يقوم النظام السياسي الذي أسسه الخميني بصفته مرشدًا أعلى للثورة الإسلامية في إيران عام 1979، على أساس مبادئ وقيم المذهب الشيعي الاثني عشري، وهو ما تم تأكيده أيضًا في الدستور الإيراني الصادر في العام ذاته، حيث أشارت المادة 115 من الدستور على ضرورة أن يكون رئيس الجمهورية مؤمنًا بمبادئ المذهب الاثني عشري، وتتوفر فيه الأمانة والتقوى.

وعلى مدى تاريخ تأسيس الجمهورية الإسلامية، لم تحظَ الأقليات الدينية والعرقية في البلاد بفرصة الترشح، أو حتى المشاركة الفاعلة في الانتخابات، وتعرضت لمزيد من التضييق السياسي بسبب معاملتهم سياسيًّا على أنهم غرباء، أو مواطنين من الدرجة الثانية.

ومن جانب آخر، شهدت العلاقة بين النظام السياسي والأقليات الكبرى كالعرب والأتراك، مواجهات سياسية ساخنة، حيث اتّهمَ المواطنون العرب والأتراك على وجه الخصوص، الحكّام الفرس باحتكار السلطة، ما خلق أسبابًا للتوترات العرقية في مقاطعات مثل أذربيجان والأحواز.

ومن ناحية أخرى أيضًا، عادة ما أثيرت المسألة الطائفية في إيران، وذلك بسبب السياسات التمييزية التي يقوم بها النظام السياسي، في التضييق على ممارساتهم وأدائهم للشعائر الدينية، مقارنة بالمساحة التي يمنحها النظام السياسي لطوائف دينية أخرى، كاليهود والمجوس والزرادشت. 

شهدت الانتخابات الرئاسية السابقة مشاركة واسعة للسنّة، لكن عدم وفاء حكومة الرئيس حسن روحاني بوعودها، وانعدام التنمية في المناطق السنّية، قد يؤثران في نسبة مشاركتهم بالانتخابات الرئاسية المقبلة.

إن الجديد في الانتخابات الرئاسية المقبلة (مقررة في 18 يونيو/حزيران)، هو تسابق المرشحين لهذه الانتخابات في كسب ودّ هذه الأقليات، عبر الحديث عن ضرورة إعادة النظر في أوضاعهم الاجتماعية، وتفعيل دورهم بالمشاركة السياسية، وتحسين أوضاعهم الاقتصادية، إلى جانب التأكيد على منحهم هامشًا من الفعالية داخل المجتمع الإيراني.

إلا إن جميع هذه التوددات السياسية، لم تلقَ آذانًا صاغية من قبل هذه الأقليات حتى اللحظة، وهو ما يتضح في قلة نسبة المسجلين منهم في قوائم التصويت للانتخابات الرئاسية المقبلة، مع ضرورة الإشارة هنا إلى أن هذه الأقليات تاريخيًّا عادةً ما تصوت للمرشحين الإصلاحيين، ولكن الحال يبدو مختلفًا في هذه الانتخابات، بعد استبعاد جميع المرشحين الإصلاحيين عنها من قبل مجلس صيانة الدستور، وحصرها بالأصوليين بالمجمل.

المواطنة المتساوية هي المطلب الأول

عادة ما يؤكد النشطاء السياسيون الأكراد والأتراك والتركمان والبلوش والعرب، على حقيقة أن الأقليات ليس لها دور في هرم السلطة وتواجهُ الإذلال، ولطالما واجه النظام السياسي هذه التأكيدات بالعنف والقوة، كما حصل في كردستان إيران في ثمانينيات القرن الماضي، أو كما يحصل اليوم في الأحواز أو في بلوشستان.

