رجل يحمل فتاة على كتفه بيدها علم الثورة السورية خلال مظاهرة في قرية أطمة بمحافظة إدلب شمال غرب سوريا في 15 آذار/ مارس.

ترجمة وتحرير نون بوست

مشاهدة الثورة السورية التي تحولت إلى حرب تدخل عقدها الثاني يعني إعادة إحصاء كل الخسائر، من أرواح الأبرياء المُزهقة والمدن المدمرة إلى الأحلام المحطمة؛ ونعيُ الإمكانات الضائعة للشباب السوريين العالقين في مخيمات النازحين الذين خسروا عامًا آخر من الدراسة بسبب الحرب. وتشمل الخسائر المقدرة مقتل حوالي 400 ألف سوري و200 ألف في عداد المفقودين. ولم تعد الأمم المتحدة تُحصي أي أرقام رسمية في أعقاب التخلي عن جهود إحصاء الخسائر المدنية بعد مرور ثلاث سنوات على اندلاع الصراع - وذلك من المظاهر العديدة لفشل المجتمع الدولي في الوفاء بالتزاماته تجاه الشعب السوري.

من المؤكد أن خسائر هذا الصراع فادحة ولا تقتصر على سوريا وشعبها فقط، بل لها تداعيات أخرى بعيدة المدى بالنسبة للصراعات الدموية الأخرى حول العالم وأبرزها تجاهل المبادئ الدولية التي كان من المفترض أن تحد من معاناة السكان المدنيين. إن المبدأ الأساسي الذي خُرق في سوريا هو مبدأ "مسؤولية الحماية" الذي ينص على أن المجتمع الدولي ليس مُخيّرًا أمام التدخل في النزاعات التي تُرتكب فيها الفظائع ضد السكان المدنيين  بل هو مُلزم بذلك.

يبدو أن مبدأ مسؤولية الحماية، الذي دافعت عنه الدول الغربية لأول مرة في تسعينات القرن الماضي وتبنّته في وقت لاحق الأمم المتحدة، لم يصمد في سياق الصراع السوري. ويعتبر فشله دليلا على قصور النظام الدولي الذي نشأ في نهاية الحرب الباردة. ومن غير الواضح بعد ما سيحل محله. وبما أن العالم يدخل على ما يبدو حقبة جديدة من المنافسة الجيوستراتيجية واستقطاب القوى العظمى، ليس هناك ما يضمن نشوء نظام إنساني مقبول جماعيًا.

وفقًا لمكتب الأمم المتحدة المعني بمنع الإبادة الجماعية ومسؤولية الحماية، فإن مبدأ مسؤولية الحماية "يجسد التزاما سياسيا بإنهاء أسوأ أشكال العنف والاضطهاد، ويسعى إلى تضييق الفجوة بين التزامات الدول الأعضاء بموجب القانون الإنساني الدولي وقانون حقوق الإنسان والواقع الذي يواجهه السكان المعرضون لخطر الإبادة الجماعية وجرائم الحرب والتطهير العرقي والجرائم ضد الإنسانية".

من المفترض أن يضمن مبدأ مسؤولية الحماية لجميع المدنيين حقًا أساسيا في الحماية من أسوأ أشكال الفساد في العالم

سعى العاملون في المجال الإنساني ومسؤولو الأمم المتحدة على امتداد سنوات إلى تكريس مفهوم مبدأ "مسؤولية الحماية". وكانت المناقشات حول مسؤولية الدول ذات السيادة عن حماية مواطنيها - ومسؤولية المجتمع الدولي في التدخل في حال أخلت الدول بالتزاماتها - مدفوعة بأهوال الإبادة الجماعية في رواندا ومذابح البلقان في أواخر القرن العشرين.

تشمل المبادئ الأخرى ما يسمى بمبدأ بلير، الذي ينص على أنه في حال استُنفدت الخيارات الدبلوماسية وأصبح من الممكن تطبيق تدخل عسكري محدد لتصحيح خطأ ما فلا بد إذا من الدعوة إلى هذا التدخل. وكان وزير الخارجية الألماني آنذاك، يوشكا فيشر، من ضمن المؤيدين المؤثرين الآخرين لمبدأ "مسؤولية الحماية"، الذي أخبر الألمان المسالمين في التسعينات أن منع الإبادة الجماعية ضد المسلمين في البلقان يبرر التدخل العسكري ضد الصرب. لكن الدول الأعضاء في الأمم المتحدة لم تلتزم رسميا بمبدأ مسؤولية الحماية حتى سنة 2005. ومع أن جميع الدول الأعضاء قد صادقت على هذا المبدأ، إلا أن الولايات المتحدة باعتبارها القوة العظمى الرائدة كانت القوة الدافعة وراء تطبيقه.

