لا أعلم ما الذي كان يخشاه زوجي أو يفكر فيه وهو يقول لي: "سيكون يوم فراقنا يوم تصبحين كاتبة". كنت أتحدث بحماس عن اكتمال مجموعتي القصصية الجديدة، وعن خطوات النشر التي سأتبعها، ليفاجئني بقوله هذا.

خرجت بعدها من الغرفة بكل هدوء؛ لأعود وأنا أحمل معي مجلة ورقية تحمل مقالًا من مقالاتي، فتحتها أمامه قائلة: "هل تعني بأن الموعد قد حان؟". أعترف أني شعرت بالحزن لظني أني حشرته في الزاوية، لكنه عاد ليقول: "أقصد يوم أعترف أنا بهذا".

ربما تخبرنا الحكاية وتذكّرنا ببعض ما تواجهه المرأة العربية من مصاعب ومشكلات، وهي تحاول أن تعيش شغفها وتمارس هواياتها أو موهبتها، وبسبب قوي من الأسباب الكثيرة التي تجعلها تتنازل عن شغفها وموهبتها دون عودة.

لا أعني هنا بالتأكيد تلك المواهب الصغيرة التي تخدم مهام المرأة، والتي اعتاد عليها مجتمعنا، كالحياكة والطهو والخياطة وإعادة التدوير، وإنما أعني بالتأكيد تلك المواهب التي من الممكن أن تصنع شيئًا من المجد للمرأة يهدد مكانة من معها، أو ربما يجعلها لا تتسامح مع أخطائهم بحقها، والتي تتسامح بشأنها عادة المرأة الضعيفة والهشة، والتي لا تعرف قيمة نفسها جيدًا.

نحن تقريبًا وحيدات 

علمت منذ تلك اللحظة أنني لن أجد الدعم أو التشجيع، وأنني سأكون مضطرة دومًا لأن أحتال على الوقت والطاقة اللذين أمتلكهما، فأنجز وحدي ما تتحمله المرأة عادة في مجتمعاتنا من أعمال منزلية وطهو وتربية وتدريس للأولاد، وأستمر في الالتزام بوظيفتي، ثم أتنازل عن وقت راحتي ومتعتي الخاصة لأحافظ على تلك الكاتبة الساكنة في روحي.

في كثير من الأحيان تجد المرأة، التي تتبع شغفها غير المألوف، عداءً من النساء أنفسهن، كونها شكلت صورة تتميز بها عنهن، فتبدأ مشاعر الغيرة وما يتبعها من لوم وانتقادات تطالها، وتعليقات تَنسب إليها التقصير فيما هن ماهرات به من أعمال منزلية ومهارات اجتماعية، وكلما ازداد حجم الجهل والفوارق في الوعي، ازدادت الاتهامات ضراوة، مع تجاهل تام لما فيها من محاسن.

لم تكن تلك هي الصدمة الأولى

سبق تلك الحكاية أخرى تعلمت منها أيضًا أنني يجب أن أتقبل وحدتي ككاتبة، وأنه لن يكون هناك أي دعم من المحيط حولي مهما بدا مثقفًا.

لم يكن الأمر بائسًا جدًّا على كل حال، ولم أتوقف عن حمل مقالاتي للمكان نفسه.

اشتريت يومها 3 نسخ من المجلة التي نشرت مقالتي الأولى، كنت في غاية السعادة وأنا أرى حلمًا تحقق، بل أعتقد أنه لم يكن هناك من هو أسعد مني في العالم تلك اللحظة. حملت فرحتي مع المجلة إلى تجمّع لم يكن فيه من لا يحمل مؤهّلًا جامعيًّا على أقل تقدير، وتلقيت صدمتي الأبدية في البرود الذي قوبلت فيه مقالتي ومجلتي.

لم يكن الأمر بائسًا جدًّا على كل حال، ولم أتوقف عن حمل مقالاتي للمكان نفسه، وإنما لم أعد أنتظر التشجيع والفرح بما أنجزته، بل بتُّ أحملها ليستفيد منها من يريد فقط، دون أن أنتظر من يشاركني الفرحة.

