على طول قضبان السكك الحديدية في السودان، تنتصب جرارات وقاطرات وعربات فارغة لقطارات أُنتجت في أوروبا والهند والولايات المتحدة قبل أكثر من 50 عامًا تحت حرارة الشمس الحارقة، فأغلبها أُصيب بأعطال وأصبح خارج الخدمة بسبب غياب خطط الهيكلة وتكلفة الصيانة المشطة.

فحاضرًا، لم يبق لهيئة سكك حديد السودان إلا 60 قطارًا ما زال يعمل ويسير بسرعة لا تزيد على 40 كيلومترًا في الساعة بسبب ضعف العوارض الخشبية للقضبان التي وضعت بين عامي 1896 و1930، بعد أن كانت تضم أكبر شبكة حديدية في إفريقيا، إذ كانت قضبانها تمتد لنحو 5978 كيلومترًا من الحدود المصرية إلى دارفور في الغرب وبورسودان على ساحل البحر الأحمر ثم إلى مدينة واو التي تقع الآن في دولة جنوب السودان.

 

تاريخ السكة الحديدية

للقطار في السودان قصة أخرى، فلم يكن وسيلةً لتنقل الأشخاص أو نقل البضائع من مدينة إلى أخرى فقط، بل كان عنصرًا مهمًا في خلق التماسك الاجتماعي في دولة تعرف بتنوعها الإثني والعرقي ومساهمًا في نهضة اقتصادية وتنموية، لذلك تغنى السودانيون في أشعارهم وموسيقاهم بالسكة الحديد، معبرين عن حنينهم إلى عصر القطار الذهبي.

 

تُشير المراجع التاريخية إلى أن فكرة إنشاء سكة حديد بالسودان في بدايتها كانت بغرض تنفيذ الإستراتيجية العسكرية في عهد محمد علي باشا الرامية لغزو السودان، فالمرحلة الأولى توقفت في منطقة عبكة أقصى الشمال عام 1875، وفي عام 1877 وصل الخط الحديدي إلى منطقة صرص، وتوقف حتى عام 1884 وواصل إلى عكاشة عام 1885.

وبعد مراحل مستمرة من التجديد ومد الخطوط، بدأ استخدام السكة الحديدية في نقل الصادرات والواردات التي على إثرها تمَ إنشاء خط يربط ميناء سواكن بالخط الرئيسي عام 1904، وفي عام 1905 بدأ تشييد الميناء الجديد في نقطة تسمى الشيخ برغوث، حيث احتفل اللورد كرومر بافتتاح سكة حديد البحر الأحمر في بورتسودان.

في أبريل/نيسان سنة 1909 بدأ العمل في مد الخط من الخرطوم وفي نهاية ذلك العام وصل الخط إلى مدني واستمر تشييد الخط غرب النهر حتى وصل الأبيض في ديسمبر/كانون الأول سنة 1911، ما كان له الأثر الفعلي في ربط كل من الجزيرة وأواسط كردفان بأسواق العالم.

رغم أن السكة الحديدية أنشأها المستعمر البريطاني خدمةً لأهدافه الكولونيالية العسكرية والاقتصادية، فإن السودانيين خلقوا من القطار وسيلةً للنضال الوطني وأداةً للتخلص من الاحتلال وقيوده، فظهرت الحركة العمالية كصوت ينطق باسم الشعب.

أهمية الشبكة

ساهمت سكة حديد السودان بشكل مباشر في خلق نسيج اجتماعي متفرد، نقلت الناس والبضائع والمعارف والثقافات، فتلاقي الأفراد والجماعات داخل القاطرات التي جابت ربوع السودان من شماله إلى جنوبه كان له أثر كبير في التعرف على أساليب العيش والتقاليد، بما قرب المسافات بين مواطن البلد الواحد الأكثر تنوعًا في إفريقيا والوطن العربي.

أما الفوائد الاقتصادية للقطار السوداني، فتمثلت في مساهمة السكة الحديدية التي كانت محركًا أساسيًا للتنمية، بأكثر من ثلث الناتج المحلي الإجمالي وفي تشغيل القوة العاملة في القطاع العام في بداية الاستقلال، فقد قدر عدد العاملين فيها بـ44 ألف عامل.