في جوهره، من المفترض أن يضمن مبدأ مسؤولية الحماية لجميع المدنيين حقًا أساسيا في الحماية من أسوأ أشكال الفساد في العالم. ولكن منذ البداية، كانت تشوب هذا المبدأ العديد من النقائص الأساسية التي من شأنها أن تجعل تطبيقه صعبًا - وتؤدي في النهاية إلى تجاهله في ميادين الحرب في سوريا.

بداية، ما الذي يجعل الجرائم الإنسانية خطيرة لدرجة إلزام المجتمع الدولي بتجاهل سيادة دولة عضوة في الأمم المتحدة والتدخل في الصراع، سواء باستخدام وسائل سلمية أو عسكرية؟ من يجب أن يتدخل وكيف؟ ماذا لو كانت الدولة المعتدية عميلة لقوة عظمى يمكنها منع أي قرار له صلة بمبدأ مسؤولية الحماية في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة؟

لا أحد يستطيع أن يدعي عدم علمه بالحجم الهائل لانتهاكات حقوق الإنسان التي كانت وما زالت تُرتكب في سوريا. لقد كانت هذه الحرب من أكثر الحروب توثيقا، ويرجع الفضل في ذلك إلى حد كبير إلى المواطنين الصحفيين الشجعان الذين خاطروا بحياتهم على أرض المعركة في سوريا. ولكن الحرب واجهت أيضا  سيلا هائلا من الدعاية والمعلومات المضللة الموجهة لمغالطة الجمهور ووسائل الإعلام، مما أدى إلى تقويض الثقة في المعلومات الواردة من الدولة المحاصرة.

إن الهجمات المدمرة التي استهدفت المستشفيات والمراكز الطبية والغارات الجوية التي قصفت مدنًا بأكملها، واغتيال الصحفيين، واستخدام أساليب الحصار والاستسلام، تعتبر من أفظع انتهاكات حقوق الإنسان. وردًا على ذلك، أصدرت الأمم المتحدة بيانات واهية بالإدانة، وعقدت اجتماعات متشنجة في مجلس الأمن، وطالبت بكبح جماح النظام بصورة غير فعالة.

كشفت الحرب السورية مجددًا عن مدى عبثية مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، الذي يسيء أعضاؤه استخدام حق النقض بشكل روتيني لحماية عملائهم. فمن جهة، تدعم الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وفرنسا المعارضة السورية؛ بينما تدعم روسيا نظام الرئيس السوري المستبد بشار الأسد من جهة أخرى. أما الصين، فترفض فكرة التدخل لإسقاط حكمه. في النهاية، كانت طبيعة عمل نظام الأمم المتحدة، وبالأخص هيكل مجلس الأمن، مسؤولة عن قتل أي فرصة لتطبيق مسؤولية الحماية.

هل للعالم القدرة على إيجاد بديل لمبدأ مسؤولية الحماية؟ يبدو أن التعلم من دروس سوريا وإعادة تطبيق مبدأ مسؤولية الحماية أمر غير محتمل،

شهدت الأمم المتحدة جدلا متكررًا حيال الجهود المبذولة لتقديم المساعدات الإنسانية للسوريين في الأراضي الخاضعة لسيطرة المعارضة على طول الحدود التركية والعراقية، عوضًا عن الاكتفاء بإرسالها من خلال دمشق التي تسيطر عليها الحكومة، حيث كان احتمال وصول أي مساعدة إلى المستفيدين المقصودين ضئيلاً. أمضت الأمم المتحدة أشهرا ثمينة في المفاوضات في سبيل التوصل إلى اتفاق حيال إيصال هذه المساعدات، بدلاً من التركيز على التوصل إلى حل قابل للتطبيق للأزمة السورية ككل.

في تموز/ يوليو الماضي، استخدمت روسيا والصين حق النقض ضد مشروع قرار تابع لمجلس الأمن كان من شأنه أن يسمح بإيصال الإمدادات الإنسانية عبر العراق وتركيا، ليقتصر إيصالها إلى المناطق الخاضعة لسيطرة المعارضة على معبر حدودي واحد فقط مع تركيا. إن الجدل حيال تحديد المعابر الحدودية التي يمكن استخدامها لإيصال المساعدات الأساسية يوضّح مرة أخرى كيف تقوم السياسات العبثية بالإغفال عن مسؤولية الحماية تمامًا.

