ترجمة وتحرير نون بوست

بعد أكثر من ستة أشهر أعلنت المملكة العربية السعودية انسحابها من مفاوضتها مع الجمهورية الإيرانية، أوقفت المملكة الجهود الدبلوماسية بعد أن تأكدت من أنها لن تساهم في احتواء التهديد الإيراني، بل وأنها بالفعل قد أعطت إيران فرصة للتوسع في فرض نفوذها في المنطقة، وبالفعل عادت المملكة على أعقابها لتواجه إيران بالوكالة في سوريا واليمن، ففي وجهة نظر الرياض يعتبر أي توافق جذري بين الطرفين في عداد المستحيل، بل وحتى أن أي توافق لحظي لن يصبح ممكنًا ما لم تحتل الرياض موقعًا أكثر قوة من الحالي على الأرض.

تشكل الهوية العربية السنية بشكل رئيسي الموقف السعودي تجاه إيران، فبالنسبة للسعودية إيران بلد فارسي عملاق يحد المنطقة من الشرق، يقوم باستخدام الجماعات الشيعية وغيرها من الأقليات لاستعراض قوته على طول المنطقة العربية، وكون النزعة السلفية للمملكة عامل رئيسي في تشكيل الهوية السعودية لا يزيد الأمر إلا تعقيدًا؛ فالأعين السعودية لا تستطيع أن ترى في نوايا طهران سوى هجوم شيعي على قلب صحيح العقيدة.

وعلى الرغم من بدء محاولات التقارب منذ شهر مايو الماضي وتعدد لقاءات وزير الخارجية السعودي الأمير سعود الفيصل مع  حسين عبداللهيان نائب وزير الخارجية الإيراني للشئون العربية والأفريقية بين طهران والرياض، فإن هجوم الأمير سعود الفيصل المفاجئ والقاسي على الجمهورية الإسلامية بعد لقائه مع وزير الخارجية الألماني في الثالث عشر من أكتوبر الجاري قد أثبت فشل مساعي التقارب، حيث اتهم القوات الإيرانية باحتلال سوريا والعراق واليمن، وأكد أن الجمهورية تلعب الدور الرئيسي في كل نزاعات المنطقة، وأنه إذا كانت إيران تريد أن تصبح عاملاً في أي حل للأزمة السورية فإنه من الواجب عليها سحب قواتها من سوريا وغيرها.

ولم يخل الرد الإيراني من مفاجأة بسبب التحول السريع، فقد نصحت الخارجية الإيرانية المملكة أن تنتبه لمؤامرات الأعداء وألا تفوت فرصة القيام بدور إيجابي في المنطقة، وبينما تتصاعد ردود الفعل المستاءة على الجانب الإيراني حكمت محكمة سعودية بالإعدام على العالم الشيعي الشيخ نمر النمر المحتجز منذ 2012 ليزداد تعقد الوضع أكثر فأكثر.

لا يمكن فهم هذا التغير المفاجئ في الحوار السعودي مع إيران خارج سياق الرؤية السعودية العامة للوضع الإقليمي، فالمذهب الشيعي الحاكم لإيران حاليًا ليس بذا توافق مع النسخة السعودية للمذهب السني، ولا يستطيع السعوديون تفسير النداءات الإيرانية المطالبة بوحدة إسلامية متعدية للمذاهب وتعاون إيراني سني إلا على أنها نوع من ممارسة التقيةظ ولذلك من الواجب مواجهتم وحلفاءهم من العرب الشيعة، ولا يمكن التفاوض معهم إلا بشكل مؤقت ومن موقع قوة.

ومن الواضح أن موضع القوة الذي يشترطه السعوديون لأي نوع من التفاوض مع إيران يصبح حلمًا بعيدًا تدريجيًا، فالنجاح الإيراني في الوصول لتوافق مع الولايات المتحدة حول برنامجها النووي مؤشر قوي على محورية الدور الذي ستلعبه في العلاقات الدولية في المنطقة، بينما تتعرض السعودية للمزيد والمزيد من النقد لما وفرته الأيديولوجية الحاكمة من تربة خصبة لنمو أفكار جماعات كالقاعدة وداعش.

وبالرغم مما يراه السعوديون من خطورة لنظام ولاية الفقيه الإيراني على ملكيتهم؛ إلا أنهم قد نجحوا حتى الآن في منعه من التسلل إلى أرضهم، ولكن ما تسبب به الربيع العربي من عصف بالنظم الجمهورية بالمنطقة لا يدل إلا على احتمالية نشأة موجة جديدة أشد قوة في الممالك العربية مالم تحدث مساع حقيقية نحو الإصلاح السياسي داخل النخب الحاكمة، ومما نتج أيضًا عن صدمات الربيع العربي توافر فراغ في الساحة السياسية للجمهوريات قد سمح لإيران بحرية مناورة أكبر وأكثر خطورة (كما الحال في سوريا واليمن)، هذه المساحات لم تكن ممكنة أبدًا في دول ما قبل الربيع الصلبة.

كما ترتب على رهان المملكة على نمو داعش ككيان جهادي سني قادر على دفع النفوذ الإيراني أن استدار تنظيم الدولة لمهاجمة السعودية نفسها بعد أن فشلت جميع مساعي السعودية في تغيير النظام السوري ودفع الولايات المتحدة نحو التعجيل بذلك كسبيل للتخلص من النفوذ الإيراني في الشام، وبينما ركزت المملكة جهودها في محاربة الشيعة والإخوان المسلمين ومؤخرًا داعش؛ اجتاح الحوثيون المدعومون من قبل إيران صنعاء وتحولوا من حركة انفصالية إلى لاعب محوري في المشهد اليمني.

وبأخذ الهدوء الحذر بالبحرين المحكوم من قبل القوات السعودية المتمركزة بالمنامة في الإعتبار؛ يصبح من الواضح أن التراجع السعودي الحاد في الحوار مع إيران كان سببه الرئيسي هو التكالب الحادث بالوضع الإقليمي، فقد أصبح من الواضح لدى الرياض أن الدبلوماسية لم تعد كافية إطلاقًا لاحتواء طهران، بل أنها تعطيها فرصة أكبر بالتقدم على الأرض كما حصل في سوريا والعراق واليمن.

فمن الواضح أن السعودية قد اختارت التوقيت الخاطئ تمامًا في التفاوض مع حكومة الشيخ حسن روحاني؛ فالتقارب الحاصل بينها وبين الولايات المتحدة لا يعني سوى تطور دورها الإقليمي، كما أن توسع نظام الدولة لم يضعف من النظام الإيراني في شيء كما يظن البعض بل أضر بمصالح دول الجوار الموالية للسعودية بالأساس.

وبالتالي يصبح التحرك التالي المنطقي للسعودية بعد قطع الحوار هو تحريك أكبر قدر ممكن من القوات لمواجهة الحوثيين في اليمن ودعم الوكلاء في سوريا، ولكن المشكلة الحقيقية تنبع من الحاجة إلى عقد توازن يمكّن المملكة من محاربة إيران وأعوانها من الشيعة في المنطقة بدون الاعتماد على أو توفير مناخ يسمح بنمو جماعات وقوات جهادية مشابهة للقاعدة أو داعش، وحتى يجد جديد على الساحة فمن الواضح أن الطرفين لن يعودا إلى طاولة الحوار مرة أخرى حتى يشعر السعوديون بأن موقفهم على الأرض قد أصبح أفضل، أو أنه قد أصبح أسوء بما لا يدع خيار آخر سوى الجلوس والحوار.

المصدر: ستراتفور