ليس المجتمع وحسب

صدمة ثالثة تلقيتها لا تتعلق بالمجتمع ونظرته إلى المرأة، بل بواقعنا السياسي المرير الذي منعت بسببه من دراسة الصحافة، كوني ابنة معارِض من الممكن أن يتم تهميشها أو اعتقالها بسهولة، لأن كل كلمة لها سيتم النظر فيها وفي تأويلاتها.

مُنعت من دراسة الصحافة من قبل والدي خوفًا عليّ كابنة له أولًا، وكأنثى لا يمكن جبر كسرها بسهولة، حسب ظنه، في حال تعرضت للاعتقال أو الأذى لأي سبب.

وقد بدأت عناصر المخابرات بالبحث والتقصي عني في كل مكان أعمل فيه أو أزوره بعد نشر مجموعتي القصصية، وكان وصول الخبر إلى مسمعي متعمدًا جدًّا ضمانًا لتحجيمي، ولأخذ الحذر والحيطة قبل أن أكمل.

عالمي الآخر كبديل

هذا ما فعلته، وكنت من المحظوظات بوجود الشبكة العنكبوتية، وبدء مرحلة المنتديات الأدبية في ذلك الوقت، والتي استمرت لنحو 10 سنوات قبل أن تلغيها مواقع التواصل الاجتماعي.

كان الأمر ممتعًا جدًّا، وسريًّا جدًّا، ووجدتني بين مجموعات تشبهني في اهتمامها بالأدب والنشر، ومن هناك كانت البداية. بدأت مرحلة جديدة، انتقلت فيها من الأديبة الهاوية إلى من تمتلك أدوات الكتابة، تعلمت من تلك المجتمعات الكثير من التقنيات المتعلقة بالكتابة الأدبية، وتعرّفت إلى من يمارسون ما ينظر إليه المجتمع على أنه ترف لا يليق بالمرأة، لقد وجدت نفسي أخيرًا بين من يشبهونني، ويبيعون لأجل الكتابة الكثير من متع الحياة أو لنقل لا يستبدلون الكتابة بأي متعة أخرى.

لم أهتم بعدها للمجتمع من حولي، ولم أعد أتحدث عن كتاباتي وما أنشره تجنبًا للصدمات التي كنت أتلقاها، كلما قابلتني تلك النظرات التي تشعرني أنني من عالم آخر، والتي تتهمني بالتقصير في حق عائلتي دون وجه حق، وخوفًا من أن تُعاد فكرة البحث والتحري عني من قبل عناصر المخابرات.

لم أكن وحدي تمامًا في الحقيقة، ولم تكن هذه حكايتي أنا فقط، بل كان لوالدي عالم مشابه جدًّا يعيش فيه بين من يشبهونه، فيكتبون الشعر والقصة والمقالة، ويتناقشون باهتمام وانفعال واندفاع في الشؤون الأدبية والسياسية، لكنه كان عالمًا واقعيًّا في قهوة تدعى "مقهى الروضة" في مدينة حمص، والتي يتجمع فيها المثقفون والتقدميون بشكل عام، وكانت بالتأكيد حكرًا على الرجال.

بينما كان لي أنا عالمي الإلكتروني السري، وكنت راضية به، ومشبعة، وسعيدة أيضًا.

الفن في مواجهة العنف دومًا

إنها الحقيقة التي لا يمكن نكرانها أو تجاوزها، وقد تحدثت دراسات كثيرة قديمة وحديثة عن أهمية ودور الموسيقى مثلًا، والرسم والكتابة والغناء والرقص، والفنون التقليدية كالحياكة والتطريز والنحت وغيرها في علاج الأمراض النفسية والجسدية، وفي قدرة الإنسان معها على مواجهة ضغوط الحياة وتجاوزها، عندما يمتلك موهبة يمكنه من خلالها التعبير أو تصريف طاقاته السلبية على أقل تقدير.

وربما هذا يفسِّر كمية المشاحنات والجرائم والعنف التي تملأ شوارع الأحياء الفقيرة، التي لا يملك ساكنيها القدرة والوقت، وبيوت المجتمعات المتشددة التي تعتبر ممارسة الفن مثلًا أو الكتابة أمرًا يستحق صاحبه أن يكون منبوذًا، أو تجعل منه مادة رائعة للسخرية والتندر بل الرفض.