ولعبت السكة الحديد دورًا تاريخيًا في ربط كل أجزاء البلاد ببعضها، ما يعني أن الاتصال الجغرافي أنتج بدوره ترابطًا اقتصاديًا بين مناطق الإنتاج والاستهلاك والتصدير، استفاد بشكل كبير من انخفاض تكلفة النقل الذي توفره القطارات على عكس باقي وسائل النقل.

 

فمعظم الواردات والصادرات كالقطن الذي شكل 30% من قيمة صادرات السودان حتى عام 1990، والوقود ومدخلات إنتاج الكهرباء في المحطة الحرارية كانت تُنقل من وإلى الموانئ من خلال السكة الحديدية، أي أن القطار لعب دورًا لوجستيًا مهمًا سهل عمليات نقل معظم المحاصيل الزراعية كالذرة والسكر والحيوانية كالماشية والأسماك.

اجتماعيًا، شكلت السكة الحديدية المورد الرئيسي لإمداد الكثير من المدن والتجمعات السكانية التي تقع على مقربة من شبكة الخطوط الممتدة بمياه الشرب العذبة وتوصيل الإمداد الكهربائي من مولداتها الضخمة المنتشرة في العديد من المحطات النائية.

كما عملت شبكة السكة الحديدية على دعم الأنشطة الثقافية في تلك المدن ورعاية الأندية الرياضية وامتلكت الفنادق ومراكز الترفيه الكبرى المنتشرة على ضفاف النيل، ولم يقتصر هذا الدعم على التجمعات التي تضم العاملين في هيئة سكك الحديد، بل شمل كل المواطنين المقيمين حول تلك المحطات.

في غضون ذلك، ساهم انتشار المحطات في أطراف البلاد من شمالها إلى جنوبها، في خلق ديناميكية اجتماعية على أكثر من مستوى، فازدهرت المدن والبلدات التي كانت تشكل نقاط عبور للقطار وأُنشئت المدارس والمراكز الصحية والخدمات الأساسية وبعض المرافق الحيوية الأخرى.

كما ارتبط موعد القطارات بحركة تجارية شعبية، فكانت المحطات عبارة عن سوق متحركة للبضائع والنقل والبيع والشراء، ومصدر رزق لآلاف البسطاء في مناطق مختلفة، وبالتالي فإن القطارات السودانية ساهمت بشكل كبير في امتصاص نسب البطالة المرتفعة بخلقها مواطن شغل غير مباشرة.

سياسيًا، كان لعمال سكة حديد السودان دور بارز في النضال من أجل استقلال السودان، إذ ظهرت البوادر الأولى للحراك الوطني ضد الاستعمار البريطاني في أوساط نقابة هيئة سكة الحديد التي أسست لأولى لبنات الوعي السياسي والحقوقي من أجل التحرر وتحقيق المساواة بين أبناء البلد الواحد.

في تلك الفترة، مثلت نقابة عمال السكة الحديدية الرابط الوطني بين العاملين وعمقت أواصر العلاقات الإثنية والثقافية والدينية بين كل السودانيين، ومهدت لظهور وعي مجتمعي بضرورة تحقيق شعارات الاستقلال الوطني من خلال نقل الصحف والمحاضرات والكتب وشبكة البريد والتلغراف.

تاريخيًا، كانت نقابة السكة الحديد هي الأولى في التشكل ضمن النقابات السودانية الأخرى، بل وكان لها السبق في المساعدة في إنشاء النقابات الأخرى مثل المزارعين والعاملين وغيرهم، وفي مناهضة الاستعمار البريطاني ومقاومة الديكتاتوريات المختلفة بعد الاستقلال، وباتت تشكل قلقًا وهاجسًا للأنظمة السودانية كافة.