من المخطط خلال الشهر المقبل أن يناقش مجلس الأمن قضية تسليم المساعدات مرة أخرى، حيث من المقرر أن تنتهي صلاحية اتفاقية الأمم المتحدة للسماح بعمليات التسليم العابرة للحدود عبر معبر باب الهوى في شمال غرب سوريا. ومن المرجح أن تعطل روسيا مسرى تجديد الاتفاقية ومطالبها بتقديم تنازلات.

لكن المسار المؤدي إلى تلاشي مبدأ مسؤولية الحماية في سوريا قد رُسم قبل وقت طويل، وبالتحديد في أيلول/ سبتمبر 2013. إن إحدى النقاط القليلة التي يمكن أن تتفق عليها جميع الدول تقريبًا، بما في ذلك أعضاء مجلس الأمن، هي أنه لا يمكن التسامح مع استخدام الأسلحة الكيماوية والبيولوجية.

وصف رئيس الولايات المتحدة آنذاك، باراك أوباما، استخدام الأسلحة الكيماوية بـ "الخط الأحمر" الذي من شأنه أن يغير حساباته في التعامل مع سوريا. لكن تردد عندما استخدمت قوات الأسد الأسلحة الكيماوية ضد السوريين بالفعل في أواخر آب/ أغسطس من تلك السنة، ثم رفض التصرف في النهاية. وفعلت الأمم المتحدة نفس الشيء لتبدأ أطوار التخلي عن مفهوم حماية السوريين من أسوأ أشكال الحرب. إذا لم تستطع كل من الأمم المتحدة أو القوة العظمى الرائدة في العالم أو ما يسمى بالمجتمع الدولي الالتزام بحماية المدنيين ضد الحرب الكيماوية والبيولوجية، ففي أي لحظة سيتصرف أي منهم على الإطلاق؟

تقع على حكومة أي دولة مسؤولية حماية شعبها، لكن مبدأ "مسؤولية الحماية" كان يهدف إلى إنشاء شبكة أمان في حالة فشل الحكومة المحلية في توفير تلك الحماية

في آذار/ مارس، أصدرت المستشارة الخاصة للأمم المتحدة لمنع الإبادة الجماعية أليس ويريمو نديريتو، مع المستشارة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بمسؤولية الحماية كارين سميث، بيانًا مشتركًا أعربتا فيه عن "القلق الشديد" إزاء استمرار الأزمة في سوريا. ومنذ اندلاع الصراع في سنة 2011، أصدرت المستشارتان وأسلافهما ما بلغ 19 بيانًا عامًا لدق ناقوس الخطر بشأن جرائم مختلفة تُرتكب في سوريا، إلا أنها كلها لم تُحدث أي فارق يذكر بالنسبة للسوريين.

لا دليل أبلغ من ذلك على ضعف الأمم المتحدة في إحداث التغيير، على الرغم من الدور الحيوي لوكالاتها الإنسانية، بما في ذلك اليونيسف، وبرنامج الأغذية العالمي، والمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، في إنقاذ أرواح لا حصر لها في سوريا.

والسؤال المطروح هو: هل للعالم القدرة على إيجاد بديل لمبدأ مسؤولية الحماية؟ يبدو أن التعلم من دروس سوريا وإعادة تطبيق مبدأ مسؤولية الحماية أمر غير محتمل، بالنظر إلى الوضع الراهن للأمم المتحدة. ويتمثل الخيار آخر في استحداث آلية بديلة قادرة على تجاوز مجلس الأمن أو حتى الأمم المتحدة كليًا. ويبدو أن المسار الأكثر ترجيحًا هو التخلي تمامًا عن مفهوم المسؤولية الجماعية، ما يترك الأشخاص المستضعفين في العالم دون أي حقوق أو حماية في أوقات النزاعات. وهذا ليس مسارا ينبغي أن يدافع عنه أي أحد أو يشعر بالراحة حياله.

في نهاية المطاف، تقع على حكومة أي دولة مسؤولية حماية شعبها، لكن مبدأ "مسؤولية الحماية" كان يهدف إلى إنشاء شبكة أمان في حالة فشل الحكومة المحلية في توفير تلك الحماية، أو الأسوأ من ذلك، في حالة استهدافها لشعبها. ومع فشل هذا المبدأ في سوريا، ستبقى تداعيات هذه الحرب على العلاقات الدولية، وعلى شرعية الأمم المتحدة، وعلى قدرة العالم على التعامل مع الفظائع وجرائم الحرب، محسوسةً لعدة سنوات في المستقبل. إذا لم يستطع العالم التعلم من إخفاقه الجماعي في حماية الشعب السوري ولم يتمكن من إيجاد طرق أخرى لتجنب تكرار مثل هذه المأساة، فإن المستقبل يبدو شنيعا بالفعل.

المصدر: فورين بوليسي