تراجع حزبي ماكرون ولوبان

تراجع حزبي ماكرون ولوبان

قبل سنة من الانتخابات الرئاسية المرتقبة، تلقى حزبا مارين لوبان اليميني المتطرف وإيمانويل ماكرون الحاكم، ضربة موجعة في الدور الأول للانتخابات الإقليمية التي أجريت أمس، وسط عزوف نسبة كبيرة من الفرنسيين عن التصويت.

نتائج أولية تؤكد حتى الآن تقدم مرشحي حزب "الجمهوريون" اليميني الجمهوري، ما من شأنه أن يقلب كل التوقعات بخصوص الانتخابات القادمة، التي سبق أن أكدت استطلاعات الرأي أنها ستنحصر بين لوبان وماكرون في إعادة للدور الثاني خلال انتخابات عام 2017.

شعبية حزب ماكرون في تراجع

فشل حزب الرئيس إيمانويل ماكرون "الجمهورية إلى الأمام"، في تحقيق نتائج جيدة في الانتخابات الإقليمية التي يختار الناخبون فيها مجالس جديدة في 13 منطقة من البر الرئيسي في فرنسا، بالإضافة إلى واحدة في الخارج، بالإضافة إلى 96 دائرة.

تعتبر هذه المرة الأولى التي يشارك فيها الحزب - الذي أنشئ حول ماكرون لخوض الانتخابات الرئاسية عام 2017 - في الانتخابات الإقليمية، ذلك أنه لم يكن موجودًا خلال الانتخابات التي أجريت سنة 2015، وتظهر النتائج الأولية أن الحزب الحاكم فشل في الحصول على الدعم الكافي في المناطق المحلية.

على الرغم من الحضور الهائل لـ15 وزيرًا على القوائم الإقليمية، لم يخرج أي منهم متقدمًا في الجولة الأولى التي أجريت أمس، حيث تحدثت استطلاعات الرأي عن هزيمة ثقيلة للحزب وبالكاد حصل على نسبة 10% لخوض الجولة الثانية في بعض المناطق.

يعني هذا أن حزب ماكرون لا يملك قواعد محلية، فقد دفع رئيس الحزب ووزراء حكومته ثمن قلة حضورهم المحلي، وعدم استجابتهم لتطلعات الفرنسيين رغم أن العديد منهم يقلل من حجم الخسارة ويربط سببها بأن الحزب حديث العهد.

لم يتجاوز حزب لوبان التي وصلت إلى الدور الثاني في الانتخابات الرئاسية السابقة، 19% من الأصوات على الصعيد الوطني

كان ماكرون يأمل أن تساعد الانتخابات الإقليمية في تدعيم أركان حزبه الجديد في الأقاليم والمناطق الفرنسية، وذلك قبل سعيه للفوز بفترة ولاية ثانية في الانتخابات المقررة في 2022، لكن هذه النتائج قللت من حجم التوقعات والآمال.

بعد مرور 4 سنوات على توليه الحكم، أثبت ماكرون أنه أصبح عبئًا على الفرنسيين ذلك أنه عمل على إقرار قوانين تنتهك الحريات وهو ما يتناقض مع مبادئ "العلمانية" التي يدعي الرئيس الفرنسي الدفاع عنها، على غرار قانون الأمن الشامل الذي تقدمت به الكتلة البرلمانية للحزب الحاكم "الجمهورية إلى الأمام"، الذي يعزز سلطات الشرطة في المراقبة وينتهك الحريات الإعلامية.

أيضًا ساهمت سياساته الاقتصادية في انكماش الاقتصاد الفرنسي، ومن المتوقع أن يتفاقم العجز العام الفرنسي هذه السنة أيضًا ليصل إلى 9.4% من إجمالي الناتج المحلي وهو أمر غير مسبوق في الاقتصاد الفرنسي، يشمل العجز العام ميزانية الدولة وميزانية الضمان الاجتماعي والسلطات المحلية.

حتى اجتماعيًا، فشل الرئيس إيمانويل ماكرون، فالاحتجاجات الاجتماعية لم تتوقف لأشهر طويلة في مناطق عدة من فرنسا، أشهرها احتجاجات "السترات الصفراء" التي اندلعت في 17 من نوفمبر/تشرين الثاني 2018، تنديدًا بالوضع الاجتماعي في البلاد.

ضربة لليمين المتطرف

نفس الأمر حصل بالنسبة لحزب اليمين المتطرف التجمع الوطني الذي تقوده مارين لوبان إذ حقق نتائج أضعف بكثير مما كان متوقعًا، فعلى الصعيد الوطني، لم يحقق حزب لوبان الاختراق الجديد الذي كان يأمل فيه، وفق آخر استطلاعات الرأي، على العكس من ذلك، فإنه فقد قوته.