الواقع

آلاف السودانيين يتحسرون اليوم على واقع السكة الحديد التي مثلت مؤسسة شعبية ومدرسة اجتماعية ونضالية واقتصادية وتنموية ربطت أطراف البلاد وساهمت في تشكيل وعي ووجدان الناس على مدى أكثر من عقد من الزمان، فالماضي الذهبي الحاضر في وجدان السودانيين، يُقابله واقع مزرٍ لخدمة النقل الحديدي التي دخلت مرحلة الانحدار في السبعينيات والسقوط في الثمانينيات بعد تسييس هيئة إدارة السكة الحديد.

 

في تلك الفترة، تضررت البنية التحتية لخطوط السكك والقاطرات والجسور والإشارات، وعجزت ورش الصيانة عن تأهيل العربات والخطوط، كما ساهم الحظر الذي فرضته الولايات المتحدة منذ العام 1997 في توقف العمل بالقاطرات المستوردة لعدم توافر قطع الغيار.

هذا التدهور تسبب في انحسار دور القطار كناقل وطني وارتفاع تكلفة نقل البضائع من مدخلات ومنتجات الزراعة وترك أثرًا كبيرًا على الإنتاج الزراعي، ولم تعد الخطوط ملائمةً لاحتياجات التنمية في السودان ولحاجتها للربط بالدول المتجاورة لتعزيز الروابط التجارية مع مصر وإثيوبيا.

 

وبحسب تقارير رسمية، كانت هيئة سكك حديد السودان هي الناقل الرئيسي لصادرات وواردات البلاد، فكانت تنقل 90% منها للموانئ، وكانت وسيلة المواصلات الرئيسية داخل البلاد، لكن أداء الهيئة أصابه الكثير من الخلل ففقدت بريقها.

المستقبل

في ظل اقتصاد مترهل يعاني من أزمات شديدة التعقيد نتيجة خسارته لأغلب إنتاجه النفطي منذ انقسام السودان وتأسيس دولة جنوب السودان عام 2011، تأمل الخرطوم أن يؤدي تحديث السكك الحديدية إلى زيادة صادرات الماشية ومنتجات مثل القطن والصمغ العربي الذي يستخدم في صناعة المشروبات والأدوية.

فإعادة صيانة شبكة الخطوط وتعصير القطارات، من شأنه أن يساهم في احتواء ارتفاع التضخم والتراجع الحاد في قيمة الجنيه (العملة السودانية) عبر تسهيل نقل البضائع بما في ذلك الماشية والمنتجات الزراعية التي تمثل نحو 20% من صادرات السودان، إضافة إلى تسهيل استغلال المناجم والثروات الباطنية الأخرى وتشجيع السياحة.

 

خطط الحكومة السودانية لإحياء السكك الحديدية لم تنجح إلى الآن بسبب غياب البرامج الإصلاحية العميقة، فعملية تأهيل هذا القطاع الحيوي تتطلب مراحل تشمل أولًا تأهيل الخطوط الموجودة وصيانة القضبان والآلات الساحبة والناقلة وتدريب الكوادر وإعادة هيكلة المؤسسة، ثم الانتقال إلى مرحلة بناء خطوط جديدة بالاتساع القياسي، تليها مرحلة ربط المدن التي ليست لديها سكة حديد بدول الجوار، وهي خطة تتطلب تمويلات كبرى ومساعدات من دول كالصين وكوريا وأمريكا.

تتحمل الحكومة السودانية مسؤولية ما آلت إليه السكة الحديد التي كانت تمثل شريان الحياة الاقتصادي والاجتماعي في البلاد، بعجزها عن صياغة خطط لتأهيل هذا المرفق الحيوي بما يتناسب مع متطلبات المرحلة والتحولات العمرانية والبيئية وتطور التكنولوجيات الحديثة سواء على مستوى القاطرات أم الإدارة.

أنتجت السكة الحديدية السودانية مجتمعًا متنوعًا ثقافيًا لكنه مترابط اجتماعيًا وأسهمت في دفع عجلة الاقتصاد ويسرت انتقال المعارف والخدمات إلى الداخل وأحدثت توازنًا وعدالةً تنمويةً بين الجهات ما كان لها أن تصلها لولا القطار، لكن يبدو أن تدخل السياسة السافر كان سببًا في تصفية سكة الحياة.