لم يكن إعلان لجنة الانتخابات الرئاسية في إيران، فوز المرشح المحافظ إبراهيم رئيسي بالانتخابات الرئاسية الإيرانية بنسبة 62% من مجموع الأصوات بالأمر المفاجئ، فقد جرت عملية هندسة واضحة لفوزه قبل بدء سباق الانتخابات، أشرف عليها مجلس صيانة الدستور بدعم وتوجيه من المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي، عبر إبعاد العديد من المنافسين المحتملين له من جهة، وإجبار مرشحين آخرين على الانسحاب لصالحه من جهة أخرى، حتى أصبحت الانتخابات الرئاسية أشبه بكرنفال احتفالي يستعرض فيه التيار المحافظ والحرس الثوري قوتهم وسطوتهم بالداخل الإيراني، مكررين مشهد الانتخابات البرلمانية في فبراير/شباط 2020، عندما اكتسح التيار المحافظ الأصوات في هذه الانتخابات، وهيمن بصورة مطلقة على مجلس الشورى الإيراني.

مما لا شك فيه أن فوز رئيسي سيخلق حالة وحدة في الخطاب الإيديولوجي الإيراني الموجه للداخل والخارج، وهو ما يطمح إليه خامنئي، الذي يجد في التنافر الذي أصاب مفردات هذا الخطاب، ما يهدد مستقبل جمهوريته، فحالة التمرد التي أظهرها الرئيس السابق حسن روحاني ووزير خارجيته محمد جواد ظريف، لم تعد تُطمئن خامنئي على مستقبل حالة الاستقرار السياسي في إيران.

ومن ثم لا بد من إعادة هندسة الحياة السياسية عبر رئيسي، الذي ستوكل له مهمة تحقيق هذه الرغبة، فستكون هناك حالة تكامل بين ثلاث مؤسسات مهمة في إيران هي: مؤسسة الرئاسة ومجلس الشورى والحرس الثوري، بدعم وتأييد من مؤسسة المرشد، ومن ثم فإنه عبر هذه الوحدة سيكون خامنئي قد حقق الطرف الأول من المعادلة، وهو تحقيق الاندماج الكامل في الداخل، بما يضمن استقرار ولاية الفقيه من بعده، أما على مستوى الخارج، فسيُعيد رئيسي صياغة الدبلوماسية الإيرانية، وتحديدًا في المفاوضات النووية، خصوصًا إذا أصبح سعيد جليلي وزيرًا للخارجية.

تحديات كبيرة في وجه رئيسي

يواجه رئيسي تحديات كبيرة أبرزها أزمة شرعية النظام التي تعرضت لضربة كبيرة بسبب المقاطعة الكبيرة التي شهدتها العملية الانتخابية الأخيرة، إذ لم يشترك إلا 28 مليون ناخب من أصل 60 مليون ممن يحق لهم التصويت، ومن ثم فإن هذه النسبة تؤشر إلى أن رئيسي لا يحظى بمقبولية كبيرة في الداخل الإيراني.

إذ ينظر أغلب الإيرانيين إليه على أنه مرشح النظام وليس الشعب، إلى جانب ذلك يواجه رئيسي تحدي تنظيم عملية انتقال سلس للخلافة في مرحلة ما بعد خامنئي، فانتخابه رئيسًا بدعم وتأييد من خامنئي، كان في جزء رئيس منه لتحقيق هذه الغاية، فضلًا عن تحديات أخرى اقتصادية واجتماعية.

ما زالت أذهان الإيرانيين ماثلة في الاحتجاجات المناهضة للنظام في نوفمبر/تشرين الثاني 2019، التي نجمت عن زيادة أسعار الوقود وقتلت خلالها قوات الأمن واعتقلت الآلاف

فالإيرانيون الذين يزدادون إحباطًا وخيبة أمل يومًا بعد يوم، لديهم قائمة متزايدة من الشكاوى، ربما من المفارقات أن هذا شيئًا تطور خلال السنوات الأربعة الماضية من إدارة روحاني الإصلاحية، وعلى رأس القائمة الحالة المزرية للاقتصاد، الناجمة عن الفساد الحكومي وسوء الإدارة والعقوبات الاقتصادية العقابية واسعة النطاق التي أعادت إدارة دونالد ترامب فرضها بعد انسحابها من الاتفاق النووي عام 2018.

بالإضافة إلى ذلك يبدو أن حقيقة وجود إدارة روحاني في السلطة منذ عام 2013، وخدمتها لفترتين كاملتين، تؤكد أن الفصائل المعتدلة والإصلاحية غير قادرة على إحداث تغيير ملموس، ويرجع ذلك جزئيًا إلى محدودية سلطات الرئاسة مقارنة بالمرشد الأعلى والسلطة القضائية والمناصب الأخرى التي لم يخترها المرشد مباشرة.

أخيرًا هناك القمع الصريح، فما زالت أذهان الإيرانيين ماثلة في الاحتجاجات المناهضة للنظام في نوفمبر/تشرين الثاني 2019، التي نجمت عن زيادة أسعار الوقود وقتلت خلالها قوات الأمن واعتقلت الآلاف، ثم حدث الإعدام غير المشروع للمصارع نافيد أفكاري في سبتمبر/أيلول 2020.

فقد أثار هذان الحادثان غضب الجماهير، يضاف إلى ذلك إسقاط الحرس الثوري طائرة ركاب تابعة للخطوط الجوية الأوكرانية، ما أسفر عن مقتل 176، بينهم عشرات الإيرانيين، خلال توترات شديدة مع الولايات المتحدة في يناير/كانون الثاني 2020 - بعد اغتيال قائد فيلق القدس قاسم سليماني بطائرة مسيرة أمريكية.

ومع هذه المظالم سيكون رئيسي أمام مشهد قابل للانفجار في أي لحظة، خصوصًا في ظل الطلاق الذي حصل مع حوزة قم، فقد أظهرت نسب التصويت في الانتخابات، حصوله على أدنى نسبة في مدينة قم التي تُعتبر تاريخيًا حاضنة النظام، في حين حصل على أعلى الأصوات في مدينة مشهد، ما يعني عمليًا انتقال السلطة من قم إلى مشهد، وما يمثله هذا الانتقال من تداعٍ مستقبلي على مشهد النظام السياسي الإيراني في مرحلة ما بعد خامنئي. 

إجمالًا لن تكون رئاسة رئيسي مستقرة إلى حد كبير، خصوصًا في ظل السجل المخالف لحقوق الإنسان الذي يرتبط به منذ حقبة الثمانينيات من القرن الماضي، عندما ترأس لجنة الإعدامات في محكمة الثورة التي راح ضحيتها 30 ألف معارض، فقد قالت الأمينة العامة لمنظمة العفو الدولية أغنيس كالامارد، تعقيبًا على فوز رئيسي: "صعود إبراهيم رئيسي إلى الرئاسة بدلاً من التحقيق معه في الجرائم ضد الإنسانية المتمثلة في القتل والإخفاء القسري والتعذيب، هو تذكير قاتم بأن الإفلات من العقاب يسود في إيران".

فضلًا عن ذلك أحجمت الدول الأوروبية والولايات المتحدة ودول عربية عديدة عن توجيه التهنئة له بمناسبة فوزه بالانتخابات، وهو ما يؤشر إلى مدى التحدي الكبير الذي سيواجهه رئيسي في الداخل والخارج، خصوصًا أنه الرئيس الإيراني الأول الذي يصل لمنصب الرئاسة، وهو خاضع للعقوبات الأمريكية.