ورغم حالة الانفتاح السياسي التي شهدتها فترة رئاسة محمد خاتمي، إلا إن المطالبات المستمرة من قبل هذه الأقليات عمقت كثيرًا من مسألة شرعية النظام السياسي الحالي، حيث بدأت مطالبات المساواة تتوافق مع مطالب الحاضنة الشعبية المؤيدة للنظام، والتي بدت اليوم ناقمة على النظام السياسي، بسبب التحديات الاقتصادية والاجتماعية التي تعيشها إيران، ما دفع الكثير من المرشحين، وفي مقدمتهم إبراهيم رئيسي ومحسن رضائي، لمغازلة هذه الأقليات بغية كسب أصواتهم في الانتخابات الرئاسية المقبلة. 

الجديد في الانتخابات الرئاسية المقبلة، هو تسابق المرشحين لهذه الانتخابات في كسب ودّ هذه الأقليات.

ورغم الدعوات المتكررة التي أطلقتها القيادات الممثلة لهذه الأقليات، بضرورة أن يتم الالتفات إلى مشاكلهم الاجتماعية والثقافية، إلا إنه وعلى الرغم من انعقاد المناظرة الرئاسية الأخيرة لهذه الانتخابات، لم يقدم جميع المرشحين حلولًا عملية لمعالجة مشاكل هذه الأقليات، ولم يقدموا شيئًا سوى مغازلتهم انتخابيًّا، حيث عدّت القضية الاقتصادية هي القضية الرئيسية في الانتخابات الرئاسية المقبلة.

ومن هذا المنظور، كانت القضايا الاقتصادية في قلب النقاش المتلفز بين المرشحين السبعة، والذي تم فيه تقديم العديد من الوعود، منها بناء مليون وحدة سكنية في السنة، وزيادة 5 إلى 10 أضعاف في التمويل الحكومي للناس، وتحويل العملة الوطنية الإيرانية إلى أقوى عملة في المنطقة، وقروض لمن ينوون الزواج، ورواتب ربات البيوت، وخفض التضخم.

لذلك يبدو أن هذا النقاش كان فقط حول الوفاء بوعود اقتصادية طموحة بالنسبة إلى كثير من المراقبين، في ظل ندرة موارد النقد الأجنبي في إيران، وارتباك التبادلات المالية والتجارية في الخارج، بالإضافة إلى العديد من مشاكل الاقتصاد البنيوية، مع استمرار العقوبات الأميركية المفروضة على إيران.

وفي ما يتعلق بالمشاركة السياسية؛ شهدت الانتخابات الرئاسية السابقة مشاركة واسعة للسنّة، لكن عدم وفاء حكومة الرئيس حسن روحاني بوعودها، وانعدام التنمية في المناطق السنّية، لا سيما في بلوشستان وكردستان، قد يؤثران في نسبة مشاركتهم بالانتخابات الرئاسية المقبلة، حيث دعا إمام جمعة أهل السنّة في بلوشستان مولانا عبد الحميد، إلى العدالة والقضاء على التمييز، وتوظيف خبراء السنّة في مختلف المناصب الحكومية، من أجل المشاركة الفعالة لهم في الانتخابات.

تأتي الانتخابات الرئاسية المقبلة في الوقت الذي تخضع فيه إيران لعقوبات قصوى، منذ انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي.

ورغم المحادثات الجارية في فيينا لإعادة إحياء هذا الاتفاق، إلا أن ذلك لم يمنع من إبراز القضايا الاقتصادية والمعيشية في بيانات المرشحين والوعود الانتخابية، في ظل غياب واضح لقضايا الأقليات الدينية والعرقية، ما يجعل من فرصة مشاركتهم الفاعلة في الانتخابات صعبة، حيث تعاني هذه الأقليات من تحديات كبيرة، ما جعل بعضها اليوم يرفع شعارات أكبر من مجرد المشاركة السياسية.

فما بين دعوات الانفصال أو الفيدرالية، بدأت مطالبات تأسيس نماذج للحكم الذاتي داخل إيران تتصاعد بصورة كبيرة، حيث ظهرت هذه الدعوات بعد حالة الإهمال التي تعاني منها هذه الأقليات ومناطقها، في الوقت الذي يعتاش به النظام السياسي على خيراتها، حيث يتركز ما يقرب من 80% من النفط الإيراني في مناطق الأحواز وحدها فقط، بينما يواجه الأحوازيون واقعًا صعبًا للغاية.