انطلق، يوم أمس السبت، التصويت في سادس انتخابات برلمانية تعددية في الجزائر، وسط إقبال متباين على صناديق الاقتراع بين محافظة وأخرى، وعلى وقع أعمال شغب ومظاهرات في شوارع متفرقة من منطقة القبائل على غرار محافظة البويرة التي تقع في الضاحية الشرقية للعاصمة الجزائرية. 

وبإسدال الستار عن هذا الموعد الاستحقاقي الذي يعتبر ثالث محطة انتخابية ضمن المسار الدستوري الذي تبنته أعلى سلطة في البلاد لإعادة ترتيب المشهد السياسي، انطلق بتنظيم انتخابات رئاسية في 12 من ديسمبر/كانون الأول 2019، ثم الاستفتاء على مشروع تعديل دستوري طرحة الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون بعد عام فقط من وصوله سدة الحكم في الفاتح من نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، ينظر الجزائريون بعينين: الأولى وجهت صوب البرلمان الذي سيتمخض عن هذه الانتخابات والثانية نحو الحكومة التي ستولد بعد هذا الاستحقاق. 

تشنج واحتقان

وبالنظر إلى التشنج والاحتقان اللذين ميزا البلاد في الأشهر الأخيرة، لم تخل العملية الانتخابية من أحداث شغب وعنف بالأخص في منطقة القبائل التي تشكل هاجسًا بالنسبة للسلطة السياسية في البلاد، عشية كل استحقاق انتخابي سواء كان رئاسي أم نيابي أم محلي. 

وكالعادة شهدت مدن متفرقة من محافظتي تيزي وزو (منطقة القبائل الكبرى) وبجاية (منطقة القبائل الصغرى)، أحداث عنف وشغب داخل مراكز الاقتراع وخارجها، إذ أقدم رافضو هذا الموعد الانتخابي على تحطيم صناديق الانتخاب وحتى إقفال عدد من مراكز التصويت.

فقد أبرزت فيديوهات تداولت خلال الساعات الأولى من الصباح، عزوفًا تامًا في بعض المدن الواقعة في محافظة البويرة على غرار مشدالة وبشلول وحيرز والبويرة، إذ شهدت هذه المناطق عزوفًا تامًا عن أداء واجب الانتخاب حتى إنها شهدت بعض التجاوزات مثل غلق بعض المراكز بالأقفال والسلاسل الحديدية وتنظيم تجمعات ومسيرات سلمية، ضاربين بالعقوبات التي تطال كل من يعرقل عمليات التصويت، عرض الحائط. 

وأعلن مندوب سلطة الانتخابات بمحافظة تيزي وزو التي تبعد نحو 120 كيلومترًا عن العاصمة الجزائرية، وجود 86 مركز تصويت من أصل 704 مراكز لم تفتح أبوابها لاستقبال الناخبين لغياب الظروف المواتية لذلك أو تلك التي أقدم متظاهرون على غلقها. 

بدا أن الهدف الأساسي للسلطة السياسية في البلاد هو إنجاح هذا الموعد الاستحقاقي الذي يعتبر الأول من نوعه في حقبة الرئيس عبد المجيد تبون

وسقطت التنبؤات والتطلعات السياسية لمحللين وخبراء وأساتذة في القانون الدستوري بخصوص ارتفاع نسبة المشاركة على المستوى الوطني مقارنة بآخر استحقاقين، إذ بلغت نسبة التصويت 14% حتى الساعة الخامسة بالتوقيت المحلي أي أن ما يعادل 3 ملايين ناخب جزائري أدلوا فقط بأصواتهم من أصل 23.5 مليون ناخب، بينهم 33 ألفًا من البدو الرحل و980 ألف ناخب في الخارج.

نسب تصويت متدنية 

تشير النتائج الأولية في الانتخابات النيابية الجزائرية إلى ضعف نسبة التصويت في قطاع عريض من المحافظات، وانخفاضها إلى أدنى مستوياتها لتلامس درجة العزوف التام في محافظات أخرى بالأخص منطقة القبائل، حيث بلغت نسبة التصويت في تيزي وزو 0.62% و0.79% في محافظة بجاية، بينما عادت أعلى نسب أولية للتصويت والمشاركة في سادس انتخابات برلمانية تعددية في الجزائر إلى المحافظات الجنوبية على غرار محافظة إيليزي الحدودية، إذ بلغت نسبة التصويت فيها 44.13% في حدود الساعة الخامسة مساءً بالتوقيت المحلي، فيما سجلت نسبة تصويت ضعيفة جدًا في مكاتب الاقتراع لدى الجالية الجزائرية المقيمة في الخارج، فلم تتجاوز النسبة 3.11% رغم أنها شرعت في عملية التصويت الخميس الماضي. 