 لم يتجاوز حزب لوبان التي وصلت إلى الدور الثاني في الانتخابات الرئاسية السابقة، 19% من الأصوات على الصعيد الوطني، وهو ما يعني فقدانه ما يقارب 9 نقاط مقارنة بالانتخابات الإقليمية لعام 2015، على عكس ما توقعته استطلاعات الرأي.

 

أرجعت لوبان سبب هذا التراجع إلى تراجع نسبة المقترعين، إذ شهدت الدورة الأولى من انتخابات المناطق والمقاطعات نسبة مقاطعة مرتفعة جدًا تراوحت بين 66.5 و68.6% بحسب تقديرات معاهد استطلاعات الرأي، وهو مستوى وصفه وزير الداخلية جيرالد دارمانان في تغريدة بأنه "مقلق جدًا".

وأعربت مارين لوبان عن أسفها لارتفاع مستوى الامتناع عن التصويت واتهمت "الحكومة بالإخفاق في التزامها بالتعبئة المدنية"، وأوضحت زعيمة اليمين المتطرف أن "الامتناع يعطي رؤية مضللة للقوى السياسية الحاضرة"، داعية ناخبيها إلى التعبئة في الجولة الثانية.

مع ذلك، لا يمكن أن يكون الامتناع عن التصويت كافيًا لتفسير الأرقام المخيبة للآمال لليمين المتطرف في هذه الجولة الأولى من الانتخابات الإقليمية لسنة 2021، فالفرنسيون ملوا من الاستقطاب الثنائي والانتخاب وفق الأهواء الأيديولوجية.

قبل سنة من الانتخابات الرئاسية المنتظرة، تبدو جميع الاحتمالات قابلة للتحقق بعيدًا عن استطلاعات الرأي

مؤخرًا، أطلق اليمين المتطرف العنان لأقواله وأفعاله، فهو لم يكتف بالعنصرية وكراهية الأجانب والتحيز الجنساني ومعاداة المسلمين والسود ومعاداة السامية بل أيضًا شجع المتطرفين على استهداف رموز السلطة الفرنسية وهو ما تمثل في صفع ماكرون.

خلط الأوراق الرئاسية

نتائج الجولة الأولى من الانتخابات الإقليمية، أحبطت معظم استطلاعات الرأي التي توقعت ارتفاعًا قويًا لحزب مارين لوبان المتطرف، الذي عمل طيلة السنوات الماضية على استغلال كل الفرص لذلك، استعدادًا للانتخابات الرئاسية القادمة.

هذه النتائج لم تحبط استطلاعات الرأي بالنسبة لحزب لوبان فقط، بل أيضًا تلك المتعلقة بالانتخابات الرئاسية المقبلة، فكل الاستطلاعات أكدت أن إيمانويل ماكرون وزعيمة حزب التجمع الوطني اليميني المتطرف مارين لوبان سيتأهلان إلى الدور الثاني من الانتخابات بغض النظر عن هوية مرشح اليمين المحافظ.

هذه النتائج من شأنها أن تعيد خلط الأوراق، فهذا الاقتراع الذي سيجري ضمن جولتين، يعتبر محددًا بشكل أو بآخر لتوجه شعبي يعتبر حاسمًا، فقد يؤثر في رسم معالم نتائج الانتخابات الرئاسية المقررة في مايو/أيار 2022.

 

كان كل من ماكرون ولوبان على يقين أنهما سيتقابلان في الدور الثاني للانتخابات، لكن يبدو أن فرص مرشحي حزب الجمهوريين والحزب الاشتراكي في مواجهة مرشحي التجمع الوطني وحزب "الجمهورية إلى الأمام" بدأت تتزايد، خاصة مع إعلان اليميني كزافييه برتران، وزير الصحة في عهدي الرئيسين السابقين جاك شيراك ونيكولا ساركوزي، الأربعاء ترشحه لانتخابات الرئاسة.

وتمكن رئيس منطقة إيل دو فرانس (شمال) المنتهية ولايته كزافييه برتران من التقدم بفارق كبير عن مرشح التجمع الوطني سيباستيان شونو، رغم أن استطلاعات الرأي كانت تتوقع منافسة شديدة بينهما، ما يعني أن الانتخابات الرئاسية مفتوحة على كل الاحتمالات.

يبدو أن الصفعة القوية التي تلقتها قوى اليسار واليمين الفرنسي المعتدل بعد النتائج الضعيفة والمخيبة للآمال في استطلاعات الرأي الأخيرة أمام اليمين المتطرف كانت حافزًا لهما للعمل أكثر استعدادًا للانتخابات الرئاسية القادمة.

قبل سنة من الانتخابات الرئاسية المنتظرة، تبدو جميع الاحتمالات قابلة للتحقق بعيدًا عن استطلاعات الرأي التي رجحت كفة لوبان وماكرون دون أن تعطي اعتبارًا لمرشح اليمين الممثل للجمهوريين، والاشتراكي الممثل لمعظم قوى اليسار، فكلاهما قادر على تحقيق المفاجأة وتغيير المعادلة.