي لحظة من الممكن أن تباغتهم قوات الاحتلال ومعها الجرافات للشروع بالهدم، يُشكل الإخطار بالنسبة لأي عائلة مقدسية صدمة كبيرة، وفي كثيرٍ من الأحيان تلجأ العائلة للقضاء والمفاوضات بينها وبين بلدية الاحتلال.

تدفع العائلة نحو 2000 شيكل كل شهر كمبلغ للمخالفة الذي بدوره يمكنهم من تأجيل قرار الهدم لفترة زمنية غير معروفة لكنه لا يلغي القرار إلا بصدور رخصة جديدة للبيت، وهو أمر شبه مستحيل في أحياء البلدة القديمة، خاصة حي البستان في سلوان. 

فيلم وثائقي بعنوان: اهدم بيتك بيدك، يبين تجارب عائلات مقدسية هدمت بيوتها بعد الإخطارات من بلدية الاحتلال بذريعة البناء دون ترخيص

يعيش المقدسيون في خوفٍ مضاعف: خوفٍ من الهدم الذاتي، فكيف للإنسان أن يهدم بيته بيده، هذا البيت الذي كلفه عشرات السنوات من الشقاء والعمل وعلق عليه آماله ورأى فيه أطفاله يكبرون! وخوف ثانٍ من الغرامات المالية الباهظة التي تفرضها بلدية الاحتلال في مدينة القدس على من يرفض هدم منزله بيده.

يسعى الاحتلال من خلال هذه السياسة إلى تفريغ المدينة من سكانها، وبالتالي أسرلة القدس وجعلها يهودية الطابع.