الكتابة وحدها من أنقذني

لا أعلم ما الذي كان سيقوله زوجي لو علمَ أن الكتابة وحدها كانت من وقف معي في غربتي ومحنتي، بعد أن فقدت كل شيء وبتُّ وأولادي وحدنا في بلد غريب، وغادرنا هو وابني الكبير إلى العالم الآخر.

يقول كاقكا: "وحش يقترب من الجنون هو الكاتب الذي لا يكتب". ربما علينا أن نضيف الكثير إلى مقولة كافكا، والتي لا يجب أن تقتصر على الكتابة، بل على كل أنواع الفنون والهوايات والمواهب بالتأكيد.

أنقذتني الموهبة من الوحدة، من الملل، من الألم والحزن والغضب، وفتحت لي أبوابًا كبيرة من العلاقات والأعمال، ومنحتني صوتًا قويًّا لا يقدَّر بثمن.

لقد وجدت أنا ثمرة اهتمامي بما أملكه من موهبة، وثمن تضحياتي لأجلها، لقد وجدتها بجانبي بكل بسالة في أشد الأوقات حلكة، ولم يقتصر نفعها بالتأكيد على المقابل المادي الذي يحفظ للمرء كرامته وصحته النفسية، ويحفظ له حريته أيضًا.

لقد أنقذتني الموهبة من الوحدة، من الملل، من الألم والحزن والغضب، وفتحت لي أبوابًا كبيرة من العلاقات والأعمال، ومنحتني صوتًا قويًّا لا يقدَّر بثمن. وهذا ما يجب على النساء التنبه إليه، فلا يكترثن لحجم التضحيات للحفاظ على مواهبهن وجعلها مصدرًا للرزق ومشروع العمر ولو بعد حين، وألّا يتخلين عنها أبدًا.

للموهبة مزايا أخرى:

  • الجاذبية أولًا:

 يقول مصمم الأزياء الفرنسي إيف سان لوران: "مستحضر المكياج الأجمل للمرأة هو الشغف".

علينا أن نصدق تلك العبارة ونأخذها على محمل الجد، كونها خرجت من رجل يعمل في عقر دار صناعة الجمال، وبالتالي يناقض ما تهدف إليه دور الأزياء ومؤسسات صناعة الجمال ومستحضراته.

وهي رسالة عظيمة للمرأة تجعلها تشعر بالثقة، وتخفف عنها وطأة فقدانها للجمال أو الشباب، كونهما مما لا يمكن الاحتفاظ به، على عكس الشغف الذي تزداد عطاياه كلما منحناه الاهتمام، وكلما تقدمنا في السن بصحبته.

  • التطور على الصعيدَين الشخصي والمعرفي:

لا يوجد دافع للتعلم أقوى من الهواية، فهي تجعلنا نقبل على التعلم بحب ربما سيجعلنا نتعجب من أنفسنا، لأننا نحتاج دومًا إلى تطوير إمكاناتنا، وملاحقة التطور المعرفي الهائل للعالم من حولنا.

  • تعزيز الثقة بالنفس واحترام الذات

التعلم وتطوير المهارات إنجاز بحد ذاته، وسيكون مضاعفًا مع ما تنتجه مواهبنا من إبداعات، حيث لا يوجد أقوى من الإنجاز والتعلم لرفع مستوى الثقة بالنفس واحترام الذات بالحقيقة، وعلينا أن نقدّر هذا لمواهبنا.

كما تمنحنا الهواية شعورًا بالرضا والسعادة والراحة من الأعمال الروتينية المجهدة، وبالتالي هي فرصة للحصول على أعصاب مرتاحة وصحة نفسية وجسدية، وكذلك تعد من أهم الوسائل لزيادة المعارف والتواصل مع من يشبهوننا، وتكوين المجتمعات المتجانسة والداعمة، وهي ثروة حقيقية بالتأكيد.

لا بد من هواية إذًا، فلنبدأ بتنميتها إن كنا عرفناها. ولنبحث عنها إن كنا غير متأكدين. ثم لنتمسك بها كتمسُّكنا بصديق هو الأعز والأقرب والسند الحقيقي في كل أزماتنا المحتملة.