وسجلت هذه النسب رغم الإجراءات التي اتخذتها سلطة الانتخابات في الجزائر، في محاولة منها لاستقطاب مزيد من الناخبين، إذ قررت تمكين الناخبين الذين لم يحصلوا على بطاقات الناخب من التصويت ببطاقة تثبت الهوية أو رخصة القيادة أو جواز السفر، حتى إنها قررت تمديد الاقتراع في جميع المحافظات بساعة إضافية.

وبدا أن الهدف الأساسي للسلطة السياسية في البلاد هو إنجاح هذا الموعد الاستحقاقي الذي يعتبر الأول من نوعه في حقبة الرئيس عبد المجيد تبون وتجديد البرلمان والتخلص من تركة الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة، بغض النظر عن نسبة المشاركة، وهو ما كشفه الرئيس الجزائري، في تصريح مقتضب للصحافة عقب الإدلاء بصوته في أحد مراكز الاقتراع في العاصمة الجزائرية، إذ قال بلغة صريحة إنه غير مهتم بنسبة المشاركة بقدر ما يهمه أن تكون النتيجة معبرة عن آراء الناخبين. 

وخاطب معارضيه بالقول: "من حق المعارضين مقاطعة الانتخابات شريطة عدم التأثير أو عرقلة إرادة الراغبين في المشاركة"، واختتم تصريحاته بالقول: "حضوري في هذا الانتخاب هو رد على الدوائر المشككة في المسار الجديد والقوى التي تقلقها الديمقراطية الجديدة في الجزائر" في تلميح ضمني إلى منطقة القبائل. 

وتابع تبون "عن قريب سنضيف اللبنة الأخيرة في مشروع الجزائر الجديدة، وذلك بتنظيم الانتخابات البلدية والولائية"، واختتم تصريحاته قائلًا: "أناس لا يرضيهم أن تسير الجزائر نحو الديمقراطية، ولا يرضيهم أن تمكن شعبها من سلطة القرار، نتعرض لهجومات، وهذا دليل على أننا في الطريق الصحيح".

ووصفت النسب المحققة بأنها "زلزال سياسي كبير"، إذ قال المحلل السياسي والإعلامي الجزائري أحسن خلاص لـ"نون بوست" إنها كانت متوقعة وأسبابها واضحة منها أن الانتخابات جرت في ظرف خاص متميز بالقمع والاستبداد والابتعاد عن روح الحوار السياسي كما أن السلطة نكثت عهودها لبناء جزائر تكون انعكاسًا لمقترحات الحراك. 

ومن بين الأسباب الأخرى يذكر أحسن خلاص نوعية الطبقة السياسية التي تقدمت إلى الانتخابات النيابية وأيضًا التعويل على القوائم الحرة إذ كان خطأً سياسيًا فادحًا. 

يأمل قطاع من الجزائريين أن لا تفتح هذه الانتخابات التي شهدت نسبة تصويت متدنية خلافًا للتوقعات التي رجحت ارتفاع نسبة التصويت، فصلاً جديدًا من فصول الصراع

وبرأي الباحث في الشؤون الأمنية والسياسية مبروك كاهي، فإنه يمكن ضبط أسباب عزوف الجزائريين عن التصويت في الانتخابات النيابية في عدة عوامل أبرزها تركيز النظام على مخرجات العملية الانتخابية بدلًا من العملية في حد ذاتها، إضافة إلى كثرة المرشحين وهو الأمر الذي شتت الأصوات وجعل العديدين يفكرون في العزوف بدل التصويت. 

بالمقابل قال الكاتب الجزائري وأستاذ العلوم السياسية بجامعة الجزائر توفيق بوقاعدة، إن النسب التي تم تسجيلها اليوم لا تختلف كثيرًا عن تلك التي سجلت في الاستحقاقات السابقة، وأرجع الأمر إلى الظروف التي جرت فيها الانتخابات البرلمانية، ووصفها بـ"الصعبة" بسبب إصرار السلطة على الذهاب إلى الصندوق دون حوار وطني، وما زاد الأمور تعقيدًا الخطاب السياسي الذي انتهجته الطبقة السياسية في الحملة الانتخابية الذي لم يقنع الناخبين إطلاقًا. 

وفي انتظار إعلان النتائج الرسمية النهائية، يأمل قطاع من الجزائريين أن لا تفتح هذه الانتخابات التي شهدت نسبة تصويت متدنية خلافًا للتوقعات التي رجحت ارتفاع نسبة التصويت، فصلاً جديدًا من فصول الصراع وأن لا يتمخض عنها مؤسسة تشريعية مطعون في شرعيتها مثلما حدث في الانتخابات التي جرى تنظيمها في مايو/آيار 2017 وهو ما وثقته شهادة النائب الجزائري السابق بهاء الدين طليبة، خلال جلسة محاكمته، عن قضايا فساد انتخابي، وعمليات ابتزاز وطلب رشاوى لتصدر قوائم المرشحين للمجلس الشعبي الوطني، ما أثار مطالب جديدة بحل البرلمان، الذي تنتهي ولايته في 2022.